عنب بلدي - 5/17/2026 4:01:34 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – ركان الخضر
لم يكن الخامس من حزيران عام 1967 عاديًا كغيره من الأيام بالنسبة لسكان الجولان، الذين شاء القدر أن يقعوا على الحدود السورية- الفلسطينية، حيث لم يمضِ على إعلان قيام “دولة إسرائيل” 20 عامًا حينها.
استفاق الأهالي في ذلك اليوم على عدوان إسرائيلي أسفر عن احتلال قراهم وبلداتهم وتسبب في تهجيرهم من أرضهم، الأمر الذي اضطرهم للرحيل إلى المحافظات المجاورة في درعا ودمشق وريفها.
ورغم آمال بعضهم في أن الرحيل سيكون لفترة وجيزة، فإن ذلك التاريخ مضى عليه أكثر من نصف قرن، دون أن يعود الجولان، وماتت أجيال ممن عايشوا تلك الحقبة، وولدت في المقابل أجيال أخرى من سكان الجولان، لم يعرفوا عنه شيئًا سوى حكايات أهاليهم عن قراهم ومعيشتهم هناك.
ثمانيني يستعيد ذكريات “دير سراس”“نزحت من قريتي في سن الـ16 من عمري، وكنت حينها في الصف التاسع، متوجهًا مع أهلي إلى دمشق نتيجة العدوان الإسرائيلي على الجولان”، يقول عبد الرزاق عودة المرشود.
العجوز الثمانيني، المنحدر من قرية دير سراس في الجولان المحتل، قال لعنب بلدي، إن الجيش الإسرائيلي لم يسمح للأهالي بأن يبقوا في القرية، وتركهم بين خيارين إما المغادرة وإما القتل، الأمر الذي أدى إلى إفراغ البلدة من قاطنيها تحت قوة السلاح.
وأضاف عبد الرزاق أن قريته تشتهر بمعالمها الأثرية، وتقع على كتف وادي دير سراس، ويحدها من الشرق قرية العليقة، ومن الشمال وادي وقرية الدبورة، ومن الغرب قرية جليبينة وجسر بنات يعقوب، ومن الجنوب طريق دمشق فلسطين وقرية نعران التي تعد امتدادًا لقرية دير سراس.
يستذكر عبد الرزاق علاقات الناس بالجولان في تلك الأيام، إذ كان الأهالي يعتمدون على الزراعة، كما أن الحياة الاجتماعية مبنية على الألفة الكبيرة بين الناس في جميع القرى المتجاورة، من خلال المشاركة في الأفراح والأحزان، كما أن الأغنياء يساعدون الفقراء ويمدونهم بالمعونة.
وعن بعض تفاصيل طفولته، قال إنه كان يذهب إلى المدرسة سيرًا على الأقدام، على مسافة حوالي كيلومتر واحد، وإن المشقة باتت أكبر في المرحلة الإعدادية، فقد بات مضطرًا للدراسة في قرية السنابر المجاورة التي تبعد أكثر من خمسة كيلومترات.
مدرسة قرية السنابر الإعدادية كانت المدرسة الوحيدة في منطقته، إذ يستعيد تلك “الأيام الجميلة رغم كل ما تحمله من شقاء ومعاناة”.
رغم مرور سنين طويلة على النزوح، ما زالت ذاكرة عبد الرزاق حية، واصفًا طبيعة الجولان بالجميلة والمتنوعة بين الأودية والسهول والتلال والينابيع، التي تُشبع متطلبات أي إنسان نحو حياة هادئة ومريحة بطبيعة خلابة.
أمل بالعودة رغم مرور السنواتعبد الرزاق عودة المرشود ما زال يقتله الحنين للرجوع إلى قريته، بحسب تعبيره، مشيرًا إلى أنه لم يفقد الأمل في العودة إلى مسقط رأسه رغم مرور هذه السنين الطويلة من الغياب القسري.
وقال إن كبار السن ممن عايشوا تاريخ نزوح أهالي الجولان، لم ينسوا تلك الديار وذكرياتها، ودائمًا ما كانوا يتساءلون عن موعد العودة، دون أن يفقدوا الأمل بذلك، رغم مرور سنوات طويلة على ذلك التاريخ.
وعبّر عبد الرزاق عن أمله بأن يكون ارتباط الأجيال التي أتت بعدهم قوية بأراضي آبائها وأجدادها، معربًا عن أمله بقرب تحرير الجولان والعودة إلى الديار التي تركوها مرغمين.
ارتباط بأرض الآباء والأجدادلا يقتصر الحنين إلى الجولان على من عاش في تلك المنطقة، وغادرها شابًا بعدما نشأ وبنى أحلام طفولته فيها، وهو ما عبر عنه قتيبة العلي، البالغ من العمر 40 عامًا، والمنحدر من قرية وادي السمك.
