عنب بلدي - 5/16/2026 5:36:15 PM - GMT (+2 )
عاد ملف اللغة الكردية إلى واجهة النقاشات الثقافية والسياسية في سوريا، بعد صدور المرسوم “13” وما رافقه من حديث عن الانفتاح على التعدد اللغوي والثقافي، وسط آمال كردية بأن يشكّل ذلك مدخلًا لمرحلة جديدة من الاعتراف باللغة الكردية داخل المؤسسات الرسمية والتعليمية، بعد عقود طويلة من التهميش والإقصاء.
وعلى مدى سنوات الحكم السابق، بقيت اللغة الكردية خارج الإطار الرسمي في سوريا، رغم انتشارها بين الكرد السوريين، إذ اقتصر حضورها على الاستخدامات الشفهية والاجتماعية وبعض النشاطات الثقافية المحدودة، في ظل غياب مؤسسات أكاديمية مختصة أو اعتراف قانوني واضح بها.
التحولات السياسية التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام السابق أعادت طرح أسئلة قديمة تتعلق بالهوية الوطنية والتنوع الثقافي، ومن بينها مستقبل اللغة الكردية وموقعها داخل مؤسسات الدولة الجديدة.
الكاتب واللغوي الكردي ورئيس “اتحاد كتاب كوردستان سوريا”، عبد الحكيم أحمد محمد، قال في حديث لعنب بلدي، إن اللغة الكردية “من اللغات القديمة والعريقة في الشرق الأوسط”، موضحًا أنها مرت بمراحل طويلة من التهميش ومحاولات الصهر، ما أثّر على تطورها الأكاديمي والمؤسساتي.
وأضاف أن اللغة الكردية بقيت لعقود “لغة محكية متداولة فقط بين الكرد”، رغم أن عدد المتحدثين بها يتجاوز 40 مليون شخص حول العالم، معتبرًا أنها “من أكثر اللغات التي تعرضت للظلم والصهر”، لكنها حافظت على وجودها عبر التاريخ بفضل تمسك المجتمع الكردي بها.
وأشار إلى أن جذور اللغة الكردية تعود إلى “اللغة البهلوية القديمة”، موضحًا أن اللغة شهدت خلال العقود الأخيرة تطورًا ملحوظًا، خصوصًا مع ازدياد الاهتمام بالتأليف والنشر والكتابة باللغة الكردية.
وقال إن السنوات الـ26 الأخيرة شهدت “تطورًا أكبر للغة”، نتيجة حصول الكرد على مساحة أوسع لاستخدامها والتعبير بها، بعد أن كانت “ممنوعة حتى في الشوارع”، وفق تعبيره.
تحديات لغوية وأكاديميةورغم هذا التطور، يؤكد عبد الحكيم أحمد محمد أن اللغة الكردية لا تزال تواجه تحديات كبيرة على المستويات اللغوية والأكاديمية، بسبب غياب مرجعية موحدة ومؤسسات متخصصة تتولى تطويرها بشكل علمي.
وأوضح أن “عدم وجود دولة كردية تعتمد اللغة الكردية رسميًا” كان أحد الأسباب الرئيسية وراء ضعف التطور المؤسساتي للغة، مضيفًا أن تشتت الكرد بين عدة دول انعكس بشكل مباشر على تعدد اللهجات وأنظمة الكتابة والمناهج.
وقال إن اللغة الكردية “لا تمتلك حتى اليوم قواعد موحدة معتمدة من جميع اللغويين الكرد”، مشيرًا إلى أن كل باحث أو لغوي عمل على تطوير اللغة “وفق معرفته وخبراته الخاصة”، ما أدى إلى وجود تباينات في الكتب القواعدية والمناهج والمصطلحات.
وأضاف أن غالبية الكرد لا يستطيعون الكتابة بلغتهم الأم نتيجة نشأتهم في دول تعتمد لغات أخرى، مثل العربية والتركية والفارسية، معتبرًا أن ذلك “أحد أكبر التحديات التي تواجه اللغة الكردية”.
ويرى مدرس اللغة الكردية، محمد حسن، أن واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه اللغة الكردية اليوم تتمثل في غياب “مرجعية أكاديمية موحدة”، موضحًا أن تعدد اللهجات لا يمثل بحد ذاته مشكلة، بل إن المشكلة الأساسية تكمن في غياب مؤسسات قادرة على تنظيم هذا التنوع ضمن إطار لغوي جامع.
وأضاف أن اختلاف أنظمة الكتابة بين المناطق الكردية، سواء باستخدام الحروف العربية أو اللاتينية، خلق تفاوتًا في المناهج التعليمية وأدوات البحث والتوثيق.
الحاجة إلى مجمع لغوي موحدوبحسب عبد الحكيم أحمد محمد، فإن تطوير اللغة الكردية بشكل أكاديمي يحتاج إلى تأسيس “مجمع لغوي موحد” يضم لغويين ومختصين من مختلف المناطق واللهجات الكردية.
وأوضح أن نجاح أي مشروع لغوي يتطلب “وجود جهة أو حكومة تدعم المختصين أكاديميًا ولوجستيًا واقتصاديًا”، بما يسمح بوضع قواعد موحدة وتوحيد المصطلحات العلمية والأدبية وإنتاج مناهج عامة يمكن اعتمادها بشكل أوسع.
وأكد أن تعدد اللهجات “يمثل غنى للغة وليس ضعفًا”، إلا أن تعدد أنظمة الكتابة والمناهج التعليمية يترك تأثيرًا سلبيًا على عملية التطوير والتوحيد.
