شكّل مسلسل “المقعد الأخير” واحدًا من الأعمال السورية الاجتماعية التي لفتت الانتباه خلال عرضه في الموسم الرمضاني الماضي، لموضوعه الشبابي والإنساني، وغوصه في التناقضات الاجتماعية داخل المجتمع السوري.
جاء العمل ضمن قالب درامي اجتماعي من 15 حلقة، من إخراج حسام سلامة، وتأليف لؤي النوري، وبطولة كل من يارا صبري وجهاد عبده وأسيمة يوسف وماسة الجمال ورنا جمول.
المدرسة بوصفها مرآة للمجتمعينطلق المسلسل من بيئة مدرسية، لكنه لا يكتفي بسرد قصة تعليمية تقليدية، بل يحول المدرسة إلى مساحة مكثفة لصراعات المجتمع السوري والعربي المعاصر.
تدور الأحداث حول الفتاة “يارا” (ماسة الجمال)، الطالبة المتفوقة القادمة من بيئة متواضعة، والتي تحصل على منحة دراسية في مدرسة للنخبة، لتجد نفسها في مواجهة قاسية مع التفاوت الطبقي والتنمر والتمييز الاجتماعي.
تكشف الحلقات الأولى عن حياة “يارا” الصعبة، فهي تعمل مع والدتها في مطعم متواضع، وتعتني بوالدها “جميل” الذي يعاني المرض، بينما تواجه ضغوطًا اجتماعية ونفسية متزايدة بسبب اختلافها الطبقي عن زملائها.
لاحقًا، تتصاعد الأحداث لتتناول قضايا الميراث والاستغلال العائلي، كما يحدث عندما تستولي عائلة والدها على حقوقه في المنزل والسيارة، في مشهد يعكس هشاشة الطبقة الفقيرة أمام السلطة العائلية والاقتصادية.
قضايا اجتماعية ثقيلة بلغة شبابيةما يميز “المقعد الأخير” محاولته الاقتراب من الجيل الجديد عبر موضوعات تمس حياتهم اليومية مباشرة.
العمل يناقش الفوارق الطبقية داخل المدارس والمؤسسات التعليمية، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي على المراهقين، والتنمر والإقصاء الاجتماعي، كذلك كفاح المرأة عبر مراحل عمرية مختلفة، بالإضافة إلى تفكك الأسرة وضغط الظروف الاقتصادية وأزمة الهوية لدى الجيل الجديد.
وباعتبار أن المسلسل ينتمي إلى الدراما الشبابية، فإنه حاول الابتعاد عن السطحية المعتادة في هذا النوع، عبر دمج البعد الإنساني بالقضايا الواقعية، خصوصًا ما يتعلق بالمرأة والتعليم والهوية الطبقية.
يمكن اعتبار “المقعد الأخير” محاولة لإعادة الدراما السورية إلى فضائها الاجتماعي الواقعي، بعد سنوات طغت فيها الأعمال البيئة الشامية، فالعمل يقترب من هموم الناس اليومية، ويعتمد على شخصيات يمكن للمشاهد التعاطف معها بسهولة.
ورغم أن بعض الخطوط الدرامية تبدو مألوفة، مثل قصة الفتاة الفقيرة التي تتحدى المجتمع، فإن قوة العمل تكمن في تفاصيله الإنسانية وأداء ممثليه، خاصة اللقاء الفني بين يارا صبري وجهاد عبدو، الذي منح المسلسل ثقلًا عاطفيًا وحنينًا لدى جمهور الدراما السورية.
البنية الدرامية والإخراجاعتمد الإخراج على مزج جيلين من الممثلين، بحيث يحمل الكبار ثقل التجربة، بينما يقدم الشباب الطاقة والانفعال القريب من طبيعة الحكاية.
حلقات المسلسل قصيرة نسبيًا، بمدة تقارب 30 دقيقة للحلقة الواحدة، ما ساعد على إيقاع أسرع مقارنة بالدراما السورية التقليدية.
وركز الإخراج على فضاءات المدارس والأحياء الشعبية، في محاولة لتقديم صورة بصرية تعكس التناقض بين عالمي الفقر والثراء.
أما السرد فيميل إلى التصاعد التدريجي للأزمات، بحيث تتحول كل مشكلة اجتماعية إلى اختبار نفسي للشخصيات، خصوصًا شخصية “يارا” التي تصبح رمزًا للمقاومة الاجتماعية والطموح الشخصي.
Related


