عنب بلدي - 5/10/2026 6:21:07 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – أمير حقوق
مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في سوريا خلال السنوات الماضية، برزت في شوارع العاصمة دمشق مظاهر كانت تعد نادرة سابقًا، أبرزها تزايد أعداد الأشخاص الذين يتخذون من الساحات العامة والحدائق والأرصفة أماكن للنوم أو الإقامة المؤقتة والدائمة.
في مدينة تعج بالحركة والأسواق والمقاهي، ثمة وجوه أخرى تختبئ خلف ضجيج الحياة اليومية، رجال ونساء وأطفال يفترشون الساحات والحدائق والمقاعد مع حلول المساء.
ترافق هؤلاء أكياس صغيرة تحتوي ما تبقى من مقتنياتهم، أغطية مهترئة، وثياب بالية من كثرة الاستخدام، بينما تتحول الأشجار والأرصفة إلى حدود مؤقتة لما يشبه “البيت”.
وباتت عدة مناطق في دمشق، مثل ساحة المرجة وحدائق شارع الثورة وبعض أزقة المدينة القديمة، مقصدًا لمن لا يملكون القدرة على استئجار غرفة أو حتى تأمين مأوى مؤقت.
بعضهم دفعتهم الحرب إلى التشرد، وآخرون دفعت بهم البطالة والفقر والتفكك الأسري إلى حياة الشارع، فيما وجد أطفال أنفسهم مجبرين على العمل والتسول والمبيت خارج المنزل، هربًا من العنف أو الاستغلال.
هذه الظاهرة لم تعد مجرد مشاهد عابرة يلحظها المارة، بل تحولت إلى قضية اجتماعية وإنسانية عميقة، تكشف حجم التحولات التي أصابت البنية الاقتصادية والأسرية في سوريا، وتطرح أسئلة حول مصير الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
“الحديقة أصبحت منزلي”في إحدى الحدائق القريبة من شارع الثورة، تجلس سيدة خمسينية على عشب الحديقة، التي اعتادت النوم عليه منذ سنوات.
تبدأ عائشة يومها باكرًا حاملة علبة صغيرة تبيع فيها “البسكويت” و”العلكة” للمارة والسيارات العابرة، قبل أن تعود مساء إلى الحديقة ذاتها، التي لم تعد مجرد مكان للراحة بالنسبة لها، بل تحولت إلى سكن تأوي إليه.
قالت السيدة لعنب بلدي، إن منزلها في ريف دمشق تعرض للقصف خلال سنوات الحرب، ما أجبرها على النزوح نحو العاصمة.
ومنذ ذلك الوقت، لم تتمكن من تأمين مأوى ثابت أو استئجار غرفة صغيرة، بسبب ارتفاع الإيجارات وتردي وضعها المادي.
وأضافت أنها تعيش وحيدة تمامًا، دون معيل أو أقارب يساعدونها، وتعتمد فقط على ما تكسبه يوميًا من بيع “البسكويت” و”العلكة”، أو بعض المساعدات من المارة، وهو مبلغ بالكاد يكفي للطعام وبعض الاحتياجات الأساسية.
بحسب ما قالته عائشة، تحولت الحديقة إلى عالمها الكامل، إذ تنام فيها وتقضي وقتها وتتناول طعامها وتستريح، بينما تلجأ إلى حمامات المرافق العامة القريبة لقضاء حاجاتها اليومية والاهتمام بنظافتها الشخصية.
الحديقة أصبحت عالمي الكامل، فيها أنام وأقضي وقتي، ولا معيل لي.
عائشة
سيدة تنام في حديقة بدمشق
ورغم قسوة الحياة في الشارع، تبدو السيدة وكأنها اعتادت الأمر، لكنها لا تخفي شعورها الدائم بالخوف والإرهاق، خاصة في الليالي الباردة أو خلال فصل الشتاء، حين يتحول النوم في العراء إلى معركة يومية مع البرد والوحدة.
كما كشفت جانبًا من معاناتها كمشردة في الشارع، إذ كانت تواجه مخاطر تتعلق بالأمان والتحرش والاستغلال، إضافة إلى قسوة الظروف المعيشية نفسها.
خسارة العمل والعائلة معًافي ساحة المرجة، حيث لا تهدأ حركة الناس والحافلات، يقضي “راشد” (اسم مستعار لشاب فضل عدم نشر اسمه الحقيقي) معظم يومه في الحديقة، قبل أن ينام فيها ليلًا.
قال الشاب الثلاثيني لعنب بلدي، إنه قدم إلى دمشق من ريف دير الزور قبل سنوات، آملًا في العثور على فرصة عمل تساعده على بدء حياة جديدة، إلا أن محاولاته المتكررة باءت بالفشل، لينتهي به الأمر بلا عمل ولا منزل.
يعتمد راشد في طعامه وشرابه على ما يقدمه المارة أو بعض زوار الساحة، مؤكدًا أنه لا يملك أي مصدر دخل ثابت، فيما أصبحت الحديقة ملاذه الوحيد بعد عجزه عن دفع إيجار أي غرفة.
الأكثر قسوة في حياة الشاب لا يقتصر على الفقر فقط، بل شعوره بالعزلة والانقطاع الكامل عن عائلته، إذ لا يعلم شيئًا عن أهله منذ سنوات، نتيجة انقطاع التواصل والعلاقات بينهم، الأمر الذي جعله يشعر بأنه وحيد تمامًا في المدينة.
يمضي “راشد” ساعات طويلة يراقب حركة الناس من حوله، فيما يصف الليل بأنه الوقت الأصعب، حيث يزداد شعور الإنسان بأنه بلا مكان ينتمي إليه.
طفولة مهددة بين العمل والخوففي أزقة دمشق القديمة، الطفلة ريم (تحفظت عنب بلدي على اسمها الكامل حفاظًا على خصوصيتها)، تتحرك بين المطاعم والمقاهي، حاملة باقات صغيرة من الورود، محاولة بيعها للزبائن والسياح.
ريم، التي لا يتجاوز عمرها 12 عامًا، لا تعرف حياة الطفولة الطبيعية كما يعيشها الأطفال الآخرون، فهي تعمل لساعات طويلة يوميًا لتأمين المال، وتقول إنها تضطر أحيانًا للنوم في الشارع عندما تخشى العودة إلى المنزل.
تعيش الطفلة مع زوج والدتها، الذي يجبرها على العمل، ويمنعها من العودة إن لم تكن تحمل “غلة اليوم”، بحسب تعبيرها.
وقالت ريم، إنها لا تشعر بالأمان داخل المنزل بقدر ما تشعر به في الشارع، رغم ما يحمله الشارع نفسه من مخاطر، وهو ما يكشف حجم العنف والاستغلال الذي تتعرض له.
في بعض الليالي، تبقى الطفلة في الشوارع أو قرب المحال المغلقة حتى الصباح، بينما تحاول الاحتماء بالمارة أو بأصحاب المحال الذين اعتادوا رؤيتها.
زوج والدتي يمنعني من العودة للمنزل إن لم أحصل على “غلة اليوم”، ولا أشعر بالأمان بالمنزل بقدر ما أشعر به بالشارع.
ريم
طفلة سورية
تحولات عميقة بالبنية الاجتماعيةفي محاولة لفهم الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية الكامنة خلف تنامي الظاهرة، ترى الباحثة الاجتماعية هبة الدرويش، أن ظاهرة نيام الشوارع في دمشق لم تعد حالة فردية أو مشاهد معزولة يمكن التعامل معها بوصفها نتائج ظرفية مؤقتة، بل أصبحت مؤشرًا واضحًا على التحولات العميقة التي أصابت البنية الاجتماعية والاقتصادية خلال السنوات الأخيرة.
وقالت إن الشارع بات يستقطب فئات متعددة، من نازحين فقدوا منازلهم، إلى عاطلين عن العمل، مرورًا بأطفال هاربين من التفكك الأسري أو العنف المنزلي، وصولًا إلى كبار بالسن لا يملكون معيلًا أو دخلاً ثابتًا.