وأشار إلى وجود اختلافات واضحة بين المناهج والقواعد المستخدمة في مناطق مختلفة، موضحًا أن اللغة الكردية في بعض المناطق تُكتب بالحروف العربية، بينما تعتمد مناطق أخرى الحروف اللاتينية، ما يزيد الحاجة إلى مرجعية لغوية موحدة.
من جهته، قال المثقف الكردي جوان يوسف إن اللغة الكردية لا تزال بحاجة إلى “مشروع أكاديمي حقيقي” يربط بين الإنتاج الأدبي والبحث العلمي والتعليم، مضيفًا أن معظم الجهود الحالية لا تزال فردية ومتفرقة.
غياب المؤسسات وتأثيره على اللغةويرى المختصون الذين تحدثت معهم عنب بلدي أن غياب المؤسسات الأكاديمية المختصة لعقود طويلة ترك أثرًا مباشرًا على تطور اللغة الكردية، سواء من حيث البحث العلمي أو التأليف أو إعداد الكوادر المتخصصة.
وقال عبد الحكيم أحمد محمد إن اللغة الكردية “رغم قدمها، تُعد حديثة نسبيًا من الناحية الأكاديمية”، موضحًا أن غياب الجامعات والمؤسسات المتخصصة “أعاق تطوير اللغة وقواعدها ومناهجها”.
وأضاف أن الأدب الكردي استمر بالتطور رغم الظروف السياسية، إلا أن “البحث العلمي والأكاديمية اللغوية بقيا الأضعف”، نتيجة غياب الدعم المؤسسي.
وأشار إلى الحاجة إلى “تكريد المصطلحات العلمية والأدبية، وتأليف مناهج ومراجع باللغة الكردية، واعتماد الدقة والمنهجية العلمية”، معتبرًا أن هذه الخطوات ضرورية لتحويل اللغة إلى لغة معرفة وبحث علمي.
بدوره، يرى مدرس اللغة الكردية محمد حسن أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور معاجم ومؤلفات لغوية وأدبية باللغة الكردية، لكنها لا تزال “غير كافية” بسبب غياب المؤسسات القادرة على توحيد هذا الإنتاج وتنظيمه ضمن إطار أكاديمي متكامل.
اللغة الكردية والتعليم الرسميويؤكد المختصون أن إدراج اللغة الكردية ضمن المؤسسات التعليمية والبحثية الرسمية يشكل خطوة أساسية للحفاظ عليها وتطويرها.
وقال عبد الحكيم أحمد محمد إن أهمية إدخال اللغة الكردية إلى المؤسسات التعليمية تكمن في “أن الأطفال سيتمكنون من القراءة والكتابة بلغتهم دون خوف”، مضيفًا أن وجودها ضمن المناهج الرسمية سيسمح بتطويرها “بطريقة أكاديمية وعلمية، وليس عبر جهود فردية فقط”.
وأشار إلى أن الاعتراف باللغة داخل المؤسسات الرسمية سيمنحها “صفة الاستمرارية والتطور”، بدل بقائها محصورة في الاستخدامات الاجتماعية أو الثقافية المحدودة.
أما المثقف الكردي جوان يوسف، فيرى أن أي مشروع لحماية اللغة الكردية يحتاج إلى “ضمانات قانونية ودستورية واضحة”، تضمن استمرارية تعليمها وتطويرها داخل المدارس والجامعات والمؤسسات الرسمية.
المرسوم “13”.. بين الأمل والتحفظومع تصاعد الحديث عن مستقبل التعددية الثقافية في سوريا، برز المرسوم 13 بوصفه محطة مهمة بالنسبة للكرد، رغم اختلاف التقديرات بشأن مدى قدرته على إحداث تغيير فعلي.
وقال عبد الحكيم أحمد محمد إن المرسوم “يمثل بداية جيدة ومدخلًا للأمل في بناء سوريا ديمقراطية تقبل جميع اللغات والأعراق والأديان”، معتبرًا أنه قد يشكل “قاعدة يمكن البناء عليها مستقبلًا لإدراج اللغة الكردية ضمن الدستور السوري”.
لكنه شدد على أن المرسوم “غير كافٍ إذا بقي مجرد نص على الورق”، موضحًا أن المراسيم يمكن تغييرها أو إلغاؤها، بينما تبقى الحقوق الدستورية أكثر ثباتًا واستقرارًا.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى “قوانين واضحة تحمي جميع اللغات في سوريا بالتساوي”، وأن تنعكس هذه القوانين على السياسات التعليمية والثقافية واللغوية داخل الدولة.
ويرى مدرس اللغة الكردية محمد حسن أن مستقبل اللغة الكردية في سوريا مرتبط بمدى قدرة الدولة الجديدة على تبني مفهوم التعدد الثقافي واللغوي ضمن إطار المواطنة، بدل العودة إلى سياسات الإقصاء السابقة.
أما المثقف الكردي جوان يوسف، فيعتقد أن الاعتراف باللغة الكردية لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه قضية سياسية فقط، بل كجزء من إعادة بناء الهوية السورية على أساس التنوع الثقافي واللغوي.
وفي ظل التحولات التي تشهدها سوريا، يأمل كثير من الكرد أن تفتح المرحلة المقبلة الباب أمام حضور أوسع للغتهم داخل المؤسسات الرسمية والثقافية والتعليمية، بعد عقود طويلة من التهميش، في وقت لا يزال فيه مستقبل هذا الملف مرتبطًا بشكل الدولة السورية الجديدة وطبيعة مقاربتها لمسألة التنوع والحقوق الثقافية.
Related
إقرأ المزيد


