لمى قنوت
غالبًا ما ينجذب رأسمال الاستثمار الخارجي الضخم في الدول الهشة، الخارجة من الحروب، إلى عقود احتكارية طويلة الأمد في قطاعات الطاقة والاتصالات والنقل والتجارة والمصارف والتخطيط العمراني الاستطباقي (Gentrification)، وبحسب طبيعة عقودها، يمكن أن تتحرك هذه الاستثمارات كأدوات لتشكيل نخب اقتصادية جديدة، وشبكات ولاء ونفوذ خارجي، وضبط للقرار الوطني السياسي أو تقويضه، فتعيد بذلك هندسة السياسة، والاستقرار السلطوي، واقتصاد النفوذ، وتتسبب بإضعاف الدولة بدل من تمكينها للنهوض وعبور المرحلة، وقد ترحب منظومات الحكم الجديدة بمثل هذه الاستراتيجيات لتوطيد نفوذها نظرًا إلى نتائج الاستثمار الخارجي السريعة نسبيًا.
إن السلطة المنحازة بنيويًا لرأس المال الاستثماري النافذ، والتي تُخَطط فوقيًا لا تشاركيًا، تلتقط إعادة الإعمار لمصلحة تحالف سياسي مالي عابر للحدود، فتعيد تشكيل المدينة والاقتصاد والقوانين بما يخدم مصالحه، ويؤدي إلى انقسام المدينة طبقيًا ومكانيًا، كمركز حديث وغالٍ ومسيج ومحمي، وهامش واسع ومهمش ومُفقر، تُدفع فيه الأغلبية إلى الضواحي والأطراف والعشوائيات، وهو ترجمة لتحول ميزان القوى إلى العمران، كتكرار لديناميات تظهر بعد الحروب، حين لا تعتبر المدينة قضية سياسية واجتماعية، بل ملفًا استثماريًا، وتغيب فيه سياسات الإسكان الاجتماعي الواسعة.
تسهم الدروس المستفادة من تجارب بعض الدول في إعادة الإعمار بعد الحرب، في وضع بعض الأسس لإعادة إعمار عادلة، تحمي السكان وتمنع اقتلاعهم طبقيًا، وتضمن عودتهم، وتمنع الاحتكار العقاري، وتوزع التنمية، وتضمن مشاركة المجتمع في التخطيط.
وتأسيسًا لذلك، فإن بناء قدرة مؤسسات الدولة يجب أن يكون قبل تحرير السوق، في حال تم الإجماع عليه ديمقراطيًا، والحفاظ على دور الدولة للقيام بمسؤولياتها الاجتماعية، فالدولة الضعيفة لا تستطيع إدارة سوق حر، وقد فشلت تجارب دول ما بعد الحرب نتيجة فتح الاقتصاد بسرعة قبل إعادة بناء المؤسسات، وبضمنها جهاز إداري وقانوني قوي، وتحقيق استقلال القضاء، وحماية للملكية العامة والخاصة، وبناء مؤسسات مالية، وسجل عقاري واضح، وإدارة ضريبية، وتأسيس جهاز رقابة فعال يمنع احتكار إعادة الإعمار، ويشمل تدقيقًا ماليًا مستقلًا، ورقابة على العقود، وشفافية الملكية، ورقابة برلمانية، وقضاء ماليًا، وإعلامًا حرًا استقصائيًا، وحماية المنافسة، وتتبع التمويل الخارجي، وكشف تضارب المصالح، ودون ذلك سيؤدي إلى الفساد، والاحتكار، ونشوء اقتصاد ريعي تستحوذ عليه “أوليغارشيا”، واستيلاء خارجي.
وحتى لا تتشكل التبعية البنيوية للمال السياسي، خصوصًا في المراحل التأسيسية، وجب تحصين المؤسسات الرقابية بشكل عام، وضمن مرحلة إعادة الإعمار بشكل أساسي، وذلك عبر الاستقلالية المادية، والحماية القانونية، والشفافية، والرقابة متعددة المستويات. والرقابة الفعالة لا تقف عند الشق المالي فقط، بل تمتد إلى تقييم الأثر السيادي للعقود، كي لا تخلق احتكارًا، أو تمنح نفوذًا لدولة واحدة، وأن تتحكم جهة بالبيانات الوطنية، وألا تربط البنية التحتية الحيوية بالخارج، إضافة إلى أهمية فحص أثر العقود بحيث لا تسهم في تهديد الأمن الغذائي والطاقي والبيئي، ولا تمنع التنافس التجاري والصناعي المحلي، وأن تنقل المعرفة بدل الاعتماد الدائم عليها.
