سوريا وحرب “التلاعب المعلوماتي والتدخل الأجنبي” (FIMI)
عنب بلدي -

علي عيد

دون تردد في الدفاع عن الحريات الإعلامية، أو الاستعراض في مدى التطور الحاصل، وتقبل النقد في الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي التي باتت جزءًا من المشهد الإعلامي، هناك ما لا يمكن الإمساك به في سوريا، وهو المحتوى الذي يجري بناؤه خارج الجغرافيا، ويبدو أن من يديره في الظاهر هم سوريون لديهم رواياتهم، ويعتمد على “غرف الصدى” وتضخيم الانحيازات، ما يظهر تفككًا وحربًا في السرديات، مع خشية أن تتحول جهات إعلامية حكومية إلى طرف فيها.

عمليات التضخيم تُشعر البعض، إذا استثنينا حقهم في التعبير السياسي، أنهم مقبولون لدى عشرات الآلاف قياسًا لمستوى الانتشار، وأن روايتهم تنتشر بسبب صحتها المطلقة، إلا أن هناك وهمًا تديره أدوات قد لا يعلمها هؤلاء أنفسهم، وأحيانًا يصعب عليهم تفسيرها.

يبدو أن سوريا غارقة في حرب “FIMI” القادمة من الخارج، وهو ما يظهر في مدى انتشار مواقع وصفحات على منصات التواصل الاجتماعي، تغذيها توجهات سياسية متناقضة.

ليست سوريا وحدها عرضة لهذا النوع من التهديد، لكن هناك مساحة مظلمة، يستغل فيها المتلاعبون هشاشة الوضع الداخلي، وضعف البيئة التنظيمية، وعدم وجود جهاز محدد لمواجهة الحرب السيبرانية والمعلومات المضللة.

التقارير الدولية الصادرة خلال 2025 و2026، أشارت بوضوح إلى تصاعد القلق من دور الإعلام العابر للحدود، خصوصًا المنصات الرقمية وشبكات التأثير المعلوماتي، في زعزعة استقرار الدول والمجتمعات، ليس فقط عبر “الدعاية التقليدية”، بل من خلال “الحرب الهجينة” واستهداف الأمن القومي والاستقرار المجتمعي.

مصطلح “FIMI” أو “Foreign Information Manipulation and Interference”، ويعني “التلاعب المعلوماتي والتدخل الأجنبي”، تبناه الاتحاد الأوروبي لوصف عمليات التأثير المنظمة التي تقوم بها دول أو جهات خارجية بهدف التأثير على الرأي العام أو الاستقرار السياسي أو القرارات داخل دولة أخرى.

وجرى تبنيه لأن مصطلحات الأخبار الكاذبة (Fake News)، والدعاية (Propaganda)، باتت غير كافية لوصف النموذج الهجين من الحروب الرقمية القائمة على شبكات إعلامية، وحسابات منسقة، وخوارزميات، ومؤثرين، وذكاء اصطناعي، وحملات نفسية، وتسريب أو تحريف المعلومات، والتي تعمل بشكل متكامل للتأثير على المجتمع المستهدف.
ورقة بحثية بعنوان: “تحليل المقاربات متعددة التخصصات لمواجهة عمليات التأثير الرقمي واسعة النطاق”، نشرتها منصة “arXiv”، المدعومة من جامعة “Cornell” الأمريكية، تشير إلى استخدام أدوات التسويق الرقمي وتحسين محركات البحث، والإعلانات الموجهة، وأنظمة التوصية، لأغراض التضليل والتأثير السياسي.

وتنبه الورقة من “مزارع البوتات”، وتقنيات الاستهداف الدقيق، والتلاعب بخوارزميات البحث.

وتلفت إلى أن “الجريمة كخدمة” (CaaS)، تطورت من حوادث إجرامية معزولة إلى طيف واسع من الأنشطة غير المشروعة، يشمل التلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي، وبيع أدوات التضليل الإعلامي، واستغلال جهات لتنفيذ عمليات واسعة النطاق للتلاعب بالرأي العام، واستغلال انحيازات المستخدمين لتضخيم السرديات المستقطِبة.

