غزوان قرنفل
حين يُطرح سؤال إعادة الإعمار في سوريا، غالبًا ما يُختزل النقاش في مسألة التمويل، من سيدفع؟ وكم تبلغ الكلفة التقديرية؟ لكن التجارب التاريخية تنبئنا أن المسألة أعمق بكثير من مجرد أرقام، فإعادة الإعمار ليست عملية هندسية أو مالية فحسب، بل هي قبل ذلك خيار سياسي ورؤية اجتماعية تحدد شكل المدن، وطبيعة العلاقات داخلها، ومستقبل الاستقرار فيها.
من بين التجارب التي تستحق التأمل بجدية، تبرز التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية، ليس بوصفها نموذجًا يُستنسخ، بل باعتبارها تجربة يمكن استلهام بعض مقارباتها، خاصة في إعادة بناء المناطق السكنية. اليابان خرجت من الحرب مدمرة إلى حد كبير، مدن بكاملها سويت بالأرض، وبنية تحتية شبه منهارة، ومع ذلك لم تعتمد مقاربة مركزية صرفة تقوم على استملاك الدولة لكل شيء وإعادة توزيعه وفق خطط فوقية، بل اتجهت إلى صيغة أكثر توازنًا تقوم على الشراكة بين الدولة ومالكي الأراضي وشركات القطاع الخاص، وكان جوهر العملية يتركز على إعادة إعمار الأحياء السكنية، بشكل يحتفظ فيه المالكون بحقوقهم في الأرض، لكنهم يوافقون على إعادة تقسيمها وتخطيطها بشكل حديث، بما يسمح بفتح طرق أوسع، وتخصيص مساحات للخدمات، وتحسين البنية التحتية، في المقابل، يحصل كل مالك على حصة أصغر نسبيًا من الأرض لكنها أعلى قيمة وأكثر قابلية للاستثمار.
بهذه الطريقة جرى تمويل جزء كبير من إعادة الإعمار من داخل العملية نفسها، دون الحاجة إلى موارد مالية هائلة من الدولة، هذه الفكرة في جوهرها تحمل إمكانات مهمة للسياق السوري خاصة في المناطق السكنية التي تعرضت لدمار واسع، فبدلًا من الدخول في صراعات معقدة حول الملكيات، أو اللجوء إلى استملاكات شاملة قد تثير مخاوف مشروعة، يمكن التفكير في نماذج تعيد تنظيم الملكيات ضمن إطار يحفظ الحقوق ويحقق في الوقت ذاته مصلحة عامة تتمثل في بناء مدن أكثر تنظيمًا وقابلية للحياة.
إن استلهام هذه التجربة لا يعني تجاهل الفروق الجوهرية بين الحالتين، فاليابان كانت دولة مستقرة سياسيًا، وتمتلك مؤسسات قوية وثقة عامة مرتفعة، وهو ما سهل قبول الناس بتلك الترتيبات، أما في سوريا فإن أي مقاربة مشابهة يجب أن تبنى على أساس من الشفافية والضمانات القانونية الصارمة، حتى لا تتحول إلى أداة لنزع الملكيات أو إعادة توزيعها بشكل غير عادل.
من هنا فإن المدخل الأساسي لأي محاولة لاستلهام التجربة اليابانية يجب أن يكون قانونيًا ومؤسسيًا، أي وضع إطار قانوني واضح لإعادة التنظيم العقاري، يحدد الحقوق والواجبات بدقة، ويضمن مشاركة حقيقية للمالكين في اتخاذ القرار، ويوفر آليات تعويض عادلة وشفافة، كما يتطلب الأمر وجود قضاء مستقل قادر على الفصل في النزاعات التي قد تنشأ، وهي مسألة لا تقل أهمية عن التمويل نفسه، إلى جانب ذلك، يمكن للسلطة الجديدة أن تستفيد من عنصر آخر مهم في التجربة اليابانية، وهو تحفيز القطاع الخاص على المشاركة في إعادة الإعمار، فإعادة بناء الأحياء السكنية يمكن أن تتحول إلى فرصة اقتصادية إذا ما أُحسن تنظيمها بما يخلق توازنًا بين الربحية والمصلحة العامة.
والقطاع الخاص هنا لا يأخذ دور “مقاول منفذ” بل هو شريك استثماري يدخل في صلب العملية ويستفيد منها، لكنه في الوقت نفسه يسهم في تمويلها وتخفيف العبء عن الدولة، فيقوم بتطوير جزء من الأراضي المعاد تنظيمها بعد إعادة تخطيط المنطقة وفتح الشوارع وتحسين البنية التحتية، حيث ترتفع قيمة الأرض بشكل كبير، فيخصَّص جزء من هذه الأراضي (أو من الحقوق الاستثمارية عليها) للقطاع الخاص ليقوم بتطويرها كمشاريع سكنية أو تجارية، وهذا الجزء هو “مكسبه” الأساسي، أي أنه يقوم بتمويل البنية التحتية مقابل حقوق استثمارية، فبدلًا من أن تتحمل الدولة كلفة الطرق والخدمات بالكامل، يمكن أن يقوم مستثمرون بتمويل هذه الأعمال مقابل حصولهم على حق تطوير عقارات ضمن المنطقة نفسها.
كما يمكنه الدخول في شراكات مع المالكين، حيث يمكن للقطاع الخاص أن يتفق مع مالكي الأراضي على تطوير عقاراتهم مقابل حصة من المشروع النهائي (شقق، مكاتب، محال تجارية)، وهنا يتحول المالك من مجرد متلقٍّ للتعويض إلى شريك، بينما يحصل المستثمر على جزء من العائد دون أن يشتري الأرض بالكامل.
إن إعادة الإعمار في سوريا لن تنجح إذا بقيت رهينة الانتظار لمساعدات خارجية قد تأتي أو لا تأتي، ولن تنجح إذا فُرضت من الأعلى دون إشراك حقيقي للسكان المتضررين، لأننا نحتاج إلى مقاربة تدمج بين الحفاظ على الحقوق الفردية وتحقيق المنفعة العامة، وتحول عملية الإعمار من عبء إلى فرصة.
التجربة اليابانية لا تقدم وصفة جاهزة، لكنها تقدم فكرة أساسية هي أن إعادة بناء المدن يمكن أن تتم بالشراكة مع أهلها لا على حسابهم، وهذه الفكرة إذا ما أُخذت بجدية قد تكون مدخلًا لإعادة إعمار ليس الحجر فقط، بل تعيد أيضًا الثقة بين الدولة والمجتمع، فهل نحن مستعدون لتبني مثل تلك المقاربة التي تحتاج إلى شراكة وشفافية وعدالة في توزيع الأعباء والمكاسب، أم ستكون مسألة إعادة الإعمار فرصة ذهبية لإثراء البعض على حساب سواد الشعب؟
Related


