تل أبيب تراقب دمشق.. تقرير يحلل العقل الإسرائيلي بعد الأسد
عنب بلدي -

نور يسري

يقدم هذا التقرير استعراضًا وتحليلًا لأهم ما نشر في إسرائيل حول سوريا في شهر نيسان/ أبريل الماضي، في بداية لسلسلة من التقارير الشهرية التي تراقب شكل الموقف الإسرائيلي تجاه سوريا الجديدة في فترة تاريخية حرجة، قد تحدد مستقبل العلاقة بين سوريا وأكثر جيرانها إشكالًا.

ويستند التقرير على بحث منهجي تتبعنا فيه وسائل الإعلام، ومراكز الأبحاث، والمحتوى المنشور على موقع إكس، وتصريحات أعضاء الحكومة والكنيست، نتج عنه قاعدة بيانات مفصلة سمحت لنا بمعرفة أبرز الموضوعات التي شغلت الرأي العام، وتحديد توجهاته وأنماطه المتكررة.

سيطرت مواضيع ثلاثة على المحتوى الإسرائيلى الخاص بسوريا في فترة الدراسة، وهي: دور سوريا في الصراع بين إسرائيل وحزب الله، ومستقبل العلاقة بين إسرائيل وسوريا، بالإضافة إلى المظاهرات التي خرجت دعمًا للفلسطينيين إزاء صدور قانون إعدام الأسرى.

انخراط سوري في قضية “حزب الله”

تجد سوريا نفسها جزءًا من الصراع المستمر بين إسرائيل و”حزب الله”، بواقع الحدود الجغرافية، وبسبب الإرث الذي تركه نظام بشار الأسد.

ويتتبع الإعلام الإسرائيلي بانتظام أنشطة الحزب في الأراضي السورية، والتي تحاول الحكومة الجديدة منعها، سواء على الحدود، أو من خلال تفكيك الخلايا التي تنشط في مختلف أنحاء البلاد.

وقد حظي خبران بالكثير من الاهتمام في إسرائيل، حيث أعلنت الأجهزة الأمنية السورية عن اعتقال خلية لحزب الله كانت تخطط لاغتيال حاخام يهودي في دمشق، وأخرى كانت تستعد لإطلاق صواريخ تجاه إسرائيل من الجنوب.

ونشرت “منظمة الدفاع عن الديمقراطيات”، وهي مركز أبحاث أمريكي مرتبط باللوبي الإسرائيلى، مقالًا يدعي أن مثل هذه الحوادث “تكشف عن إصرار حزب الله على زعزعة استقرار سوريا، وتمثل فرصة لتعاون إسرائيلي سوري بوساطة أمريكية ضد أنشطة الحزب”.

أما مركز “ألما”، فقد رأى ان مثل هذه الحوادث مؤشر سلبي يكشف عن “عمق اختراق العناصر الأجنبية للأراضي السورية”، وأن سوريا لا تزال “مصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار”.

غطت وسائل الإعلام أيضًا قضية القصف الوشيك لمعبر المصنع الحدودي بين سوريا ولبنان، حيث أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارًا بإخلائه، لكن اتصالات أجرتها الحكومتان السورية واللبنانية مع الولايات المتحدة حالت دون ذلك، حيث قالت هيئة البث الاسرائيلية إن أمريكا طلبت من إسرائيل الامتناع عن تنفيذ الضربة “لأسباب سياسية”، وترك التعامل مع مسألة التهريب إلى قوات الأمن السورية.

ومع دخول الهدنة بين إسرائيل والحزب حيز التنفيذ، انتقل التركيز من التطورات الميدانية إلى المسار الدبلوماسي، وقالت هيئة البث إن سوريا تراقب المفاوضات عن كثب، وأنها، رغم دعمها لسيادة لبنان، حريصة علي أن تراعيَ مصالحها في أي اتفاق يتم التوصل اليه، وخصوصًا فيما يتعلق بمسائل ترسيم الحدود، والحدود البحرية، والسيادة علي مزارع شبعا.

علم “حزب الله” اللبناني أمام منزل مدمر إثر غارة إسرائيلية عقب التصعيد بين “حزب الله” وإسرائيل وسط الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران – 23 آذار 2026 (رويترز)

مسار المفاوضات

الموضوع الذي تلا لبنان من حيث الكثافة في المحتوى الاسرائيلي كان مسار المفاوضات ومستقبل العلاقة مع سوريا. حيث نقلت شتى وسائل الإعلام تصريحات الرئيس السوري، أحمد الشرع والمبعوث الأمريكي توم براك في منتدى أنطاليا.

