في مجموعة “صهيل الجواد الأبيض” للكاتب السوري زكريا تامر، تبنى الحكايات على نصوص قصيرة مكثفة كل واحدة منها تفتح بابًا على عالم مضطرب.
الكتاب، الذي يعد من البدايات الأدبية المبكرة لتامر، يقدم مشاهد متفرقة للإنسان الذي يعيش تحت ضغط منظومات قاسية.
تدور أبرز النصوص حول شخصيات عادية تواجه لحظات تكشف هشاشتها أمام العنف أو العجز أو الصمت.
من بين القصص التي تُذكر في قراءات الكتاب، القصة التي تحمل عنوان المجموعة “صهيل الجواد الأبيض”، إلى جانب نصوص مثل “الرجل الزنجي” و”القبو” و”ابتسم يا وجهها المتعب”، حيث تتكرر أفكار القهر وانكسار الحلم الفردي داخل واقع مغلق.
قوة الكتاب تأتي من الرمز والاختزال، إذ يكتب تامر قصصه بطريقة تجعل الواقع نفسه يبدو مشوهًا أو أقرب إلى الكابوس.
تتكون المجموعة من 11 قصة قصيرة تقدم كعالم سردي متشابك، يشتغل على تصوير الإنسان في مواجهة القهر النفسي والوجودي، حيث يتقاطع الصراع بين الحياة والعدم، والحقيقة والزيف، في نصوص تبدو مستقلة شكليًا لكنها متصلة موضوعيًا ضمن رؤية واحدة للعالم.
يقدم الكتاب دعوة إلى الطبيعة التي لا تقتصر على معناها الخارجي، وإنما تمتد إلى بعد داخلي يتعلق بضرورة استعادة الإنسان لصفائه الأول، بعيدًا عن التشوهات التي يفرضها التقدم والضغط الاجتماعي، حيث تصبح الحرية في النهاية مرتبطة بإعادة التوازن بين الإنسان وذاته قبل أن تكون خروجًا من المدينة إلى الفضاء المفتوح.
ومن بين القصص التي تكرر الإشارة إلى الحرية داخل المجموعة، تأتي قصة “الأغنية الزرقاء الخشنة” التي تفتح على تصور رمزي لمدينة تتحول إلى فضاء طبيعي مفتوح، أشبه بقرية واسعة تحيط بها الحقول، في دعوة ضمنية إلى استعادة العلاقة مع الطبيعة بوصفها نقيضًا للتمدن القاسي.
وتتجلى الفكرة ذاتها في قصة “صهيل الجواد الأبيض”، حيث يقدم المشهد الأخير للبطل وهو يغادر المدينة ممتطيًا جواده الأبيض باتجاه البراري المفتوحة، في لحظة تُقرأ كتحول من الفضاء المغلق إلى فضاء الحرية.
الجواد إلى جانب كونه يظهر كوسيلة نقل، يشير أيضًا إلى الصوت الداخلي والرغبة في الانفلات من القيود، فيما يُفهم “الصهيل” كإشارة إلى الحنين إلى الحرية والأمل، في مواجهة عالم يحد من حركة الإنسان ويقيده بالخوف.
مَن زكريا تامر؟يعد زكريا تامر واحدًا من أبرز كتّاب القصة القصيرة في العالم العربي، إذ جمع بين الكتابة الصحفية والأدبية بأسلوب قائم على السخرية والاختزال والرمز.
وُلد في دمشق عام 1931، واضطر إلى مغادرة مقاعد الدراسة مبكرًا عام 1944، قبل أن يبدأ مسارًا مهنيًا متنوعًا انطلق من العمل في مهنة الحدادة وصولًا إلى الكتابة الأدبية التي رسخ من خلالها حضوره منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، ولا سيما في القصة القصيرة ذات الطابع الهجائي والساخر، إضافة إلى كتاباته الموجهة للأطفال لاحقًا.
شارك تامر في الحياة الثقافية السورية عبر عدة مواقع، إذ عمل في وزارتي الثقافة والإعلام، وترأس تحرير مجلات أدبية مثل “الموقف الأدبي” و”المعرفة”، كما أسهم في تأسيس اتحاد الكتّاب العرب أواخر الستينيات.
Related


