تنظيم “الدولة” يستنهض المقاتلين الأجانب بعد اعتقالات إدلب
عنب بلدي -

تتقاطع التوترات الأمنية الأخيرة في إدلب مع تصاعد خطاب تنظيم “الدولة الإسلامية” بشأن المقاتلين الأجانب، في وقت تحاول فيه الحكومة السورية الجديدة فرض سيطرتها الأمنية وإعادة ترتيب علاقتها بالفصائل والمقاتلين غير السوريين.

وبين حملات الاعتقال والرسائل الدعائية، يعود هذا الملف إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر التحديات تعقيدًا في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، وسط مخاوف من استغلال التنظيم لهذه التطورات لاستقطاب عناصر جدد وإعادة تنشيط حضوره.

حذرت صحيفة “النبأ” الناطقة باسم تنظيم “الدولة الإسلامية”، من أن مصير المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في القتال إلى جانب فصائل المعارضة السورية بات مهددًا بالتصفية، في ظل تعامل السلطات السورية الجديدة معهم بوصفهم عبئًا يجب التخلص منه.

واعتبرت الصحيفة، في افتتاحية عددها الصادر في 14 من أيار، أن الحملة الأمنية الأخيرة التي استهدفت مقاتلين من أوزبكستان تمثل دليلًا على ما وصفته بـ”انكشاف حقيقة” القوى التي واجهها التنظيم خلال السنوات الماضية، مشيرة إلى أن الفصائل التي قاتلت تحت شعار الثورة تحولت اليوم إلى سلطات تسعى لقمع التيار الإسلامي المتشدد.

وأضافت أن المقاتلين غير السوريين صاروا مستهدفين بعد أن كانوا عنصرًا أساسيًا في القتال خلال السنوات الماضية، إذ يواجهون خطر الاعتقال أو التسليم لجهات خارجية. كما أشارت إلى أن وجود هؤلاء المقاتلين لم يعد مقبولًا ضمن التوجه نحو بناء دولة ذات طابع مدني، وهو ما قالت إن القيادي السابق في التنظيم، “أبو محمد العدناني”، حذر منه سابقًا.

وترى الصحيفة أن ما يواجهه هؤلاء المقاتلون حاليًا هو نتيجة مباشرة لما وصفته بـ”توجيهات مضللة” دفعتهم للقتال خارج صفوف تنظيم “الدولة الإسلامية”، محملة شخصيات دينية مسؤولية توجيه الشباب نحو مشاريع سياسية وصفتها بـ”الفاشلة”.

وجددت الصحيفة دعوتها للمقاتلين الأجانب إلى مراجعة مواقفهم والانضمام إلى التنظيم، معتبرة أن هذا الخيار هو الوحيد الذي يضمن لهم “مكانة محترمة” قبل أي تغير سياسي وبعده.

كما حذرت من أن بقاء المقاتلين الأجانب في سوريا لن يكون مقبولًا من إسرائيل، مضيفة أن القيادة السورية الجديدة، في إشارة إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، حريصة على الحفاظ على علاقات جيدة مع دول الجوار.

الحكومة السورية تعتقل مقاتلين أوزبك

شهد ريف إدلب شمال غربي سوريا توترات أمنية جديدة، عقب حملة اعتقالات استهدفت مقاتلين أوزبك.

وقال مسؤولان أمنيان سوريان لوكالة “رويترز“، في 6 من أيار، إن قوات سورية ألقت القبض على مقاتلين أوزبك خلال عملية تمشيط أمني شمال غربي البلاد، بعدما تصاعد خلاف شارك فيه أحدهم وتحول إلى احتجاجات أمام منشأة أمنية حكومية.

وأضافت “رويترز” أن الحادثة تسلط الضوء على التحدي الذي تواجهه الحكومة السورية، في ظل محاولتها فرض سلطة الدولة على المقاتلين الأجانب الذين قدموا إلى سوريا منذ عام 2011.

وذكر المسؤولان وسكان في المنطقة أن التوترات بدأت بعد محاولة السلطات اعتقال مقاتل أوزبكي متهم بإطلاق النار في مدينة إدلب، ما دفع مقاتلين أوزبك مسلحين إلى تنظيم احتجاجات للمطالبة بالإفراج عنه. ولم ترد وزارة الداخلية السورية على طلب “رويترز” للتعليق.

وقالت مصادر محلية ومسؤولون إن قوات الأمن نفذت اعتقالات في عدة مناطق بريف إدلب، بينها بلدتا كفريا والفوعة، بحق مقاتلين أوزبك شاركوا في الاحتجاجات، مع نشر تعزيزات عسكرية في محيط البلدتين، تخللها سماع أصوات إطلاق نار متقطع.

ولم يتضح عدد المقاتلين الأوزبك الذين اعتقلتهم القوات السورية. وكان مصدر أمني سوري قال لـ”رويترز” العام الماضي إن عدد المقاتلين الأوزبك في سوريا يبلغ نحو 1,500 مقاتل، بعضهم برفقة عائلاتهم.

وتعد هذه ثاني مواجهة خلال الأشهر الماضية بين قوات الحكومة السورية ومسلحين أجانب في إدلب، بعد توترات ارتبطت بمخيم يقوده المقاتل الفرنسي عمر ديابي، المعروف باسم “عمر أومسين”، قرب الحدود التركية في تشرين الأول الماضي، بحسب “رويترز”.

