بين الانفتاح والفوضى.. الإعلام السوري يبحث عن مأسسة حقيقية
عنب بلدي -

أقامت “رابطة الصحفيين السوريين” ملتقىً حواريًا، بمشاركة صحفيين وإعلاميين وممثلين عن وزارة الإعلام ومؤسسات إعلامية مستقلة، لمناقشة واقع الحريات الإعلامية في سوريا والتحديات التي تواجه القطاع الإعلامي في المرحلة الحالية، إلى جانب استعراض أبرز التحولات التي شهدها المشهد الإعلامي السوري خلال العامين الأخيرين.

الملتقى الذي جاء تحت عنوان “الحريات الإعلامية في سوريا: مناخ الحرية وضمانات الاستمرار”، وحضرته عنب بلدي، تحول إلى مساحة مفتوحة للنقاش بين العاملين في القطاع الإعلامي والجهات الرسمية.

وطُرحت خلال الملتقى ملفات التراخيص، والتشريعات الإعلامية، والتنظيم النقابي، وواقع الصحفيين المعيشي والمهني، إضافة إلى دور صناع المحتوى، وآليات تنظيم العمل الإعلامي في سوريا الجديدة.

وأكد المشاركون خلال الجلسات أن سوريا شهدت في عامي 2025 و2026 تحولات سياسية ومؤسساتية انعكست بشكل واضح على هامش الحرية الإعلامية، مع تراجع القيود الأمنية واتساع مساحة العمل الصحفي مقارنة بسنوات حكم النظام السابق.

إلا أن المتحدثين شددوا في الوقت نفسه على أن هذه التحولات ما تزال بحاجة إلى إطار قانوني ومؤسساتي يضمن استدامتها ويمنع أي تراجع مستقبلي.

تقرير مؤشرات الحرية

في افتتاح الملتقى، استعرضت “رابطة الصحفيين السوريين” أبرز ما ورد في تقريرها الأخير حول مؤشر الحريات الإعلامية في سوريا، مشيرة إلى أن التحسن الملحوظ في واقع الصحافة لا يمكن أن يستمر من دون وجود تشريعات واضحة، وعمل نقابي منظم، ومؤسسات مستقلة تدافع عن حقوق الصحفيين والعاملين في القطاع الإعلامي.

وأكدت الرابطة أن البيئة التشريعية الحالية لا تزال بحاجة إلى إصلاحات واسعة، موضحة أن كثيرًا من الإجراءات المرتبطة بالعمل الإعلامي تصدر حتى الآن بصيغة تعليمات وقرارات إدارية، بدلًا من قوانين متكاملة تستند إلى المعايير الدولية لحرية الصحافة.

كما شدد التقرير على أهمية تأسيس نقابات إعلامية مستقلة وتنظيم العمل النقابي في سوريا، معتبرًا أن الحديث عن تقدم في مؤشرات حرية الإعلام لا يكتمل في ظل غياب مؤسسات نقابية قادرة على حماية الصحفيين، والدفاع عن حقوقهم المهنية والمعيشية.

وتناول التقرير كذلك التحسن النسبي في البيئة الأمنية، حيث أظهرت عمليات الرصد انخفاضًا في الانتهاكات الجسيمة بحق الصحفيين، مثل الاعتقال التعسفي والاستهداف المباشر، إلى جانب تحسن تعامل الأجهزة الأمنية مع الإعلاميين، ما ساهم في توسيع مساحة العمل الميداني ورفع مستوى التغطيات الصحفية داخل سوريا.

وحققت سوريا تقدّمًا في تصنيف حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، مسجلة أكبر قفزة عالمية بعد سنوات من تصنيفها ضمن قائمة أسوأ عشرة بلدان في العالم على صعيد حرية الصحافة.

وأصدرت منظمة “مراسلون بلا حدود” تصنيفها السنوي بشأن حرية الصحافة لعام 2026، محذرة من وصول حرية الإعلام إلى أدنى مستوياتها منذ 25 عامًا.