وأشارت الدرويش إلى أن الحرب وما خلّفته من نزوح داخلي واسع، كانت من أبرز الأسباب التي دفعت آلاف العائلات إلى الهشاشة الاجتماعية، إذ فقد كثيرون ممتلكاتهم أو مصادر رزقهم، بينما وجد آخرون أنفسهم عاجزين عن العودة إلى مناطقهم الأصلية أو تأمين مساكن بديلة في العاصمة، خاصة مع الارتفاع الكبير في الإيجارات وأسعار المعيشة مقارنة بمستويات الدخل المتدنية.
كما ذكرت أن البطالة تلعب دورًا محوريًا في تفاقم الظاهرة، لا سيما بين الشباب القادمين من المحافظات إلى دمشق بحثًا عن فرص عمل، فمع محدودية الفرص، وغياب الاستقرار الاقتصادي، يصبح الشارع بالنسبة لبعضهم خيارًا قسريًا أقل تكلفة من استئجار غرفة أو مشاركة سكن لا يستطيعون تحمل نفقاته.
ويعد الأطفال الفئة الأكثر هشاشة ضمن هذه الظاهرة، بحسب الباحثة الاجتماعية، لأن وجودهم في الشارع لا يرتبط فقط بالفقر، بل غالبًا بمشكلات أسرية مركبة كالعنف والاستغلال والإهمال والتفكك العائلي.
وحذرت الباحثة من أن استمرار الأطفال في بيئة الشارع لفترات طويلة يجعلهم أكثر عرضة للتسرب المدرسي والانحراف والاستغلال الاقتصادي والجسدي، إضافة إلى الأضرار النفسية العميقة التي قد ترافقهم لسنوات لاحقة.
أما النساء اللواتي يعشن أو ينمن في الشوارع، فقالت الدرويش، إنهن يواجهن تحديات مضاعفة تبدأ من انعدام الخصوصية والأمان، ولا تنتهي عند مخاطر التحرش والعنف والاستغلال.
وأشارت إلى أن كثيرًا من النساء المشردات يفضلن البقاء في أماكن عامة مزدحمة نسبيًا كالساحات والحدائق لأنها تمنحهن شعورًا محدودًا بالحماية مقارنة بالأماكن المعزولة.
آثار نفسية قاسيةقالت الباحثة الاجتماعية، إن الحياة الطويلة في الشارع تترك آثارًا نفسية قاسية على الأفراد، مثل القلق المزمن والاكتئاب والشعور بالدونية والعزلة الاجتماعية، كما أن فقدان الإحساس بالاستقرار والأمان يدفع بعض الأشخاص إلى الانغلاق وفقدان الثقة بالمجتمع وبإمكانية تحسين أوضاعهم.
الحياة الطويلة في الشارع تترك آثارًا نفسية قاسية على الأفراد، مثل القلق المزمن والاكتئاب والشعور بالدونية والعزلة الاجتماعية والانغلاق.
هبة الدرويش
باحثة اجتماعية
وترى الدرويش أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر حلول إسعافية مؤقتة فقط، كالمساعدات الغذائية أو حملات الإيواء المحدودة، بل تحتاج إلى خطط اجتماعية واقتصادية متكاملة تشمل توفير مراكز حماية وإيواء دائمة، ودعم فرص العمل، وتأمين رعاية نفسية واجتماعية للفئات الأكثر هشاشة، إضافة إلى تعزيز حماية النساء والأطفال المعرضين لخطر التشرد والاستغلال.
وحذرت الباحثة من أن استمرار اتساع الظاهرة بصمت قد يؤدي إلى تعميق مشكلات اجتماعية أخرى مستقبلًا، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة كثير من الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية، ما قد يدفع مزيدًا من الأشخاص إلى الشارع بوصفه “الملاذ الأخير” بعد فقدان كل البدائل الأخرى.
Related
إقرأ المزيد


