فلسفة التكويع في بلاد التجويع
عنب بلدي -

خطيب بدلة

عرفت شو صار؟ الإعلامية “فلانة” كوعت، صارت مناصرة لحكومة الأمر الواقع الحالية. عفوًا أخي، دعنا، بعد إذنك، ندقق المصطلحات. لما تقول فلان كوع، فأنت تستخدم لغة السائقين. صح؟ يعني هو قادم بسيارته من حلب، فرضًا، باتجاه دمشق، ومن حمص كوع إلى اليمين، “لف الكوع”، واتجه غربًا، باتجاه طرطوس، أو لف الكوع بشكل دائري ورجع إلى حلب.

من هنا نستطيع أن نطرح تساؤلًا يوصلنا إلى زبدة المسألة: هذه الإعلامية، التي كوعت، كيف كان اتجاهها الأصلي؟ يقول لك قائل: كانت مع الثورة. أوه. حقًا؟ ومَن الذي أخبرك أنها كانت مع الثورة؟ هي قالت. أيوه. يعني أنت أخذت قولها على أنه صحيح، لا يخر الماء، مع أنها، على علمي، كانت تعيش في مناطق النظام، وهناك احتمال كبير أنها كانت مؤيدة للنظام.

هذه المناقشات العقيمة، والمصطلحات السقيمة، طفت على سطح المجتمع السوري، بعد سقوط الأسد، وقد أصبحت تلح على عقول الناس، حتى صار السؤال الأول الذي يوجه إلى الإنسان الحيادي: وين كنت قبل 14 سنة؟ وهذا السؤال يمكن التلاعب عليه، كأن يقول لك: كنت عم ساعد أبي في فلاحة الأرض! أو كنت في التواليت، بعيد عنك! أو يتكلم بشكل جدي، ويقول لك: أنا كنت مع الثورة، ويثبت لك ذلك بالأدلة. أو أنه آثر الوقوف على الحياد، بعدما تحولت الثورة إلى حرب لأجل السلطة، وأما أول سؤال يوجه للشخص المعارض فهو: أيمتا بدك تكوع؟

أنا، شخصيًا، أرى أن هذين السؤالين يفتقران إلى الدقة، ويجافيان المنطق السليم، فالأشخاص الذين كانوا يظهرون في فيديوهات، ويتناولون شخصية رئيس المرحلة الانتقالية، بكلام “شروي غروي”، وجاؤوا، بعد 8 من كانون الأول 2024، وانضموا إلى فريقه، لا يمكن وصفهم بالمكوعين، لأنهم كانوا مع نفس التيار الديني السائد، وخلافهم مع هذا الشخص تحديدًا، يعني، لو كان يحكم منطقة إدلب، آنذاك، شخصٌ آخر، فلربما تجدهم واقفين معه. والأشخاص الذين كانوا مع نظام الأسد، وانضموا، اليوم، إلى فريق السلطة، لا يمكن وصفهم، كذلك، بالمكوعين، لأنهم، في الأساس، ليسوا ذوي مواقف مبدئية، بمعنى أنهم لا يرفضون الاستبداد بشكل عام، كانوا، في تلك الأيام، يؤيدون نظامًا مستبدًا، ويعارضون وصول الجماعات الإسلامية إلى السلطة، بذريعة أنها، إذا وصلت، ستكون مستبدة!

ما أريد قوله، وما أقوله وألح عليه، باستمرار، أن الشعب السوري الذي استلم (دولة) جاهزة، ومكتملة، من الفرنسيين، سنة 1946، لم يسعَ للمحافظة على دولته، بل راحت القوى الموجودة على الأرض، ومعظمها “غير” وطنية، تتصارع على السلطة، بالانقلابات العسكرية، وبأعمال العنف التخريبية، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن، وأصبحت الدولة التي تسلمناها من الفرنسيين، تعيش هذه الحالة الكئيبة، المزرية. وهذه المرة، وفي كل مرة، يأتيك إنسان طيب، بسيط، حائر، مقهور، ويسألك: شو الحل؟

الحل موجود، وملقى على قارعة الطريق، وكلنا نراه، ونحيد عنه، وهو اتفاق السوريين جميعًا على عقد اجتماعي، لدولة حديثة، تقوم على حفظ حقوق جميع المواطنين السوريين، وتضمن التداول السلمي للسلطة.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد