خطيب بدلة
لدي قناعة بأن الأطفال يولدون متساوين في الذكاء (عدا أولئك الذين لديهم عوامل وراثية متنحية تؤدي إلى نوع من التخلف العقلي)، ولكن مجتمعاتنا، بما فيها من ضروب الجهل، والتخلف، ما تلبث أن تتدخل في عقولهم، بطرق مختلفة، فثمة أهل يتيحون لعقول أطفالهم أن تتطور، وتتفتح آفاقها، وأهل يكبتون عقول أطفالهم بالمحفوظات، والخرافات، وشتى أنواع التعصب، والانغلاق، لتصح مقولة أن “الذكاء طبيعي، وأما الغباء فمكتسب”، ويصح، كذلك، زعم أينشتاين بأن الذكاء محدود، وأما الغباء فلا حدود له.
لو عاد الأمر للأهل، وحدهم، لهانت علينا مصيبتنا، فهناك المدرسة، والجامعة، ودور العبادة، ومهاجع الخدمة العسكرية، والأحزاب السياسية، والسجون، والمعتقلات، والمقاهي، والصحف، وقفا أوراق الروزنامة، كلها تساهم في الحد من إمكانات العقل، لأنها تمسك به، وتقيده، وتزوده بما يلزم من التشوهات، والإعاقات، وأكثر ما يتجلى ذلك، اليوم، في عالم السياسة، حيث تركن عقول معظم الناس، إلى أن دول العالم، شرقيها وغربيها، متآمرة علينا، وهذا الاعتقاد رهيب، قادر على إغلاق ما تبقى من نوافذ العقل، فلو سألته عن ماهية المؤامرة، لقال لك: يمنعوننا من التقدم! في حين أن الكثيرين منا يعتقدون بأننا متقدمون، بل ونستطيع أن نقدم الهداية لغيرنا، وأما عن المتآمرين علينا، فهم تشكيلة عجيبة من الاستعمار، والإمبريالية، وقوى الاستكبار العالمي، والصهيونية، والماسونية، والشيوعية، والرجعية، ولعل أكثر ما يريح هذا العقل المتكاسل، أن يشاهد ضابطًا أمريكيًا متقاعدًا، أو سياسيًا بريطانيًا محنكًا، يجلس في مقابلة تلفزيونية ليقول: أي نعم، إن ما جرى في العراق، 2003، كان مخططًا له، في الغرب، وإن خطط إطلاق ثورات الربيع العربي، وضعت في اليوم الفلاني، والتاريخ العلاني، وآخر فيديو وصلني، يقول: نحن الأمريكان، والإنكليز، دمرنا العراق.
أوه، جيد جدًا، بل رائع، يعني أن القائد التاريخي صدام حسين، صاحب القادسية، وأم المعارك، غير مسؤول عما جرى، لم يستنزف خيرات بلده في حروب عبثية، ولم يضرب أحد مكونات شعبه بالكيماوي، والميليشيات الشيعية التي تأتمر بأمر إيران، هي الأخرى بريئة، وكذلك تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي نقل مكاتبه إلى بغداد، ونفذ، خلال بضع سنوات، ألوف التفجيرات الانتحارية، وبشار الأسد لم يجند عناصر من “القاعدة” ويرسلهم إلى العراق!
لم تأتِ أمريكا وبريطانيا لتخلصا الشعب العراقي من استبداد صدام حسين، لو قلنا هذا الكلام لظهرنا ساذجين، مسطحين، فجيوش تينك الدولتين جاءتا من أجل مصالحهما السياسية، والاقتصادية، والاستراتيجية، ولكن تحميلهما مسؤولية بلاوينا كلها، برأيي، هو نوع من الغباء.
أن تقول إن استخبارات أمريكا، وبريطانيا، وإسرائيل، وروسيا، هي التي أوصلت المتطرفين إلى سدة الحكم، في سوريا، يجعلك تتغاضى عن سؤال كبير، خطير، مهم، وهو: كيف تشكلت هذه الجماعات المتطرفة؟ هل أنتجتها مجتمعاتُهم، أم مجتمعاتنا؟ ولماذا تتقدم تلك الدول، وتنتج أسلحة متطورة، وعقولًا متفوقة في الطب، والهندسة، والصيدلة، وصناعة الأسلحة، والأقمار الصناعية، بينما ننتج، حضرتُنا، تشكيلة واسعة من الجهاديين، المتطرفين، الداعشيين، ثم نلقي باللائمة عليهم، ونقول، دون أن يرف لنا جفن: يا أخي هذه التنظيمات صناعة استخباراتية أمريكية؟
Related