قتيبة وهو من أبناء عشيرة “الفريج” في الجولان، ويعيش في تجمع “زيزون” للنازحين بمحافظة درعا، قال إنه يواظب على زيارة القنيطرة منذ صغره إلى الآن وبشكل مستمر.
الجولان بالنسبة لقتيبة “يمثل له الكرامة والعزة، فهو الوطن الذي لا يُنسى، ورمز الصمود والتاريخ العريق الذي يفوح بعطر التين والزيتون، كما أن القنيطرة هي النصف الثاني والجميل للجولان”.
وأضاف قتيبة أن الفضول دائمًا ما كان يدفعه لسؤال جده وجدته ووالده عن حياتهم في الجولان، كما كان يستمع إلى كلام كثير من الناس الذين عاشوا في الجولان قبل الاحتلال الإسرائيلي، منوهًا إلى أنه كان يسمع عن جمال وبساطة حياتهم في الجولان، وأنها كانت نموذجًا للحياة الريفية العربية الأصيلة، وتمتاز بالترابط الاجتماعي القوي بين أهلها بالإضافة إلى كرم الضيافة.
حنين وشوق كبير ينتاب قتيبة للعودة إلى الجولان، وهو حنين للوطن الذي ولد فيه أبوه وجده ونشؤوا فيه على العزة والكرامة والأصالة، معبرًا عن “حنين لا ينطفئ بمرور الزمن”.
عبّر قتيبة عن ثقته بأن تحرير الجولان قادم لا محالة، معربًا عن أمله بأن يرى ذلك اليوم بعينيه ويعيشه عائدًا إلى دار أبيه وجده التي لم يرَها يومًا لكنها سكنت وما زالت في عقله ووجدانه منذ نعومة أظفاره.
سياق تاريخي لاحتلال الجولانسقطت هضبة الجولان تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي خلال عدوان 5 من حزيران عام 1967، وتحديدًا بأيامه الأخيرة في 9 و10 من الشهر ذاته.
وتسبب العدوان الإسرائيلي في تهجير الأغلبية الساحقة من سكان 131 قرية و112 مزرعة من مناطق الجولان، ولم يتبقَّ سوى بضعة آلاف.
وتتركز تجمعات نازحي الجولان بشكل رئيس في محافظة ريف دمشق، وتعد الأكبر من حيث عدد سكانها، ويتجلى أبرزها في جديدة عرطوز والكسوة بتجمعيها الشرقي والغربي، وسبينة التي تؤوي نازحي الجولان بالإضافة إلى مخيم “اليرموك” للاجئين الفلسطينيين، والحجر الأسود وقطنا والحسينية.
بينما يعيش أغلبية سكان الجولان المتبقين في مناطقهم بقرى مجدل شمس ومسعدة وبقعاثا وعين قينية والغجر، وينتمون بأغلبيتهم إلى الطائفة الدرزية.
في عام 1981، أصدر “الكنيست” الإسرائيلي قانونًا بضم الجولان، وهو ما رفضه مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، مؤكدين على اعتبار الجولان أرضًا سورية محتلة.
ولم تكتفِ إسرائيل باحتلال الجولان، فقد وسعت انتشارها عقب سقوط نظام الأسد في 8 من كانون الأول 2024، من خلال التوغل في المنطقة العازلة بين الأراضي السورية والجولان المحتل، وأقام الجيش الإسرائيلي عدة قواعد تمركز لقواته في هذه المنطقة.
وما زالت القوات الإسرائيلية إلى هذا اليوم تقوم بأعمال توغل يومية وحملات تفتيش واعتقال لبعض شبان المنطقة، بالإضافة إلى إقامة حواجز أدت إلى تقطيع أوصال القرى وقطع طرق التواصل بين البلدات المتجاورة في القنيطرة، الأمر الذي أسهم في تعقيد حياة الناس والتضييق عليهم.
طبيعة المنطقة وأبرز مميزاتهاتبلغ مساحة القنيطرة بما فيها الجولان المحتل 1860 كيلومترًا مربعًا، وتتدرج في الارتفاع من حوالي 300 متر جنوبًا إلى 2224 مترًا عند أقصى نقطة شمالية شرقية له على سفوح جبل الشيخ.
وتعتبر الجولان من أغنى مناطق سوريا بالمياه، وتضم ينابيع عديدة وتغذي نهر الأردن والحاصباني، بالإضافة إلى وجود بحيرات اصطناعية للري.
وتتمتع بمناخ متوسطي يتميز ببرودة الشتاء واعتدال الصيف، وتشتهر بوجود تلال بركانية مثل تل شيخان وأبو الندى ووديان سحيقة مثل وادي الرقاد.
Related
إقرأ المزيد


