“السَودا”.. روح طرطوس ودفء أهلها
عنب بلدي -

على بعد 15 كيلومترًا باتجاه الشمال الشرقي لمدينة طرطوس الساحلية غربي سوريا، وعلى ارتفاع أكثر من 300 متر فوق سطح البحر، تقع بلدة السَودا، إحدى أجمل وأقدم القرى التابعة لريف محافظة طرطوس.

تتموضع البلدة على فوهة بركان خامد، وهو كان سببًا في تمييزها عن غيرها من القرى، كما تمتاز بطبيعتها الساحرة وكنائسها القديمة ومبانيها المزدانة بالأحجار البازلتية السوداء.

تتبع السَودا إداريًا لمنطقة طرطوس، وتعد مركزًا لناحية السَودا التي تضم عددًا من القرى والبلدات، كالعنازة ومتن الساحل وبحنين وحصين البحر.

كما يحيط بها عدد من القرى مثل: رأس الكتان من الشرق، عورو والبريج من الجنوب، بعشتر من الشمال الغربي، زمرين من الشمال.

البلدة الشاهدة على حضارة طرطوس، تتمتع بموقع جغرافي مهم، إذ تشكل عقدة اتصال بين الساحل والجبل باتجاه الداخل السوري، وخصوصًا طريق طرطوس- وادي العيون- مصياف باتجاه حماة.

يعتمد سكان البلدة على الزراعة إلى حد كبير، ونظرًا إلى قلة مياهها كونها تتربع على هضبة بركانية فهي تشتهر بالزراعات البعلية، خاصة الأشجار المثمرة مثل التين والزيتون، إضافة إلى زراعات شتوية مثل القمح والشعير.

الآثاري بسام وطفة، قال في حديث إلى عنب بلدي، إن تاريخ السَودا يعود لنحو 370 عامًا، إذ بُنيت على أنقاض قرية قديمة جدًا، استوطنها سكان وفدوا من مناطق متفرقة من سوريا ولبنان، ليؤسسوا مجتمعًا متماسكًا قائمًا على المحبة والألفة.

السَودا، بحسب وطفة، تسمية سريانية تعني المقياس أو المكيال، وفي اللغة “سوِد” صار لونه كلون الفحم فهو أسود، لافتًا إلى أن العرب كانت تسمي الأخضر الشديد الخضرة أسود لأنه يُرى كذلك.

من طرطوس إلى “الشانزيليزيه”

الآثاري وطفة، أوضح أن القرية سُمّيت بهذا الاسم نسبة إلى الأحجار البازلتية السوداء التي تشتهر بها، والتي بُنيت أغلب مبانيها منها، مشيرًا إلى أن من هذه الحجارة أيضًا تم بناء شارع “الشانزيليزيه” في العاصمة الفرنسية باريس، إذ كانت تُنقل الحجارة إبان الاستعمار الفرنسي لسوريا من السَودا عبر البحر إلى بيروت ثم إلى فرنسا.

سوق أثري

في أثناء الحديث عن المعالم الأثرية لبلدة السَودا، لا بد من الحديث أولًا عن سوق السَودا القديم المرصوف بالحجارة السوداء، بحسب وطفة، والذي لا يزال حتى الآن محافظًا على طابعه التراثي القديم في أغلب محاله وواجهاته الخشبية الكبيرة، إضافة إلى استمراراه في تأمين أغلب حاجيات المواطنين من أبناء البلدة وسكان المناطق المجاورة.

وينتهي السوق بكنيسة أثرية قديمة تُعرف باسم كنيسة “رقاد السيدة العذراء”، وهي من المعالم التاريخية البارزة في السَودا.

أقدم الكنائس السورية

بحسب الآثاري، تسمى هذه الكنيسة أيضًا بـ”نياح السيدة”، وتعتبر من أقدم الكنائس السورية، إذ تعود للقرن الثالث الميلادي، والمقصود بـ”نياح السيدة” أي رقاد السيدة العذراء، وهو يوم 15 من آب من كل عام، إذ يتم الاحتفال بعيد السيدة العذراء وطلب الشفاعة.

الكنيسة مكوّنة من قسمين، وفق وطفة، كنيسة قديمة وأخرى جديدة تم بناؤها عام 1889، مبينًا أن اسم البلدة كان “خربة السودة” قبل وصول الوافدين إليها.

وقد عثر الوافدون على قرية صغيرة فيها هيكل صغير نصف دائري لا يتعدى المترين تحت شجرة زيتون معمرة في غابة برية يحوي على مائدة صليب محفورة على حجر بازلتي، عندما لم يكن في السودا كنيسة.

وتقول الرواية المتداولة، بحسب الآثاري، إن مكان هذا الهيكل يظهر نور يمثل في صورة السيدة العذراء يُضيء ظلمة الليل، لهذا سُمّيت بهذا الاسم، موضحًا أن هذه الكنيسة لم تُبنَ وفق النمط البيزنطي، وإنما خليط من الأنماط والمدارس.

وهناك بعض العادات والتقاليد التي اندثرت من جميع القرى وتفخر قرية السَودا بأنها لا تزال تحافظ عليها، مثل “كرنفال البرازيل”، الذي يستمر لمدة أسبوع كامل في فصل الربيع، إذ يرتدي الأهالي أزياء تنكرية ويتجولون في القرى والمناطق المحيطة.

ويأمل أبناء السَودا أن توضع بلدتهم على الخارطة السياحية في سوريا كمنتجع ريفي وأن تصبح مقصدًا للسياح، مستفيدين من موقعها المتميز وجمال طبيعتها الهادئة وبنيتها التحتية التراثية، لتنشيط الاقتصاد المحلي.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد