عنب بلدي - 5/10/2026 10:33:12 AM - GMT (+2 )
عنب بلدي – محمد ديب بظت
أعادت الغارات الجوية التي نفذها الأردن على مواقع في محافظة السويداء طرح تساؤلات حول الإطار القانوني والسياسي لمثل هذه العمليات، في ظل غياب إعلان رسمي من الجانب السوري بشأن وجود تنسيق أمني بين الطرفين.
الضربات التي جاءت تحت مسمى “عملية الردع الأردني”، لمكافحة تهريب المخدرات والسلاح، تضع الملف في منطقة حساسة تتقاطع فيها اعتبارات أمن الحدود مع مبادئ السيادة الوطنية، ما يفتح الباب أمام قراءات متعددة حول مشروعيتها ودلالاتها.
شرعية الضربات.. دفاع عن النفس أم انتهاك للسيادة؟يرى خبراء أن أي عمل عسكري عبر الحدود يحتاج، من حيث المبدأ، إلى أحد مسارين، موافقة الدولة المعنية، أو الاستناد إلى حق الدفاع عن النفس وفق المادة “51” من ميثاق الأمم المتحدة.
في الحالة الأردنية، لا يوجد إعلان رسمي سوري يؤكد وجود تنسيق، ما يجعل تبرير الضربات أقرب إلى مقاربة الدفاع الوقائي، خاصة مع تصاعد تهريب “الكبتاجون” عبر الحدود.
لكن هذا التبرير يبقى محل جدل، على اعتبار أن توسيع مفهوم الدفاع عن النفس ليشمل ضربات داخل أراضي دولة أخرى، دون إعلان واضح أو تفويض دولي، قد يفتح الباب أمام سوابق إقليمية مشابهة.
التنسيق الصامترغم غياب التصريحات الرسمية، لا يستبعد مراقبون وجود قنوات تنسيق أمنية غير معلنة بين عمّان ودمشق، خاصة في الملفات الحساسة التي لا يُراد لها أن تتحول إلى مادة إعلامية.
هذا النمط من التنسيق الصامت ظهر سابقًا في ملفات حدودية وأمنية، حيث يُترك الغموض كأداة لتفادي الإحراج السياسي، خصوصًا في ظل العلاقة بين الطرفين بعد سقوط النظام السابق التي حكمها التوتر سابقًا.
في المقابل، يشير غياب أي رد رسمي سوري على الضربات إلى احتمالين، إما وجود تفاهم ضمني، وإما عجز عن ضبط الحدود الجنوبية، ما يدفع الأردن للتحرك بشكل منفرد.
رسائل تتجاوز السويداءلا تقف دلالات الضربات عند بعدها الأمني فقط، بل تحمل رسائل سياسية متعددة، أولاها موجهة إلى الداخل الأردني، في إطار إظهار الحزم في مواجهة تهديد المخدرات، أما الرسالة الثانية فتتعلق بالضغط على شبكات التهريب، التي يُتهم بعضها بالارتباط بجهات داخل سوريا.
كما تعكس الضربات تحولًا في قواعد الاشتباك، من الاكتفاء بالملاحقة الحدودية إلى استهداف العمق الجغرافي داخل سوريا، ما يشير إلى تغير في الاستراتيجية الأردنية تجاه هذا الملف.
في هذا السياق، اعتبر المحلل السياسي أحمد القاسم أن الضربات الأردنية الأخيرة في محافظة السويداء جاءت في إطار تنسيق أمني على مستوى جيد بين عمّان ودمشق، وليست خرقًا للسيادة السورية.
وقال القاسم، في حديث إلى عنب بلدي، إن الضربات استهدفت، وفق تقديره، ما تبقى من مخلّفات النظام السابق المرتبطة بتجارة المخدرات، مضيفًا أنها كانت انتقائية وموضوعية، ونُفذت بناء على أهداف وصفها بـ”الواضحة والدقيقة”، اقتصرت على أشخاص ومواقع مرتبطة بهذه التجارة.
دقة الأهداف التي تعرضت للقصف تعكس وجود مستوى عالٍ من التنسيق الأمني بين الجانبين السوري والأردني، بحسب القاسم، معتبرًا أن المعلومات التي استندت إليها العملية لم تكن عشوائية، بل استهدفت أشخاصًا قال إنهم مرتبطون بشبكات تهريب المخدرات.
وبشأن دلالات الضربات، اعتبر القاسم أن السياسة الأردنية تجاه الجنوب السوري لم تشهد تحولًا جوهريًا، مشيرًا إلى أن الأردن نفذ في فترات سابقة عمليات مماثلة ضد شبكات تهريب قرب الحدود.
وأضاف أن ما جرى لا يمكن وصفه بضربات في العمق، بقدر ما يندرج ضمن عمليات تستهدف مناطق حدودية مرتبطة بحركة التهريب.
ورجح القاسم أن تسهم هذه الضربات في تحسين العلاقات بين الأردن وسوريا، معتبرًا أن الحد من نشاط شبكات التهريب قد ينعكس على تخفيف القيود الأمنية ويفتح المجال أمام تسهيل حركة البضائع والنقل التجاري، سواء على مستوى الترانزيت أو التبادل التجاري مع دول المنطقة.
تهديدات غير تقليديةمن جانبه، قال المحلل السياسي الأردني صلاح ملكاوي، إن توصيف الضربات الأردنية داخل الأراضي السورية من منظور القانون الدولي يحتاج إلى تفكيك على عدة مستويات، أبرزها القانوني والدولي والأمني والسياسي، إضافة إلى طبيعة العلاقات بين البلدين.
وأضاف ملكاوي، في حديث إلى عنب بلدي، أنه من حيث المبدأ، فإن أي ضربة عسكرية تنفذها دولة داخل أراضي دولة أخرى تعد انتهاكًا للسيادة وفق ميثاق الأمم المتحدة، إلا في حال توفر استثناءات واضحة، من بينها حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة “51”.
وأشار إلى أن الأردن برر عمليته الأخيرة بأنها استهدفت شبكات تهريب مخدرات وسلاح، مؤكدًا أن هذه الشبكات تشكل تهديدًا مباشرًا لأمنه القومي، وأن العملية بنيت على معلومات استخبارية دقيقة.
تهريب المخدرات، رغم اعتباره في الأصل عملًا جرميًا، يمكن توصيفه قانونيًا كتهديد عابر للحدود في حال ارتباطه بميليشيات مسلحة، وهو ما يندرج ضمن التهديدات غير التقليدية التي قد تستدعي تفعيل حق الدفاع عن النفس.
واعتبر ملكاوي أن هذا الربط بين الميليشيات المسلحة وشبكات التهريب يعزز الموقف الأردني قانونيًا، مضيفًا أن الأردن يحرص تقليديًا على عدم خرق سيادة الدول، ما يدعم فرضية أن العملية جاءت ضمن هذا الإطار الدفاعي، لا كخرق مباشر للسيادة.
الردع الاستباقيحول احتمال وجود موافقة سورية، سواء معلنة أو ضمنية، يرى ملكاوي أن هناك “مؤشرات واضحة” على تنسيق أمني بين الجانبين، مستندًا إلى توقيع اتفاقيات رسمية سابقة لتشكيل لجان أمنية مشتركة لمكافحة التهريب، إضافة إلى تصريحات صدرت عن مسؤولين في البلدين حول وحدة التهديدات الأمنية، من بينهم وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، ونظيره السوري، أسعد الشيباني.
كما أشار إلى وجود تقارير تحدثت عن تفاهمات إقليمية لتبادل المعلومات حول ملف المخدرات، باعتباره تهديدًا عابرًا للحدود، لافتًا إلى أن غياب أي تصعيد دبلوماسي أو رد عسكري سوري على الضربات يعد مؤشرًا إضافيًا على وجود نوع من التنسيق، ولو كان غير معلن.
انخفاض مستوى التغطية الإعلامية الرسمية في البلدين بشأن العملية، مقابل استمرار التصريحات حول ملفات أخرى، يعزز فرضية التنسيق الصامت أو التغاضي المتبادل، لتجنب الإحراج السياسي.
وفيما يتعلق بالتحول في الاستراتيجية الأردنية، قال ملكاوي، إن الأردن انتقل من حالة الدفاع الحدودي إلى الردع الاستباقي داخل العمق السوري، نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها تصاعد تهديد تهريب “الكبتاجون” و”الحشيش”، وعدم كفاية الإجراءات الحدودية في الحد من هذه العمليات.
وأوضح أن بيانات الجيش الأردني في الأسابيع الأخيرة تحدثت عن إسقاط بالونات محملة بمواد مخدرة قادمة من مناطق مختلفة، بينها محافظة السويداء ومناطق حدودية مع محافظات ريف دمشق وحمص، في ظل تنسيق بين المهربين لإرباك حرس الحدود.
وأشار إلى أن هذا التطور في أساليب التهريب، إلى جانب اتساع المناطق التي تنطلق منها هذه العمليات، دفع الأردن إلى اعتماد سياسة ما سماه “الردع الاستباقي”، بحيث لم يعد ينتظر وصول التهديد إلى حدوده، بل بات يستهدف مصادره مباشرة.
ويرى ملكاوي أن الضربات تحمل أيضًا رسالة سياسية مفادها أن الأردن يريد فرض قواعد اشتباك جديدة، تقوم على ضرب مصادر التهديد بدل الاكتفاء بالتصدي لها على الحدود.
وفي تعليقه على ردود الفعل داخل السويداء، اعتبر ملكاوي أن العملية تكشف عن حالة فراغ أمني، مشيرًا إلى أن استمرار عمليات التهريب عبر الطائرات المسيّرة والبالونات، وعدم القدرة على ضبطها، يعكس ضعف السيطرة المحلية.
وأضاف أن قراءة المشهد من داخل السويداء كان ينبغي أن تنظر إلى الضربات باعتبارها مؤشرًا على هذا العجز، مشيرًا إلى أن إنهاء حالة الفراغ يتطلب استعادة السيطرة الأمنية الرسمية كجزء من معالجة ظاهرة التهريب.
في المحصلة، تبقى الضربات الأردنية في جنوبي سوريا مثالًا على التعقيد الذي يحيط بملف المخدرات في المنطقة، حيث تختلط الاعتبارات الأمنية بالسياسية والقانونية، وبينما يبررها الأردن بحماية حدوده، تظل مسألة شرعيتها مرتبطة بطبيعة التنسيق مع دمشق.
Related
إقرأ المزيد


