في رواية “قلوب على الأسلاك” للكاتب السوري عبد السلام العجيلي، يتخذ السرد من علاقة شاب بأربع نساء في دمشق مدخلًا لحكاية أوسع تتجاوز العاطفة نحو المجتمع والسياسة والتحولات التاريخية التي عاشتها البلاد في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
الرواية تعد واحدة من الأعمال التي تقترب من الحياة الداخلية للإنسان أكثر من تركيزها على الأحداث الخارجية، فهي ليست رواية عن الحب بوصفه علاقة عاطفية فحسب.
البطل يستعيد تجربته مع أربع علاقات مختلفة، لكل واحدة منها أثر خاص في حياته، حيث علمته الأولى معنى الحب، والثانية قدمت له حبًا صادقًا في لحظة كان فيها لا يزال عالقًا بتجربته الأولى، ما دفعه إلى الابتعاد عنها، أما العلاقة الثالثة فكانت مع امرأة امتلكت شخصية أقوى منه، حاول التقرب منها وكسبها، لكنها اختارت شخصًا آخر من محيط عائلته الميسور، في المقابل، تأتي العلاقة الرابعة كحب صامت، إذ إنه أحبها لكنه لم يجرؤ على البوح بمشاعره.
الشخصيات في الرواية تبدو وكأنها تتحرك على “أسلاك مشدودة”، كما يوحي العنوان، حيث كل خطوة محسوبة، وكل انجذاب يحمل احتمال السقوط، وهذا الأمر منح النص بنيته الأساسية، حيث ليس هناك استقرار عاطفي.
هذه القصص العاطفية لا تقدم بوصفها حكايات منفصلة، بل كجزء من سرد يواكب مرحلة مفصلية من التاريخ العربي الحديث، حين كانت فكرة الوحدة بين سوريا ومصر بقيادة جمال عبد الناصر وشكري القوتلي حاضرة بقوة، وما رافقها من آمال واسعة تشكل ما يشبه الحلم السياسي في تلك المرحلة.
وفي هذا السياق، لا تتوقف الرواية عند الجانب العاطفي، بل تتوسع لتلامس التحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها المجتمع السوري، وتحديدًا مسألة التنمية غير المتوازنة، حيث ينعكس ذلك في الخلفية الاجتماعية للشخصيات، خصوصًا مع الإشارة إلى بيئات مهمشة مثل محافظة الرقة، التي تقدم كنموذج عن الأطراف التي لم تحظَ باهتمام متساوٍ مع المدن المركزية.
بينما كانت دمشق في الرواية مكانًا اجتماعيًا يضغط على العلاقات ويعيد تشكيلها، حيث تختلط الرغبات الفردية مع قيود المجتمع.
“قلوب على الأسلاك” قدمت علاقات حب متتابعة ضمن لوحة اجتماعية أوسع، في وقت كشفت دمشق من خلال عين شاب يعيش تقلباتها، بين العاطفة الفردية والتحولات الكبرى التي كانت تعيد تشكيل البلاد في تلك المرحلة.
أسلوب العجيلي في السرد يعتمد على الجمع بين البساطة في الحكاية والتكثيف في الدلالة، ما يجعل الشخصيات حاضرة بوضوح، ويمنح كل تجربة عاطفية بعدها الإنساني الكامل، ضمن نسيج اجتماعي وسياسي متداخل.
مَن عبد السلام العجيلي؟ولد عبد السلام العجيلي عام 1918 في مدينة الرقة، التي ظلت حاضرة في سيرته الشخصية والأدبية حتى وفاته فيها عام 2006.
جمع العجيلي بين الطب والسياسة والأدب، في مسار متشعب جعله واحدًا من أبرز الأسماء السورية في القصة والرواية خلال القرن الـ20.
بدأ تعليمه في الرقة قبل أن ينتقل إلى حلب لمتابعة دراسته، حيث أنهى دراسته الثانوية فيها، قبل أن يلتحق بكلية الطب في جامعة “دمشق”، ليعود بعدها إلى الرقة طبيبًا ويفتتح عيادته التي بقيت جزءًا من حياته لعقود طويلة.
إلى جانب عمله الطبي، انخرط مبكرًا في الشأن العام، فانتُخب نائبًا عن الرقة عام 1947، قبل أن يتولى لاحقًا عدة مناصب وزارية، بينها الثقافة والإعلام والخارجية مطلع ستينيات القرن الماضي.
في المجال الأدبي، يُنظر إلى العجيلي بوصفه أحد أبرز كتّاب السرد السوري، إذ قدّم إنتاجًا واسعًا في القصة والرواية، وبدأ مسيرته الأدبية بإصدار مجموعته القصصية الأولى “بنت الساحرة” عام 1948، لتتبعها أعمال أخرى مثل “ساعة الملازم” و”قناديل إشبيلية”، في تجربة جعلت اسمه حاضرًا ضمن المشهد الأدبي السوري والعربي.
Related


