عنب بلدي - 5/3/2026 7:12:15 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – الحسكة
تمثّل الأزياء الشعبية في الجزيرة السورية جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي لسكان المنطقة، إذ ارتبطت لعقود طويلة بأنماط الحياة في الريف والبادية، وشكّلت انعكاسًا مباشرًا للبيئة والمناخ والتركيبة الاجتماعية.
وبينما لا تزال هذه الألبسة حاضرة في بعض القرى والأرياف، يلاحَظ تراجعها التدريجي في مدن الجزيرة، مثل الحسكة والقامشلي، حيث باتت الأزياء العصرية تفرض نفسها بشكل متزايد في الحياة اليومية.
ووفق الباحث الاجتماعي علي الفتاح، فإن هذا التحول يعكس تبدلات اجتماعية واقتصادية متسارعة، أثرت على علاقة السكان، لا سيما الشباب، بتراثهم في اللباس، وحولت الأزياء الشعبية من لباس يومي إلى رمز يُستعاد في مناسبات محدودة.
إرث متجذر في بيئة الجزيرةنشأت الأزياء الشعبية في الجزيرة السورية نتيجة تفاعل طويل بين الإنسان وبيئته، وفق الباحث الاجتماعي علي الفتاح، إذ صُممت لتناسب المناخ القاسي، صيفًا وشتاء. ففي الشتاء، اعتمد السكان على الألبسة الثقيلة المصنوعة من الصوف والجلود، بينما لجؤوا في الصيف إلى الأقمشة القطنية الخفيفة ذات الألوان الفاتحة.
كما تعكس هذه الأزياء تنوع مكونات المنطقة، إذ لم تكن حكرًا على فئة أو جيل، بل نتاج خبرات جماعية، حافظت عليها المجتمعات عبر الزمن، من خلال الحرف اليدوية والتفصيل التقليدي.
شاهد يستعيد تفاصيل اللباسقال محمد العبد الله، الستيني من ريف الحسكة الجنوبي، إن اللباس التقليدي كان يشكّل جزءًا من الحياة اليومية، موضحًا أن “الرجل في الجزيرة كان يرتدي الشالية صيفًا، وهي خفيفة ومريحة، بينما في الشتاء كانت الفروة أساسية، خاصة المصنوعة من جلود الخراف الصغيرة”.
وأضاف، “كنا نلبس الدرّاعة فوق الثياب، وكانت أشبه بالسترة، وغالبًا ما تكون مطرزة، أما الزبون فكان من القطع المميزة، مفتوح من الأمام وله أكمام واسعة، وكنا نربطه بخيوط”.
وتابع، “الصاية أيضًا كانت منتشرة، تُلبس فوق اللباس الداخلي، وبقيت موجودة في الأرياف حتى وقت قريب، إلى جانب المحزم الذي كنا نشد به الخصر، وكان يُصنع من الصوف أو الساتان”.
وأشار إلى “البدن، وهو زبون طويل فضفاض، والسروال مع التكة، وفوقه أحيانًا الشروال في الشتاء”، إضافة إلى قطع مثل “الخرقة الصيفية، والدامر، والإبطية، والمقطنية التي كانت تُلبس كمعطف”.
ويرى محمد أن هذه الألبسة “كانت مريحة وتناسب طبيعة العمل والحياة، وتحمل معنى الانتماء”، مضيفًا أن “اختفاءها من المدن اليوم أمر مؤسف، لأنها جزء من هوية المنطقة”.
الطلب ينحصر بين “الكلابية” و”الفروة”في مدينة الحسكة، يتحدث الخياط أحمد الحسين (45 عامًا) عن التغيرات التي طرأت على مهنته خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى تراجع واضح في الطلب على تفصيل الألبسة التقليدية.
قال أحمد، “اليوم، الطلب على اللباس الشعبي شبه معدوم مقارنة بالسابق، وما يُطلب فعليًا ينحصر غالبًا في الكلابية، خاصة في الصيف، والفروة في فصل الشتاء”.
وأضاف، “الكلابية مطلوبة لأنها مريحة وخفيفة، ويستخدمها الناس داخل المنازل، بينما الفروة لا تزال مطلوبة للبرد، لكنها لم تعد تُلبس كما في السابق بشكل يومي”.
وبرأي الخياط، فإن أحد أبرز أسباب تراجع الإقبال على الألبسة التقليدية هو انتشار “البالة” المستوردة من دول الخليج، موضحًا أن “الملابس القادمة من الخليج، حتى المستعملة منها، أثرت بشكل كبير على عملنا، لأنها جاهزة وأرخص، وتناسب ذوق الشباب”.
وتابع، “في السابق كنا نفصل الصاية والزبون والدامر بشكل مستمر، أما اليوم فهذه القطع اختفت تقريبًا من السوق، ولم يعد أحد يطلبها إلا نادرًا، وغالبًا لكبار السن أو للمناسبات”.
ويرى أحمد أن استمرار هذا الواقع يهدد باندثار المهنة التقليدية، مضيفًا أن “الكثير من الخياطين اضطروا إلى تغيير اختصاصهم، أو التوجه نحو خياطة الملابس الحديثة”.
الشباب بين الراحة و”الموضة”قال محمود الخليل، وهو شاب عشريني من مدينة الحسكة، إن الأزياء العصرية أصبحت الخيار الأول بالنسبة له، معتبرًا أن “الملابس الحديثة أكثر تنوعًا وتناسب الحياة اليومية في المدينة”.
وأضاف، “أرتدي الكلابية في المنزل خلال الصيف لأنها مريحة، لكنها تبقى للاستخدام الداخلي فقط، ولا أرتديها خارج المنزل”.
وأشار إلى أن بعض أصدقائه يفضلون ارتداء اللباس التقليدي في الأعياد والمناسبات، معتبرين ذلك “جزءًا من الحفاظ على التراث”، لكنه أكد أن “هذا الاستخدام محدود، ولا يعكس حضورًا يوميًا كما كان في السابق”.
حضور في الريف وتراجع بالمدنيُظهر واقع الأزياء الشعبية في الجزيرة السورية تباينًا واضحًا بين الريف والمدينة، إذ لا تزال هذه الألبسة تحافظ على حضورها في بعض القرى، بينما تتراجع بشكل ملحوظ في المدن، حيث تفرض الحياة العصرية متطلباتها.
ويرى الباحث الفتاح أن هذا التراجع مرتبط بتغير نمط الحياة، وتأثر الأجيال الجديدة بـ”الموضة” العالمية، إضافة إلى توفر بدائل جاهزة بأسعار أقل.
رغم هذا التراجع، لا تزال الأزياء الشعبية تحتفظ بمكانتها كرمز ثقافي، إذ تظهر في المناسبات الاجتماعية، وتُعد جزءًا من الهوية المحلية لسكان الجزيرة السورية.
ويرى الباحث الاجتماعي علي الفتاح، أن الحفاظ على هذا الإرث يتطلب دعم الحرفيين، وتشجيع إعادة إحياء هذه الألبسة بطرق تتناسب مع العصر، بما يمنحها فرصة للاستمرار.
وفي ظل التحولات المتسارعة، تبقى الأزياء الشعبية شاهدًا على تاريخ طويل من التكيف مع البيئة، ورغم تراجع حضورها في مدن الجزيرة، فإنها لا تزال حاضرة في الذاكرة، وتشهد محاولات متفرقة لإحيائها، قبل أن تتحول إلى مجرد ذكرى من الماضي.
Related
إقرأ المزيد