وذكر التصنيف الصادر في 30 من نيسان الماضي، أن أكثر من نصف بلدان العالم (52.2%) باتت تندرج ضمن المنطقة “الصعبة” أو “الخطيرة للغاية”، وهي سابقة تاريخية منذ انطلاق التصنيف عام 2001، حيث تآكل الحق في الوصول إلى المعلومات تحت ضغط تشريعات الأمن القومي وتجريم العمل الصحفي

غياب البنية المؤسساتية للعمل الإعلامي

عضو المكتب التنفيذي في “رابطة الصحفيين السوريين”، محي الدين عبد الرزاق، لعنب بلدي، قال إن الرابطة تابعت منذ بداية التحولات السياسية مختلف التغيرات التي طرأت على القطاع الإعلامي، عبر لقاءات مع مؤسسات إعلامية وصحفيين وجهات حكومية، بهدف رصد المشكلات والتحديات التي تواجه الإعلاميين.

وأشار عبد الرزاق إلى أن أبرز نقاط الضعف تتمثل في غياب البنية المؤسساتية الواضحة للعمل الإعلامي، إضافة إلى الحاجة لإصلاحات تشريعية وتنظيمية تشمل التراخيص والبطاقات الصحفية وتنظيم عمل المؤسسات الإعلامية.

كما لفت إلى حالة الفوضى الناتجة عن توسع دور بعض صناع المحتوى على حساب العمل الصحفي المهني، معتبرًا أن غياب الضوابط المهنية أدى إلى ظهور مشكلات وانتهاكات أثرت على صورة الإعلام السوري.

وتطرق عبد الرزاق إلى الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها الصحفيون السوريون، مؤكدًا أن الرواتب الحالية لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، داعيًا إلى تحسين أجور العاملين في القطاع الإعلامي وضمان حقوقهم المهنية والاجتماعية.

281 مؤسسة إعلامية “وهمية”

من جانبه، قدم مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام عمر حاج أحمد، عمر حاج أحمد، عرضًا مطولًا حول واقع التراخيص الإعلامية وآليات تنظيم القطاع الإعلامي في سوريا، مؤكدًا أن الوزارة تعمل على بناء بيئة إعلامية قائمة على الشفافية والتنظيم المؤسسي.

وأوضح أن عدد المؤسسات الإعلامية المرخصة خلال فترة النظام السابق بلغ نحو 430 مؤسسة على مدى 40 عامًا، إلا أن الوزارة اكتشفت بعد مراجعة الملفات أن نحو 281 مؤسسة منها كانت “وهمية” أو تعمل لأغراض غير إعلامية، وبعضها غير موجود فعليًا على الأرض.

وأضاف أن معظم هذه المؤسسات كانت تندرج ضمن دور نشر أو مطبوعات لا تمارس عملًا إعلاميًا حقيقيًا.

الوزارة وضعت معايير وإجراءات جديدة لتنظيم ملف التراخيص، مع العمل على تبسيط الإجراءات القانونية والإدارية، وفقًا لمدير الشؤون الصحفية، لافتًا إلى أن مدة الحصول على الترخيص انخفضت من نحو 23 شهرًا في السابق إلى ما بين ثلاثة وأربعة أشهر فقط.

وأشار إلى أن الوزارة رخصت خلال عام 2025 وبداية 2026 نحو 471 مؤسسة إعلامية، وهو رقم يفوق عدد المؤسسات التي حصلت على تراخيص خلال أربعة عقود سابقة.

في الوقت ذاته يوجد أكثر من 130 طلب ترخيص لا تزال قيد الدراسة، بينما تبين أن نسبة كبيرة منها مجرد طلبات ورقية لم تستكمل إجراءاتها القانونية.

تطبيق إلكتروني مؤتمت لتسهيل العمل الإعلامي

وفي حديثه إلى عنب بلدي، كشف حاج أحمد أن وزارة الإعلام تعمل حاليًا على إطلاق تطبيق إلكتروني خاص بالتراخيص والفعاليات والشؤون الإعلامية، يتيح متابعة الطلبات إلكترونيًا ويعزز الشفافية في الإجراءات.

وشرح أن الوزارة تعمل حاليًا على تطوير منظومة رقمية مؤتمتة تهدف إلى تقليل البيروقراطية وتعزيز الشفافية وتخفيف الإجراءات الإدارية المرتبطة بعمل المؤسسات الإعلامية والصحفيين.

