أزمة مواقف خانقة بدمشق.. رسوم مرتفعة وفوضى واستغلال
عنب بلدي -

دمشق – غنى جبر

تعد أزمة مواقف السيارات في العاصمة دمشق من أبرز التحديات اليومية التي يواجهها السكان وأصحاب المحال التجارية، في ظل الازدحام المروري المتزايد وغياب الحلول التنظيمية الكافية، ما انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين وتكاليف تنقلهم.

رصدت عنب بلدي آراء عدد من أصحاب المحال في مناطق مختلفة من العاصمة، وشرحوا معاناتهم مع نقص مواقف السيارات وارتفاع رسومها، إلى جانب انتشار ممارسات غير منظمة تسهم في تعقيد المشهد المروري داخل المدينة.

أماكن قليلة وانتظار طويل

ناصر قنوز زركزلي، المقيم في شارع بغداد وصاحب محل تجاري، قال إن مشكلة المواقف باتت تشكل عبئًا كبيرًا على أصحاب السيارات، في ظل الارتفاع الملحوظ في عدد المركبات مقابل النقص الحاد في المواقف والمرائب المخصصة.

وأضاف أنه يضطر أحيانًا إلى البحث لمدة تتراوح بين 30 و45 دقيقة للعثور على مكان لركن سيارته، ما يدفعه في كثير من الحالات إلى ركنها بشكل مزدوج وترك رقم هاتفه على الزجاج تحسبًا لأي طارئ.

المشكلة تتفاقم في شارع بغداد، بحسب ناصر، نتيجة إشغال المواقف من قبل موظفين وتجار من مناطق مجاورة مثل سوق الحميدية والحريقة.

رسوم الركن مرتفعة

أسامة الأيوبي، صاحب أحد المحال التجارية في منطقة الجسر الأبيض، قال إن تكلفة ركن السيارات باتت تشكل عبئًا ماديًا يفوق القدرة على التحمل، وهو ما أكده ناصر قنوز زركزلي، المقيم في شارع بغداد وصاحب محل تجاري.

وقال أسامة، إنه يضطر لدفع مبالغ تتراوح بين 25 و30 ألف ليرة سورية يوميًا مقابل ركن سيارته، وهو ما يعادل تقريبًا 900 ألف ليرة سورية شهريًا.

بينما قال ناصر إن تكلفة الساعة الواحدة تبلغ 2000 ليرة سورية، معتبرًا أنها مرتفعة في حال الاضطرار للركن لفترات طويلة.

وعلى الرغم من وجود شركات استثمارية تدير بعض المواقف في العاصمة، فإن أسامة أشار إلى أن المنطقة التي يعمل بها تتبع للمحافظة مباشرة ولا تخضع لنظام المواقف المستثمرة، ومع ذلك تظل التكلفة مرتفعة وغير مبررة. ووصف هذه المبالغ بأنها استنزاف مالي كبير للمواطن في ظل الظروف الراهنة.

اختناق مروري وأشخاص يستغلون الأزمة

شوارع العاصمة تشهد اختناقًا مروريًا حادًا، ما يضطر السائقين لركن سياراتهم بشكل مزدوج، وهو ما يعرضهم للمخالفات المرورية المستمرة وحجز مركباتهم، وفق “أبو محمد”، وهو صاحب محل تجاري في منطقة الحمراء.

واشتكى “أبو محمد” من انتشار مجموعات من الأشخاص الذين يستغلون مساحات عامة في مناطق مثل الحمراء والشعلان، ويدّعون تقديم خدمة “الفاليه” دون أي تبعية لجهات حكومية. وأوضح أن هؤلاء يفرضون مبالغ تتراوح بين 10,000 و15,000 ليرة سورية مقابل ركن السيارة.

وأشار “أبو محمد” إلى أن هذه المجموعات تعمل بالتنسيق مع بعض المنشآت المحيطة، حيث يحصلون على أجور محدودة مقابل السماح لهم بتحصيل مبالغ إضافية من المواطنين، إلى جانب حجز مساحات واسعة من الشوارع العامة بشكل عشوائي.

المشكلة لا تقتصر على المناطق التجارية فقط، بل تمتد إلى الأحياء السكنية أيضًا، بحسب “أبو محمد”، حيث تعاني منطقة سكنه في ركن الدين من غياب المواقف المنظمة، ما يضطره أحيانًا لركن سيارته في الطريق العام والتعرض للمخالفات أو سحب المركبة بشكل متكرر.

وقال إن البحث عن موقف بات يستغرق وقتًا طويلًا، مما يدفعهم لاستخدام سيارات الأجرة (التكاسي) لتجنب هذه المعاناة، أو الاضطرار للقدوم إلى وجهاتهم في أوقات مبكرة جدًا لضمان الحصول على مساحة للركن قبل بدء الازدحام.

لا بيانات رسمية

قال أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة” عبد الرحمن محمد، إن أزمة مواقف السيارات في دمشق هي عرَض لخلل اقتصادي وتخطيطي.

وأكد عدم وجود أي بيانات رسمية دقيقة ومحدثة ويمكن الوثوق بها بشكل كامل، مرجحًا بأن الأسباب تعود إلى ما يلي:

  • عدم قيام أي جهة بإجراء مسح ميداني شامل لحصر المواقف النظامية (على جانبي الطرق، والساحات العامة، والمواقف الخاصة) والمواقف العشوائية التي يشغلها المواطنون.
  • جزء كبير من عملية الاصطفاف يُدار بواسطة عمال المواقف غير المرخصين في الغالب، وهؤلاء لا يقدمون أي بيانات، ونشاطهم يقع بالكامل في الاقتصاد غير الرسمي.
  • التغير الديموغرافي والعمراني بسبب موجات النزوح والتهجير التي شهدتها دمشق وريفها والتي قلبت المعادلة السكانية.

كما أكد محمد عدم وجود شركات خاصة كبيرة تستثمر في إدارة وتشغيل مواقف السيارات بالمعنى الاستثماري والتنموي المتعارف عليه عالميًا، وأن الموجود فعليًا هو نظام المقاولات أو الاستثمار البسيط الذي تمنحه محافظة دمشق لأفراد أو شركات صغيرة لإدارة مواقف محددة ومسيّجة على بعض الأراضي (مثل بعض مواقف منطقة باب توما، أو ساحة المرجة سابقًا).

هذه العقود هي عقود حق انتفاع مقابل مبلغ مقطوع للمحافظة، بحسب محمد، ولا تتضمن استثمارات رأسمالية حقيقية في تطوير الموقع أو بناء بنية تحتية متعددة الطوابق، تدخل المحافظة المستثمر في سعر الخدمة، لكن دون أن يتحمل الأخير أي مخاطر أو تكاليف إنشائية كبيرة، مما يجعل الربح سريعًا على حساب الجودة والتطوير.

وفيما يخص أسباب الأزمة، أوضح محمد أن سوء التسعير هو السبب الجوهري، ومواقف الشوارع العامة تُعتبر موردًا نادرًا وقيمته عالية، لكن سعرها يقترب من الصفر في كثير من الأحيان، أو يُسعّر بأجرة رمزية لا تعكس قيمته السوقية الحقيقية.

كما تحدث عن مشكلة سوء التوزيع، مشيرًا إلى أنه لا توجد منظومة ذكية توجه السائقين إلى المواقف المتاحة، مما يخلق اختناقات موضعية.

وتطرق محمد إلى النقص الفيزيائي الحاد في عدد المواقف مقارنة بحجم الطلب، خاصة في المناطق المركزية الحيوية.

الاستثمار في المواقف الطابقية

أعلنت محافظة دمشق، في 6 من أيار الحالي، عن فرص استثمارية بنظام استدراج العروض لإنشاء مواقف طابقية تحت الأرض مخصصة لركن السيارات، وذلك بحديقة الأمويين المركزية بسعة 2000 سيارة.

وفي هذا السياق، أوضح أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة” عبد الرحمن محمد، أن إنشاء موقف طابقي في دمشق يُعد مشروعًا مرتفع التكلفة، مستعرضًا نموذجًا مبسطًا لموقف تقليدي بمساحة 3000 متر مربع يتسع لنحو 300 سيارة، وتشمل التكلفة عناصر متعددة، أبرزها سعر الأرض الذي يعد الأعلى، إضافة إلى مواد البناء، التي تُسعَّر وفق السوق الموازي للدولار، فضلًا عن تجهيزات الطاقة البديلة من مولدات وأنظمة طاقة شمسية نتيجة الانقطاع المتكرر للكهرباء، وبناء على ذلك، قد تصل التكلفة الإجمالية إلى عدة ملايين من الدولارات.

وقال إن العائد المتوقع ضعيف جدًا، إذ إنه في حال اعتماد تسعيرة قدرها 5000 ليرة سورية لساعة الاصطفاف، واعتبار تشغيل الموقف بشكل يومي ولمدة عشر ساعات، فإن الدخل اليومي الإجمالي لـ300 سيارة لا يتجاوز 15 مليون ليرة سورية.

وبحساب العائد على الاستثمار، يتبين أنه حتى مع افتراض استثمار يقارب خمسة ملايين دولار وهامش ربح يصل إلى 50%، فإن صافي الدخل السنوي يبقى أقل من 1% من رأس المال، ما يعني أن فترة استرداد التكلفة قد تتجاوز 100 عام. وبالتالي، فإن المشروع يُعد غير مجدٍ اقتصاديًا في ظل التسعيرات الحالية والقدرة الشرائية المحدودة للمواطن.

ووفقًا لذلك، نوه محمد إلى أن المواقف الطابقية هي حل ضروري لكنه مكلف، ويجب أن يتم وفق نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، بشفافية مطلقة.

التسعير غير عادل

أوضح محمد أن التسعير هو أقوى أداة تغيير للسلوك، فالتحول الجذري من التسعيرة المقطوعة أو الموحدة إلى نظام تسعير ديناميكي ذكي، يُدار إلكترونيًا ويستجيب للطلب (الزمان والمكان)، هو التدخل الأكثر فعالية والأقل تكلفة، وهذا النظام وحده قادر على حل 30-40% من مشكلة الازدحام الظاهري.

كما أكد أن التسعيرة الحالية، من منظور اقتصادي بحت، ليست عادلة ولا مناسبة، والحلول الممكنة تكمن في:

– إطلاق بطاقات اشتراك شهرية وسنوية مخفضة (لحل أزمة الدوام الطويل)، بشرط أن تكون للموظفين والعاملين الذين يثبتون أن مكان عملهم يقع ضمن نطاق جغرافي محدد جدًا حول الموقف.

– تطبيق تعرفة منخفضة جدًا بعد الساعة السادسة مساء وفي أيام العطل الرسمية.

– التسعير التصاعدي بأن تكون الساعة الأولى هي الأعلى سعرًا لمنع الاحتكار الطويل، ثم ينخفض السعر تدريجيًا.

Related



إقرأ المزيد