كما أفادت “رويترز” العام الماضي بأن الولايات المتحدة وافقت على خطة سورية لدمج نحو 3,500 مقاتل أجنبي، معظمهم من الإيغور القادمين من الصين ودول مجاورة، ضمن فرقة عسكرية حديثة التأسيس، باعتبار أن إخضاعهم لسيطرة الدولة أفضل من بقائهم خارج المؤسسات الرسمية.

انتقاد لـ”القاعدة”.. “معايير مزدوجة”

لم تكن افتتاحية “النبأ” الأخيرة الأولى من نوعها في انتقاد خصوم التنظيم، إذ هاجمت الصحيفة في عددها الصادر بتاريخ 30 من نيسان الماضي موقف تنظيم “القاعدة” من الحكومة السورية الجديدة، متهمة إياه بازدواجية المعايير في تقييم الحكومات التي تشكلت بعد الإطاحة بأنظمة سابقة.

وقالت الصحيفة إن “القاعدة” تتعامل بإيجابية مع حكومة “طالبان” في أفغانستان، في حين تتخذ موقفًا سلبيًا مبطنًا من حكومة دمشق التي تشكلت بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، دون تقديم تفسير واضح لهذا التباين.

وأضافت أن بيانات القيادة العامة لتنظيم “القاعدة” أربكت أتباع التنظيم، ودفعتهم إلى التساؤل حول أسباب اختلاف المواقف بين الحالتين السورية والأفغانية.

وامتد انتقاد “النبأ” إلى ما وصفته بتناقضات أخرى لدى “القاعدة”، من بينها طريقة التعامل مع الحكومات والجيوش في الدول التي تصنفها “القاعدة” ضمن “دول الردة”.

“فك الارتباط” وتبدل المواقف

في 28 من تموز 2016، أعلن قائد “جبهة النصرة” حينها، والرئيس السوري الحالي أحمد الشرع، فك ارتباط “النصرة” بتنظيم “القاعدة”، وتشكيل فصيل جديد باسم “جبهة فتح الشام”، في أول ظهور علني له.

وقال الشرع حينها إن الفصيل الجديد “لن تكون له علاقة بأي جهة خارجية”، معتبرًا أن الخطوة تهدف إلى “تقريب المسافات بين فصائل المجاهدين في الشام، وحماية الثورة السورية وجهاد أهل الشام”، إضافة إلى “دفع ذرائع المجتمع الدولي”.

وجاء الإعلان بعد كلمة صوتية نشرها “أحمد حسن أبو الخير”، نائب زعيم تنظيم “القاعدة” أيمن الظواهري، منح فيها الضوء الأخضر لـ”جبهة النصرة” لفك الارتباط.

وفي كانون الثاني 2017، أُعلن تشكيل “هيئة تحرير الشام” نتيجة اندماج “جبهة فتح الشام” مع فصائل أخرى. وبعد سنوات من تعزيز نفوذها شمال غربي سوريا، قادت الهيئة معارك إسقاط نظام الأسد في كانون الأول 2024، وشكلت نواة الحكم الجديد.

رسائل من تنظيم “الدولة”

تراجعت أنشطة تنظيم “الدولة” خلال الفترة الماضية في سوريا، مكتفيًا بعمليات محدودة شرقي البلاد، دون تأثير ميداني واضح.

وعلى الصعيد الإعلامي، يواصل التنظيم توجيه رسائل إلى مؤيديه، يحثهم فيها على دعم مشروعه، مع مهاجمة الحكومة السورية والأطراف التي يعاديها، دون إصدار تهديدات مباشرة تشير إلى مواجهات محتملة أو استعراض لقوته العسكرية.

وكان التنظيم أعلن، في إحصائية نشرتها وكالة “أعماق” الموالية له، تنفيذ 136 هجومًا في سوريا خلال عام 2025، أسفرت عن 228 حالة بين قتيل وجريح، ضمن 1,218 هجومًا سجلها في 13 دولة بآسيا وأوروبا.

وقال الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، أحمد أبازيد، في حديث إلى عنب بلدي، إن التنظيم غيّر استراتيجيته بشكل جذري منذ خسارة آخر معاقله في الباغوز عام 2019.

وأوضح أبازيد أن التنظيم انتقل إلى نموذج يعتمد على خلايا صغيرة متخفية، مع الحفاظ على تماسك تنظيمي وتشديد أمني داخلي على عناصره. وأضاف أن نشاط التنظيم بعد سقوط نظام الأسد لم يتغير كثيرًا من حيث الأسلوب، لكنه بات ينتشر في مناطق أوسع، بالتزامن مع تصاعد عمليات الكشف الأمني التي تنفذها وزارة الداخلية السورية.

ويظهر تقاطع خطاب “النبأ” مع التطورات الميدانية أن ملف المقاتلين الأجانب لا يزال يمثل تحديًا أمنيًا وسياسيًا للحكومة السورية الجديدة، في وقت تحاول فيه الموازنة بين فرض سيطرتها على كامل الأراضي السورية، وإدارة إرث التحالفات السابقة، والتعامل مع الضغوط الإقليمية والدولية، وسط محاولات من تنظيم “الدولة الإسلامية” لاستثمار هذا الملف في استقطاب أتباع جدد.

Related



إقرأ المزيد