وكشف أن الوزارة باتت في المراحل النهائية لإطلاق التطبيق الإلكتروني خاص بخدمات الشؤون الصحفية.

وبيّن أن التطبيق سيوفر في مرحلته الأولى نحو ثماني خدمات أساسية، من بينها الحصول على البطاقة الصحفية، والتصاريح الإعلامية، وتنظيم حضور الفعاليات والمؤتمرات، على أن يتم توسيع نطاق الخدمات لاحقًا، وفق احتياجات العاملين في القطاع الإعلامي.

بطاقة صحفية للعمل لا للعضوية

كما كشف حاج أحمد لعنب بلدي أن الوزارة أنجزت تقريبًا تجربة إطلاق بطاقة صحفية جديدة تمنح لمدة عام، موضحًا أنها “بطاقة عمل وليست بطاقة عضوية”، وتهدف إلى تسهيل وصول الصحفيين إلى الفعاليات الرسمية والحد من المعاملات الورقية والإجراءات التقليدية.

وأضاف أن البطاقة روعي في تصميمها مستوى عالٍ من الأمان التقني، من خلال تضمينها باركودًا خاصًا، وعلامة مائية، ومعايير جودة وطباعة متقدمة، إلى جانب رقم تعريفي خاص (ID) لكل بطاقة، بما يضمن سهولة التحقق من بيانات حاملها وتنظيم العمل الصحفي بشكل أكثر احترافية.

مؤشر الحرية: نقطة انطلاق مهمة

واعتبر مدير الشؤون الصحفية عمر حاج أحمد أن التحسن الذي حققته سوريا في مؤشر الحريات الصحفية يشكل “نقطة انطلاق مهمة” نحو تحقيق قفزات نوعية أكبر في مجال حرية الصحافة خلال المرحلة المقبلة.

وشدد على ضرورة الحفاظ على استقلالية ومهنية القطاع الإعلامي، واعتماد آليات تنظيم ذاتي بعيدة عن أي شكل من أشكال الرقابة التقليدية.

وأكد حاج أحمد أن الوزارة تتجه نحو اعتماد “الرقابة البعدية” بدلًا من الرقابة المسبقة، موضحًا أن الوزارة لم تمنع أي كتاب خلال الأشهر الماضية باستثناء حالات محدودة تضمنت خطاب كراهية أو تحريضًا مباشرًا.

كما شدد على أن الوزارة تؤمن بمبدأ التنظيم الذاتي للقطاع الإعلامي، وأن “مدونة السلوك الإعلامي” التي جرى إعدادها بمشاركة مئات الصحفيين والإعلاميين ستكون إطارًا مهنيًا لتنظيم العمل الإعلامي، على أن تتولى لجنة مستقلة تطبيقها ومتابعة المخالفات المهنية.

وقد أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، وقُدمت هذه المدونة باعتبارها مرجعًا معياريًا يهدف إلى تنظيم العمل الإعلامي وتعزيز مبادئ الدقة والمسؤولية المهنية.

وتسعى المدونة إلى تنظيم العمل الإعلامي وفق مبادئ مهنية وأخلاقية توازن بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية، بما يسهم في حماية المصلحة العامة وتعزيز السلم الأهلي.

كما تحظر المدونة نشر أو ترويج خطاب الكراهية أو التحريض على العنف أو التمييز الطائفي أو العرقي، مؤكدة أن دور الإعلام يتمثل في تعزيز قيم التعايش والاحترام المتبادل بين مكونات المجتمع.

الدعوات الخاصة وصناع المحتوى

وفي ما يتعلق بصناع المحتوى، أوضح حاج أحمد أن الوزارة لا تعتبرهم بديلًا عن الصحفيين المهنيين، لكنها تدرك حجم تأثيرهم في الرأي العام، لذلك جرى تخصيص ملحق خاص بهم ضمن مدونة السلوك الإعلامي، مع التأكيد على رفض أي محتوى يتضمن خطاب كراهية أو تحريضًا على العنف أو المساس بالسلم الأهلي.