تقرير وحدة “الاتصال الاستراتيجي والاستشراف” في الاتحاد الأوروبي (SG.START)، لعام 2025، ذكر أن تحقيقات “جهاز العمل الخارجي الأوروبي” (EEAS)، كشفت عن وقوع أكثر من 500 حادثة من حوادث “FIMI” خلال عام 2024، باستخدام ما لا يقل عن 25 منصة مختلفة، و38 ألف حساب، في استهداف 322 منظمة عبر 90 دولة مختلفة.

  • بتحليل ما يشمله نشاط “FIMI”، يتبين أن من الطبيعي أن تكون سوريا جزءًا أو طرفًا مستهدفًا فيه، فهو يمتد إلى:
  • إنشاء منصات إعلامية تبدو محلية لكنها مدعومة خارجيًا.
  • تشغيل جيوش إلكترونية وحسابات وهمية.
  • نشر روايات مضللة أو مستقطِبة.
  • تضخيم الانقسامات الاجتماعية والطائفية والسياسية.
  • التأثير على الانتخابات والاحتجاجات.
  • التشكيك بالمؤسسات والقضاء والإعلام.
  • استغلال الأزمات والحروب والكوارث لنشر الفوضى المعلوماتية.

الاتحاد الأوروبي يركز على ثلاثة عناصر أساسية هي: وجود جهة خارجية أو ارتباط خارجي، نية استراتيجية للتأثير أو الإضرار، تنسيق أو تنظيم ممنهج.

لذلك، فهو يعتبر “FIMI” أقرب إلى عمليات تأثير “جيوسياسية” عبر المجال المعلوماتي.

ومقابل اعتباره تهديدًا للأمن الديمقراطي والسيادة الرقمية في الاتحاد الأوروبي، يصنفه حلف شمال الأطلسي (NATO) ضمن “التهديدات الهجينة” والحرب المعرفية.
ويعدد باحثون أمثلة شائعة مرتبطة بالمفهوم بينها: حملات التأثير الروسية في الانتخابات الغربية، حملات التأثير الصينية على المنصات الدولية، استخدام وسائل التواصل مثل “إكس” و”تيك توك” و”فيسبوك” و”تلجرام” ضمن حملات تعبئة واستقطاب عابرة للحدود، كشكل جديد من الحرب النفسية، والهندسة الاجتماعية الرقمية.
يركز باحثون على أدوات مواجهة “FIMI”، مع التحذير من خطر فرض رقابة صارمة لتبرير التضييق على الإعلام أو المعارضين تحت ذريعة “حماية الاستقرار”، وهي إشكالية تثير الانتقاد من قبل المدافعين عن الحريات.
مع ما سبق يدعو الباحثون إلى تعزيز تعاون جهات متعددة منها: الأمن السيبراني، أجهزة إنفاذ القانون، علماء النفس، المحللون الدلاليون، المشرعون، وسائل الإعلام.

وكذلك إلى التحقق المشفر من المحتوى والذكاء الاصطناعي لكشف التضليل و”البلوك تشين” للتتبع، وعدم إهمال دور الخبراء البشريين.

سوريا تعيش فجوة رقمية هائلة بحسب تقرير “DataReportal”، ما يجعلها في حالة ضعف تكنولوجي وسيبراني، كما قد تكون هدفًا لأطراف خارجية، منها على سبيل المثال الوحدة “8200” الإسرائيلية، إحدى أكبر وحدات الاستخبارات التقنية والإلكترونية في العالم.

وتشير الدراسات إلى أن من مهمات “8200”، العمليات النفسية والتأثير المعلوماتي، ومراقبة الفضاء الإلكتروني العربي، وتحليل اتجاهات الرأي العام، ومتابعة واستثمار المنصات الاجتماعية، والإعلام الرقمي، وهو ما يعطي مؤشرات لتحكم “التلاعب المعلوماتي والتدخل الأجنبي” (FIMI) في كثير من التفاصيل.. وللحديث بقية.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد