مهارات الإدارة والاحتواء.. عندما تعصف الخلافات الزوجية بالبيوت
عنب بلدي -

عنب بلدي – شعبان شاميه

في كل علاقة زوجية مساحة من التفاهم، ومساحة أخرى من الاختلاف الذي لا يعني خللًا مباشرًا، بل يعكس طبيعة إنسانية تجمع بين شخصين لكل منهما خلفية وتجارب واحتياجات مختلفة.

الخلاف في حد ذاته ليس دليلًا على ضعف العلاقة، بل هو جزء طبيعي من أي تفاعل إنساني مستمر، بحسب ما قالته الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، باعتبار أن وجود رأيين مختلفين يعني أن كلا الطرفين حاضر بشخصيته واحتياجاته.

المشكلة لا تكمن في حدوث الخلاف، بحسب العرنوس، بل في طريقة إدارته، مشيرة إلى أن الخلاف عندما يتحول إلى أسلوب جارح أو متكرر دون حلول، هنا يبدأ التأثير السلبي.

ولفتت الاستشارية إلى أن العلاقة الصحية ليست التي تخلو من الخلاف، بل التي تحتويه وتديره بوعي واحترام.

مشاعر مكبوتة وراء الخلافات الظاهرية

في كثير من الحالات لا يكون سبب تكرار الخلاف بين الزوجين الموضوع الظاهر، قالت العرنوس، بل ما يقف خلفه من مشاعر غير معبّر عنها.

وأضافت أن الخلاف قد يبدو حول أمور بسيطة مثل تنظيم الوقت أو المصروف، لكنه في العمق يرتبط بالشعور بعدم التقدير أو غياب الاهتمام.

كما أن اختلاف التوقعات بين الزوجين يلعب دورًا كبيرًا، وفق الاستشارية، خاصة إذا لم يتم التعبير عنها بوضوح منذ البداية، إضافة إلى أن الضغوط اليومية والتعب النفسي يزيدان من التوتر ويجعلان ردود الفعل أكثر حدة من المعتاد.

عندما تتكرر الخلافات دون حل حقيقي، يتراكم ما يسمى بـ”الاحتقان العاطفي”، بحسب العرنوس، إذ يبدأ كل طرف في الاحتفاظ بمشاعر سلبية غير معبّر عنها، ومع الوقت تتحول هذه المشاعر إلى مسافة نفسية بين الزوجين.

وتابعت أن التواصل قد يستمر في الأمور اليومية، لكن الرابط العاطفي يضعف تدريجيًا، ما يهدد الاستقرار الحقيقي، لأن العلاقة تصبح شكلية أكثر من أن تكون عاطفية.

مؤشرات خطيرة

الخطر لا يرتبط بعدد الخلافات بل بنوعها وأسلوبها، وفقًا للاستشارية، عندما يدخل الزوجان في نمط متكرر من النقد المستمر أو التقليل من قيمة الآخر، أو عندما يظهر الاحتقار بشكل مباشر أو غير مباشر، فإن العلاقة تبدأ بفقدان أساسها.

كما حذرت العرنوس من الصمت الطويل بهدف العقاب كونه يخلق فجوة يصعب تجاوزها، مبينة أن الأخطر هو غياب محاولات الإصلاح بعد الخلاف، إذ تبقى المشاعر السلبية دون معالجة.

دور التواصل في تقليل حدة الخلافات

ترى العرنوس أن التواصل هو العمود الفقري للعلاقة الزوجية، لكنه لا يقتصر على الكلام فقط، بل يشمل القدرة على التعبير عن المشاعر بوضوح دون اتهام، والاستماع بتركيز دون دفاع.

وقالت إن كثيرًا من الأزواج يستمعون بهدف الرد وليس الفهم، وهذا ما يزيد من سوء التفاهم، موضحة أن التواصل الفعال يساعد على كشف الاحتياجات الحقيقية خلف الكلمات، ويجعل الخلاف فرصة للفهم بدلًا من أن يكون ساحة صراع.

استراتيجيات إدارة الخلاف الزوجي

إدارة الخلاف، وفقًا للاستشارية النفسية الأسرية، يبدأ بالتحكم في الانفعال قبل الدخول في النقاش، معتبرة أن من المهم اختيار الوقت المناسب للحوار، وتجنب النقاش في لحظات الغضب الشديد.

ونصحت العرنوس بالتركيز على المشكلة نفسها دون تحويلها إلى هجوم شخصي، إذ إن استخدام عبارات تعبّر عن الشعور الشخصي مثل “أنا أشعر” بدلًا من توجيه اللوم يساعد على تهدئة الحوار، فالهدف من النقاش ليس الفوز بل الوصول إلى حل يحافظ على العلاقة.

وترى الاستشارية أن الصمت قد يكون مفيدًا في لحظات معينة إذا كان الهدف منه تهدئة النفس قبل استكمال الحوار، مؤكدة أنه يصبح ضارًا عندما يتحول إلى وسيلة للهروب أو العقاب.

وأشارت العرنوس إلى أن الانسحاب المستمر يترك الطرف الآخر في حالة من الارتباك ويزيد من الشعور بالرفض، داعية إلى التوازن بين أخذ مساحة للهدوء والعودة لاحقًا للنقاش بشكل واضح وناضج.

تأثير الخلافات الزوجية على الأبناء

يتأثر الأبناء إلى حد كبير بالمناخ العاطفي داخل المنزل، بحسب العرنوس، موضحة أن وجود الخلاف ليس هو ما يؤثر عليهم بشكل مباشر، بل الطريقة التي يتم التعامل بها معه.

وتخلق الخلافات التي تتسم بالصراخ أو التهديد شعورًا بعدم الأمان لدى الطفل. في المقابل، عندما يرى الطفل والديه يحلّان خلافاتهما بهدوء واحترام، فإنه يتعلم مهارات مهمة في التعامل مع الآخرين.

متى يصبح تدخل المختص ضرورة؟

يصبح اللجوء إلى مختص مهمًا، بحسب الاستشارية، عندما تتكرر نفس المشكلات دون تقدّم، أو عندما يشعر أحد الطرفين بأنه غير قادر على التعبير أو الفهم، إضافة إلى حالات التوتر المستمر أو الشعور بالاستنزاف النفسي، إذ يساعد وجود طرف محايد متخصص على رؤية الأمور بوضوح، وإتقان مهارات جديدة للتعامل مع الخلافات.

وختمت الاستشارية النفسية الأسرية حديثها لعنب بلدي، بالتأكيد على أن العلاقات لا تُبنى على غياب المشكلات، بل بالقدرة على إصلاحها وتخطّيها، مشددة على أن أهم المهارات التي يحتاج إليها الزوجان هي القدرة على العودة لبعضهما بعد الخلاف، والاعتذار الصادق، ومحاولة الفهم العميق لإعادة بناء الثقة.

Related



إقرأ المزيد