كما طرحت عليه عنب بلدي إشكالية الدعوات الخاصة لحضور الفعاليات الإعلامية، متسائلة عن آليات انتقاء الدعوات، والتركيز المتزايد على صناع المحتوى على حساب المؤسسات الإعلامية والصحفيين العاملين في الميدان.

وردًا على هذه الانتقادات، أكد حاج أحمد أن الوزارة تعمل على تطوير آلية إلكترونية شفافة لتنظيم الدعوات والتسجيل في الفعاليات، بما يضمن تكافؤ الفرص بين المؤسسات الإعلامية المختلفة ويحد من الاجتهادات الفردية في اختيار المشاركين.

الاستماع لمشكلات الصحفيين وحلها

الصحفية السورية وإحدى الحاضرات للملتقى، سونيا فرح، قالت لعنب بلدي إن الملتقى وفر مساحة مهمة للنقاش حول واقع الإعلام السوري والتحديات التي تواجه الصحفيين.

واعتبرت أن الخطوة الأولى نحو تطوير القطاع الإعلامي تبدأ بالاستماع إلى الإعلاميين أنفسهم وفهم المشكلات التي يواجهونها أثناء عملهم اليومي.

وأضافت أن كثيرًا من الصحفيين يتحدثون باستمرار عن معوقات مهنية وميدانية، لكن أصواتهم لا تصل دائمًا إلى الجهات المعنية، مشددة على أهمية تحويل هذه الحوارات إلى خطوات عملية وإصلاحات حقيقية على أرض الواقع.

مطالب بتأسيس قطاع إعلامي مستقل

واختُتم الملتقى بالتأكيد على ضرورة استمرار الحوار بين المؤسسات الإعلامية والجهات الرسمية، والعمل على تطوير البيئة القانونية والمهنية للإعلام السوري.

وذلك بما يضمن حرية الصحافة، ويحمي حقوق الصحفيين، ويؤسس لقطاع إعلامي أكثر استقلالية ومهنية في المرحلة المقبلة.

قرار دعم حرية الإعلام

“كونجرس الاتحاد الدولي للصحفيين” اعتمد قرارًا لدعم وتمكين حرية الإعلام واستقلالية العمل النقابي في سوريا.

القرار المتخذ في المؤتمر العام لـ “الاتحاد الدولي للصحفيين”، المنعقد في باريس، في 7 من أيار، حسبما نقلت رابطة الصحفيين السوريين، تضمن مجموعة من البنود العملية، تمثلت في:

  • دعم الصحفيين السوريين وتعزيز استقلالية العمل النقابي، وتمكين رابطة الصحفيين السوريين من ممارسة نشاطها المهني داخل سوريا بحرية واستقلالية.
  • الاعتراف بالتعددية واستقلالية النقابات، باعتبارها أحد المؤشرات الأساسية على تطور البيئة الإعلامية.
  •  توفير دعم مؤسسي وعملياتي لـ “رابطة الصحفيين السوريين”، من قبل الاتحاد ونقاباته الأعضاء، يشمل مجالات التدريب، وبناء الهياكل النقابية، وتعزيز الحماية المهنية للصحفيين والصحفيات.
  •  تشجيع النقابات الدولية والعربية على تطوير شراكات مباشرة مع الرابطة لدعم الإعلام السوري المستقل.
  •  أهمية بناء نموذج نقابي حديث في سوريا، يقوم على الاستقلالية، والشفافية، والديمقراطية، وتمثيل الصحفيين دون تمييز، بما ينسجم مع مبادئ التنظيم الذاتي للإعلام والمعايير الدولية للعمل النقابي.
  •  أهمية استمرار جهود المحاسبة على الانتهاكات الجسيمة التي استهدفت الصحفيين السوريين منذ عام 2011، بما يشمل جرائم القتل والاختفاء والتعذيب، مع التشديد على أن ضمان عدم الإفلات من العقاب يمثل جزءًا أساسيًا من أي عملية إصلاح حقيقية للقطاع الإعلامي.

حرية الإعلام في سوريا.. لم تُحسم بعد

Related



إقرأ المزيد