في رواية “الرواية المستحيلة- فسيفساء دمشقية” للكاتبة السورية غادة السمان، تتقدم الحكاية عبر سيرة بطلتها، “زين الخيال”، التي تنشأ في دمشق داخل بيئة عائلية يهيمن عليها حضور الأب بوصفه رمزًا للسلطة الصارمة، بعد غياب الأم المبكر، ما يضعها منذ طفولتها في مواجهة مباشرة مع منظومة من القيود الاجتماعية والعائلية.
تتوزع الرواية على مراحل حياة البطلة، حيث تتشكل هويتها تدريجيًا وسط صراع مستمر بين الرغبة الفردية وما يفرضه المجتمع من أدوار للمرأة، خصوصًا ما يتعلق بحدود حريتها، ومع انتقالها بين الأمكنة، تتراكم التجربة العاطفية والإنسانية.
ويحضر في النص عدد من الشخصيات التي تؤثر في مسار البطلة “زين”، خاصة سلطة الأب داخل البيت، حيث تقدم هذه الشخصيات كامتدادات لبنية اجتماعية أوسع تتحكم في خياراتها وتعيد تشكيل وعيها، فشخصية “أمجد الخيال” تمثل سلطة العائلة والرقابة.
وتلعب دمشق في الرواية دورًا يتجاوز كونها مكانًا للأحداث، لتتحول إلى عنصر في تشكيل وعي “زين”، إذ تظهر كمدينة تعيد إنتاج السلطة الاجتماعية داخل تفاصيل الحياة اليومية، من البيت إلى الشارع والعلاقات، فهي بنية ضاغطة تعكس القيود العائلية والمجتمعية، وتسهم في تعميق صراع زين بين رغبتها في التحرر وما يفرضه الواقع من أعراف صارمة.
فدمشق تمارس ضغطها عبر العائلة والعادات واللغة، وتتحول إلى مراقبة دائمة تعيد صياغة السلوك الفردي وتحد من إمكانيات التمرد، ومع ذلك، تواجه “زين” هذا النظام، ما يضعها في صراع مستمر بين الانتماء والرفض.
ومع تنقل “زين” بين مراحل حياتها، تبقى المدينة حاضرة كذاكرة ثقيلة ترافقها، وتعيد تذكيرها بجذور التشكل الأول للهوية والتمرد.
تعتمد الرواية على التنقل بين الذاكرة والطفولة والمراحل اللاحقة من حياة “زين”، ما يمنح النص طابعًا فسيفسائيًا يعكس تشظي التجربة الإنسانية نفسها، ويجعل من دمشق مكانًا يشكل الوعي ويحتفظ بطبقات من القمع والحنين والتحول.
بهذا البناء، تقدم الرواية سيرة أنثوية تتقاطع فيها الذات مع المكان والسلطة والعلاقات، ضمن محاولة لقراءة تشكل الهوية في مدينة محكومة بتوازنات اجتماعية صارمة.
مَن غادة السمان؟ولدت غادة أحمد السمان عام 1942 في دمشق لأسرة دمشقية، وتعد من أبرز الأسماء في السرد العربي الحديث، حيث قدمت منذ بداياتها في ستينيات القرن الماضي مشروعًا أدبيًا اتسم بالتمرد على القوالب التقليدية للكتابة، متجاوزًا حصر الأدب في قضايا المرأة إلى قطاعات أوسع تتقاطع فيها الذات مع السياسة والمدينة والاغتراب.
بدأت حضورها الأدبي مع مجموعتها القصصية الأولى “عيناك قدري” عام 1962، لتتبعها لاحقًا مجموعة من الأعمال القصصية، من بينها “لا بحر في بيروت” و”ليل الغرباء” و”رحيل المرافئ” و”زمن الحب الآخر” و”القمر المربع”، تناولت فيها قضايا الاغتراب والعلاقات الإنسانية المضطربة، والمدينة كفضاء ضاغط على الفرد.
وفي موازاة ذلك، خاضت السمان تجربة الرواية عبر أعمال بارزة، من بينها “كوابيس بيروت” و”ليلة المليار” و”الرواية المستحيلة- فسيفساء دمشقية” و”سهرة تنكرية للموتى”.
Related