الشرع قال إن دمشق اختارت مسار الدبلوماسية رغم ما وصفه بالتعامل الإسرائيلي “الوحشي” معها، وإن المفاوضات لم تنهر بل تسير ببطء، وذكر أن العقبة الرئيسية هي إصرار إسرائيل على البقاء في الأراضي السورية.

أما براك فكشف أنه قاد خمس جولات من المحادثات، وأن التوصل إلى اتفاق كان قريبًا لكن المحادثات انهارت، عازيًا ذلك إلى الواقع الأمني المعقد. ولفت باراك إلى أن إسرائيل تواصل عملياتها داخل سوريا” رغم أن الاخيرة “لم تطلق عليها رصاصة واحدة” منذ سقوط الأسد.

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي ـ 16 نيسان 2026 (رئاسة الجمهورية العربية السورية)

احتجاجات تزعج الإسرائيليين

أما الموضوع الثالث فكان الاحتجاجات التي خرجت في عدة محافظات ضد قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، والتي تابعها الإسرائيليون بانزعاج شديد. وركزت صحيفة “اسرائيل اليوم” اليمينية المقربة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، علي قيام بعض المتظاهرين بتمثيل إعدام لدمية تمثله، قائلة إن “التحريض ضد إسرائيل يستعر في سوريا”، وأسهبت في وصف المشهد وقيام المحتجين بالعد تنازليًا وهم يهتفون “الله أكبر” لحظة إلقاء الدمية من الشرفة.

ورأت الباحثة في مركز “ألما”، زوي ليفرنيك، أنه لا يمكن اختزال المشاهد القادمة من سوريا على أنها رد فعل علي حرب غزة، ففي رأيها تتقاطع في تأجيج هذه الاحتجاجات واستثمارها جملةٌ من القوى، وهي: “حركتا حماس والجهاد الإسلامي”، والعناصر “السلفية الجهادية” في سوريا التي توظف الاحتجاجات لزعزعة النظام، وإيران الساعية إلى “إعادة فتح الجبهة السورية في وجه إسرائيل وتقويض حكومة الشرع”. أما عن استجابة الحكومة السورية، فقد جاءت في نظرها “مترددة وغير حاسمة”. وقد عزت هذا الموقف إلى مزيج بين الخوف من أن تبدو الحكومة كمن يقمع التضامن مع الفلسطينيين، واعتبار بعض أفرادها للأحداث ورقة ضغط مفيدة على اسرائيل في ظل المفاوضات المتعثرة.

من جانب آخر، كتب الصحفي دورون بسكين في صحيفة “كالكاليست” مقالًا ذا نبرة عدوانية شديدة، وقال إن “كل من تخيّل في القدس أو واشنطن إمكانية التطبيع مع سوريا، أو على الأقل ترتيبًا أمنيًا هادئًا، تلقّى صفعة موجعة هذا الأسبوع”، ووصف كل من الشارع السوري والحكومة علي أنهما “إيديولجيان بما يكفي للتحريض على إسرائيل، لكن عاجزان عن إطعام أنفسهم”، مضيفًا أنه من الوهم الاعتقاد بأن الأموال الخليجية يمكن أن تجعل من سوريا جارًا مستقرًا، وأن أي استثمار في البني التحتية وتحسين الحياة للناس من دون “المطالبة بتغيير جوهري في منظومة قيم النظام” هو مقامرة مالية تنتهي بـ”صفعة أمنية مؤلمة”.

وبعد حوالي أسبوعين من الأحداث، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول سوري قوله إن أجهزة الأمن السورية نفذت “اعتقالات أكثر بكثير مما تم الإعلان عنه، جرت بعيدًا عن الأضواء، وطالت محتجين رفعوا أعلام حماس”.

وحسب الهيئة، فقد أخبرها المسؤول السوري بأن “انصار حماس وحزب الله والميليشيات الموالية لإيران يريدون قيادتنا نحو الهلاك”. ولكن كاتب المقال استدراك بأن “التعاطف مع حماس لا يزال واسع الانتشار في سوريا”، مضيفًا أن ذلك “تجلّى في معرض دمشق الدولي للكتاب، حيث عُرضت للبيع كتب كثيرة تُمجّد الحركة”.