ومما لا شك فيه أنه من واجب الدولة القيام بتوجيه الاستثمارات، لا أن تكون متلقية لها فقط، وهو نموذج اتبعته بعض الدول الآسيوية، حيث فاوضت رأس المال، وفرضت شروطًا، وحمت قطاعات استراتيجية، وربطت الاستثمار بنقل التكنولوجيا، وأسست جهازًا إداريًا مهنيًا قادرًا على التخطيط، والتفاوض، والتنفيذ، والرقابة، وتم اختيار كوادره بناء على المعرفة والكفاءة والخبرة والنزاهة والاستقلال لا على الولاء، وهو جزء مهم من شروط التجارب التنموية الناجحة التي تبني مؤسسات قوية لا تنهار كلما تغيرت السلطة أو التحالفات.
وفي نفس الصدد، فإن الرقابة الصارمة على الملكية العقارية مهمة خلال إعادة الإعمار، فغالبًا ما تشهد الدول بعد الحرب نزاعات على الملكية، وتهجيرًا قسريًا، وغيابًا للوثائق، واستيلاء على الأراضي، كما حصل في سوريا، إضافة إلى المضاربات وقيام رأس المال الخارجي بشراء جماعي للعقارات، وهذا يتطلب إجراءات رقابية صارمة كي لا يحدث تغير ديموغرافي اقتصادي، وتركّز عقاري كبير، واقتلاع جماعي، وبناء مدن منفصلة طبقيًا، ويتطلب الأمر حماية حقوق المهجرين، نساء ورجالًا، ومنع الاحتكار العقاري، وإنشاء سجل عقاري شفاف، ومراجعة لصفقات البيع الكبرى، والتحقق من الشركات الوهمية، ومنع تركّز الملكية الأجنبية في مناطق حساسة.
وفي الإطار ذاته، يجب التركيز على بناء اقتصاد إنتاج لا اقتصاد عقاري- ريعي، فبالإضافة إلى تمركز التفضيلات الاستثمارية المذكورة أعلاه، يضاف إليها، جاذبية الاستثمار في مراكز التسوق والأبراج والعقارات والخدمات والمناطق الفاخرة، بسبب عوائدها الربحية السريعة، وارتباطها بالمضاربة، وعدم المخاطرة، لكنها، أي هذه المشاريع، تنتج اقتصادًا هشًا، وبطالة إنتاجية، وتفاوتًا طبقيًا، ومدنًا منفصلة عن المجتمع واحتياجاته، كما حصل مع إعادة إعمار وسط بيروت مثلًا، بينما يجب إعطاء الأولوية للزراعة، والصناعة، والبيئة، والنقل، والطاقة النظيفة، والتكنولوجيا، والتصنيع الغذائي، والتعليم التقني.
وعلاوة على ذلك، تكمن أهمية توزيع الإعمار جغرافيًا، دون أن يتركز في بعض المدن أو المراكز التجارية الكبرى، بينما تترك مدن وأطراف فقيرة ومدمرة ومهمشة تنمويًا، تكرس الاحتقان والانقسام وتعيد إنتاج المظالم وتجذر التفاوت الطبقي.
ومن الضروري حماية القطاعات السيادية، كي لا يتم التفريط بها تحت ضغط نقصان السيولة وإعادة الإعمار، ففقدانها يزيد من هشاشة الدولة، ومهما كانت الرغبة في تطويرها أو إصلاحها، فيجب ألا تخرج عن ملكية الدولة، والسيطرة التنظيمية الصارمة ضمن عقود محدودة زمنيًا، تضمن عدم الاحتكار، وتتم بشفافية عالية.
ومن الثابت أيضًا، عدم ربط التمويل بشروط تتعلق بالتموضع الجيوسياسي أو الارتهان، كي لا يكون الاستثمار بوابة لفقدان القرار السيادي، وتكمن الحصانة والقدرة على المناورة في تنويع الشركاء، ومنع احتكار قطاع كامل أو بنية حيوية بدولة واحدة.
وأخيرًا، لا يمكن بدء مرحلة انتقالية وإعادة إعمار دون مشاورات واسعة ومؤتمر وطني تأسيسي، لأن إعادة الإعمار هو مسار مرتبط جوهريًا بجبر الضرر في العدالة الانتقالية.
Related


