أحمد عسيلي
تداول السوريون الأسبوع الماضي خبر اعتقال الممثل السوري معن عبد الحق، المعروف بتأييده لدكتاتورية الأسد، وقد تباينت ردود الفعل على هذا الاعتقال، بين مبارك له من جهة، أو مشكك من جهة ثانية، بل ووصلت الأمور ببعض السوريين (بعضهم معارض سابق للأسد) للمطالبة بالحرية له، وكأنه معتقل رأي أو ناشط حقوقي.
أهمية الحدث هنا لا تتعلق فقط بشخصه، بل بالنقاش الواسع الذي عاد إلى الواجهة حول حدود حرية التعبير في المجتمعات الخارجة من الحروب، وحول قدرة أي دولة جديدة على حماية ذاكرتها الجماعية ورموزها وضحاياها، دون السقوط مجددًا في عبادة السلطة أو تقديس الحاكم من جهة، أو الدخول بحالة من فوضى التخبط الأخلاقي والفكري من جهة أخرى.
في السنوات الماضية، دافع معن عبد الحق بشكل علني عن ميليشيات شاركت في الحرب السورية إلى جانب النظام، مثل “حزب الله” والميليشيات المدعومة من إيران، وهي جماعات ارتبط اسمها في ذاكرة جزء كبير من السوريين بالمجازر والحصار والقتل الطائفي، ربما لم يكن الوحيد بهذا الفعل، لكن هناك كثيرًا من الفنانين اعتذروا لاحقًا عن مواقفهم السابقة، أو قالوا إنهم تصرفوا تحت الضغط أو الخوف، بينما بدا هذا الإنسان مصرًا على تمجيد خطاب العنف نفسه حتى بعد سقوط الأسد، هنا تحديدًا يبدأ السؤال الحقيقي: هل يمكن لمجتمع خرج من واحدة من أعنف الكوارث في تاريخه الحديث أن يتعامل مع تمجيد القتل الجماعي بوصفه “مجرد رأي”؟
المشكلة لا تتعلق بالرغبة في الانتقام أو إلغاء الاختلاف السياسي، بل بفكرة أعمق بكثير: لا توجد جماعة بشرية تعيش دون حدود رمزية تنظم علاقتها بنفسها وبماضيها وبضحاياها، فالمواطنون لا يتشاركون فقط الأرض، ولا يعيشون فقط داخل القانون أو الاقتصاد، بل داخل شبكة كاملة من الرموز والأدوار والسرديات، حتى داخل العائلة، لا ينادي الطفل والدته باسمها الأول غالبًا، بل يقول “أمي” أو “ماما”، لأن هذه الكلمة لا تؤدي وظيفة لغوية فقط، بل تحدد موقعًا نفسيًا ورمزيًا داخل الأسرة، تختلف هذه الأدوار بين ثقافة وأخرى، ففي التركية مثلًا توجد ألقاب خاصة للأخ الكبير والأخت الكبيرة، كما تُستخدم في مصر كلمات مثل “أبيه” و”أبلة”، بينما يصر الفرنسيون حتى اليوم داخل مؤسسات الدولة على استخدام صيغة “vous” الرسمية، حفاظًا على المسافة بين الشخص والمنصب.
بالنسبة لبعض الأشخاص، قد تبدو هذه التفاصيل شكلية أو مبالغًا بها، لكنها في الحقيقة جزء من حماية “الموقع الرمزي” الذي يسمح للدولة بأن تبقى مؤسسة لا مجرد شبكة علاقات شخصية أو عشائرية، المشكلة في الأنظمة السلطوية أنها غالبًا ما تدمر هذه المسافة الرمزية نفسها، فالدولة تتحول إلى شخص، والقانون إلى مزاج، والولاء إلى علاقة شخصية مع الحاكم، وهنا يصبح المجتمع، بعد سقوط النظام، أمام مهمة شديدة التعقيد: كيف يعيد بناء الرموز دون أن يعيد بناء الأصنام؟ كيف يحافظ على هيبة الدولة دون العودة إلى عبادة السلطة؟
هذا السؤال لا يخص سوريا وحدها، ففي كثير من الدول الأوروبية توجد قوانين تجرّم إنكار “الهولوكوست”، ليس فقط لأنه حدث تاريخي موثق، بل لأن إنكار المجزرة لا يُفهم بوصفه اختلافًا في الرأي، بل اعتداء جديدًا على الضحايا ومحاولة لمحو معاناتهم من الذاكرة الجماعية، ونفس الأمر يظهر في المطالبات المتزايدة بالاعتراف بالجرائم الاستعمارية أو بالمجازر الجماعية في أماكن مختلفة من العالم، لأن المجتمعات تحتاج إلى تثبيت ذاكرتها كي تستطيع الاستمرار نفسيًا وأخلاقيًا.
فالشعوب، مثل الأفراد، لا تعيش فقط داخل الجغرافيا، بل داخل القصص التي ترويها عن نفسها، ولهذا تمسكت إيران عبر قرون بـ”الشاهنامه” بوصفها سردية كبرى عن نشوء الأمة الفارسية، بينما بقيت “المهابهاراتا” في الهند أكثر من مجرد ملحمة دينية أو أدبية، وتحولت إلى إطار أخلاقي ورمزي لفهم السلطة والعائلة والحرب والخيانة والواجب، فالدول لا تُبنى فقط بالمؤسسات والجيوش والاقتصاد، بل أيضًا بالسرديات المشتركة التي تمنح الناس شعورًا بأنهم ينتمون إلى قصة واحدة.
ولهذا تبدو المرحلة الانتقالية السورية اليوم حساسة إلى حد كبير، فالمجتمع الخارج من الحرب يحتاج إلى الحرية فعلًا، لكنه يحتاج أيضًا إلى حدود تحميه من إعادة إنتاج العنف نفسه، يحتاج إلى حماية الضحايا من السخرية بآلامهم، ومن تحويل المجازر إلى مادة للجدل العبثي أو التفاخر السياسي، لأن التهاون الكامل مع تمجيد القتل الجماعي لا يؤدي إلى توسيع الحرية، بل قد يخلق شعورًا جماعيًا بأن الجريمة ما زالت ممكنة، وأن الضحايا ما زالوا بلا حماية، و خاصة أنه في بلدنا حاليًا هناك مسودة دستور منظمة للمرحلة الانتقالية، وفيها تحريم واضح لتمجيد الأسد، فهل سنحترم مبادئنا أم نعود لما كنا عليه أيام الطاغية، حين تحولت تلك القوانين إلى حبر على ورق، وإلى أداة للسخرية.
المجتمعات تبقى حية طالما امتلكت سرديات أو ذاكرة أو محرمات أخلاقية، وتموت حين تفقدها بالكامل، أو حين تتحول إلى أدوات قمع مغلقة، وبين الفوضى والتقديس الأعمى، تحاول سوريا اليوم أن تجد المسافة الصعبة التي تسمح بقيام دولة، لا مجرد سلطة جديدة.
Related