الوقفة الاحتجاجية أمام السفارة الإماراتية بدمشق رفضًا لقرار الكنيست الإسرائيلي الذي يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينين ـ 3 نيسان 2026 (الإخبارية السورية)

ملفات أقل حضورًا.. لكن ثقيلة

وبجانب هذه الموضوعات الثلاثة، تناول المحتوى الإسرائيلي ملفات أخرى بحضور أقل كميًا، لكنها على الأرجح لا تقل ثقلًا في العقل الإسرائيلي.

في مقدمة هذه الملفات علاقة سوريا بالولايات المتحدة، حيث قوبلت تصريحات توم براك بغضب واضح، صحبته حملة من الهجوم من قبل المصادر الإسرائيلية التي تنشر باللغة الإنجليزية وتخاطب الجمهور الغربي.

ونشرت “منظمة الدفاع عن الديمقراطيات” مقالًا طويلًا شارك في كتابته مديرها التنفيذي جوناثان تشازنر، اتهمت فيه براك بأنه يخدم المصالح التركية على حساب المصالح الأمريكية والإسرائيلية، واستنكرت تصريحاته في منتدى أنطاليا. ذهبت المنظمة إلى أن براك يمنح أردوغان “الشرعية” في وقت “تواصل فيه تركيا دعمها لحماس، وغسيل الأموال الإيرانية، ونقل أسلحة متطورة إلى سوريا”، مطالبة الرئيس ترامب بمحاسبة سفيره.

بالإضافة إلى ذلك، نقلت بعض المصادر العبرية أيضًا أخبار الانسحاب التاريخي للقوات الأمريكية من كامل الأراضي السورية.

بينما اهتمت أخرى بتقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية حول جهود بذلها مليارديران سوريان من عائلة “الخياط” لدفع إدارة الرئيس ترامب والكونجرس نحو رفع العقوبات عن سوريا.

كما رأت بعض الأصوات ان ما حدث في قضية “ممر المصنع” من نجاح سوري في منع الضربة هو مؤشر سلبي وجرس إنذار يجب الانتباه له. وعلقت مديرة “البرنامج السوري” في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، كارميت فالنسي، على الحادثة قائلة إن “حرية العمل في سوريا لم تعد مطلقة كما كانت في السابق”، وحذرت من أن “العلاقة الوثيقة بين سوريا والولايات المتحدة تخلق واقعًا مختلفًا على الأرض، ومن المحتمل أن تحتاج إسرائيل إلى تنسيق أفعالها مع الأمريكيين، إن لم يكن مع الشرع شخصيًا”.

تركيا أيضًا تشغل الإسرائيليين كثيرًا. ولم تمنع حرب إيران الإعلام الإسرائيلي من الاهتمام بها بصفتها تهديدًا جديدًا ينبغي احتواؤه والاستعداد لمواجهته. فعلى سبيل المثال، نقلت “معاريف” عن المستشرق والباحث في “مركز القدس للشؤون الخارجية والدفاع”، يوني بن مناحيم، قوله إن “تركيا هي إيران الجديدة”، وإن ما يقوم به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتعدي مجرد التصريحات العلنية المعادية لإسرائيل، وإن تركيا لا تكتفي بالخطوات السياسية، بل تزيد من حضورها العسكري في سوريا بالتنسيق مع الشرع.

وفي مقال نشره موقع “غلوبس” عن حرب إيران، تطرق الكاتب إلى حادثة سقوط أحد مكونات صاروخ اعتراضي أمريكي من منظومة “ثاد” في جنوب سوريا، وإلى القلق من أن تصل مثل هذه التقنية المتطورة إلى تركيا عبر النظام السوري، حيث يمكن أن توظف ذلك في تطوير أنظمة شبيهة محليًا، من خلال “الهندسة العكسية”.

رجل يرفع العلم الإيراني بعد غارات أمريكية- إسرائيلية (EPA)

قلق من ممرات النقل والطاقة

كما تابع الإعلام الإسرائيلي باهتمام ما يتعلق باستخدام الأراضي السورية في مشاريع إقليمية تتعلق بالنقل والطاقة، في خطوات كانت قيد الدراسة فعليًا، لكن الحرب وغلق مضيق هرمز سرعا من المضي فيها.

ونقلت صحيفة “كالكاليست” إعلان وزارة النفط العراقية عن تصدير المازوت من خلال سوريا، وتوقيعها عقود تعاون مع شركة “سومو” لنقل مئات آلاف الأطنان من النفط والوقود من الصحراء السعودية والسورية.

بينما تابعت صحيفة “معاريف” مرور حاويات النفط العراقية إلى معبر التنف، في طريقها إلى مصفاة بانياس. وعلى صعيد آخر، كتبت الصحيفة نفسها عن الاتفاق بين تركيا وسوريا والأردن على التعاون في مشروع تحديث شبكات السكك الحديدية، بهدف إنشاء “ممر نقل بري يمتد من جنوب أوروبا إلى الخليج العربي”.

وعبرت الباحثة والمسؤولة الحكومية السابقة جاليت كوهين عن قلقها تجاه مثل هذه المشاريع، قائلة إن أزمة مضيق هرمز خلقت فرصة لإسرائيل، وأنه في حال عدم استغلالها سريعًا، “ستنشأ ممرات بديلة تتجاهل إسرائيل كليًا، حيث تعمل تركيا جاهدة على إنشاء ممر من سوريا ولبنان إلى البحر المتوسط، ويحاول العراق أيضًا الترويج لطريقه الخاص”.

وبخصوص الطاقة أيضًا، يرى “معهد القدس الأستراتيجية والأمن” في تقرير له أن هذا القطاع يمثل أحد أبرز الملفات التي يمكن لإسرائيل توظيفها في علاقتها مع سوريا على المدى البعيد، وأن عليها أن تنخرط في منظومة الطاقة الإقليمية التي تتشكل حاليًا، حتى تعزز نفوذها في مواجهة تركيا وقطر، وتكتسب ورقة ضغط مهمة على سوريا.

وأخيرًا، لم يفت بعض المصادر الاسرائيلية ملاحظة النشاط الدبلوماسي المكثف من الرئيس السوري خلال فترة الحرب في المنطقة. وتناولت صحيفة “يديعوت أحرونوت” قيام الشرع بزيارتين مهمتين إلى برلين ولندن، واستقباله الرئيس الأوكراني زيلينسكي في دمشق، قائلة إنه بينما “كان الجميع يتقاتل”، تمكنت سوريا من تحقيق إنجازات دبلوماسية مهمة.

صهاريج نفط عراقية على طريق بانياس خلال توجهها لتفريغ حمولتها في مصب بانياس تمهيدًا لتصدير النفط إلى الأسواق العالمية – 9 نيسان 2026 (سانا)

طابع سلبي.. لكن مع طموح للتعاون

بشكل عام، يغلب علي التناول الإسرائيلي لسوريا الجديدة الطابع السلبي، بشكل يجعله مختلفًا للغاية عن نظيره في الإعلام الغربي، الذي يظهر فيه الكثير من التقبل والانفتاح.

في الوقت نفسه، هناك حالة واضحة من التناقض، تكمن في اختلاط النظرة السلبية بطموح في التعاون والتوصل لاتفاقات تفيد إسرائيل، وتصنيف عام للتغير في سوريا علي أنه حدث جيد ونتيجة إيجابية للجموح العسكري الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر.

وليس ذلك من قبيل وجود آراء متعارضة بين اليمين واليسار، ولكنه تناقض حقيقي تقوده المصادر الأكثر تشددًا نفسها.

ونجد الأقلام التي تصر على استخدام اسم “الجولاني” في الإشارة الى الرئيس السوري، تطمح في نفس الوقت إلى سيناريو تعمل فيه إسرائيل مع سوريا ضد “حزب الله” في لبنان. والعلاقة الأمريكية السورية التي تزعج الإسرائيليين هي نفسها التي يريدون أن تدفع سوريا إلى مسار التفاهم معهم.

وربما يكون هذا التناقض من سمات هذه المرحلة المبكرة من فترة ما بعد الأسد، على أن يتم حسمه في الأشهر المقبلة، فإما أن يتخذ مسارًا تصادميًا مع كل من سوريا وتركيا، أو يتجه نحو الاعتدال والهدوء، خاصة إذا حدث تقدم في المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة.

وقد يكون العامل الحاسم في دفع إسرائيل لأحد المسارين، ما ذكره الباحث التركي عمر أوزكيزيلجيك، ونقلته صحيفة “معاريف”، وهو نتيجة الحرب على إيران والمفاوضات الجارية لإنهائها، فإن كانت شروط الاتفاق مرضية لإسرائيل، فقد تتبنى عقيدة “الدور على تركيا” وتوجه مواردها نحو نهج أكثر عدوانية تجاه دمشق، أما إذا كان الاتفاق هشًا، فقد تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى إغلاق جبهة إقليمية واحدة على الأقل، مما يجعل سوريا مرشحًا طبيعيًا لخفض التصعيد.

Related



إقرأ المزيد