عنب بلدي – آلاء شعبو
لم يطلب “أبو بكر البطرني” شيئًا قبل موته سوى أن يُدفن قرب بحر اللاذقية.
القائد البحري المملوكي، الذي خدم في أسطول الظاهر بيبرس وخاض معارك المتوسط، وحرر اللاذقية من الغزاة، توفي في الإسكندرية عام 1277 م، بعيدًا عن المدينة التي أحبها، لكن الرواية التي يوثقها محمد يوسف ساعي، المهتم بالتراث الثقافي والشفهي لمدينة اللاذقية، تقول إن الرجل لم يغادر البحر حتى في موته، إذ أوصى بأن يُعاد جثمانه إلى الساحل الذي أحبه أكثر من أي ساحة حرب خاضها.
عبرت السفينة المتوسط بهدوء مختلف عن صخب المعارك، حاملة جثمانه نحو اللاذقية، ودُفن قرب الشاطئ، في موقع عُرف لاحقًا باسم حديقة “البطرني”.
مكان تغير حوله كل شيء وبقي هوالباحث في التراث المادي حيدر نعيسة، قال لعنب بلدي، إن اللاذقية تبدلت حول هذا القبر. البحر الذي كان قريبًا من الضريح تراجع خلف المرفأ، والبساتين التي كانت تحيط بالساحل اختفت تدريجيًا مع تمدد المدينة، ولم يعد المشهد الساحلي كما كان في الصور الأولى للمنطقة.
وأضاف نعيسة أن حديقة “البطرني” كانت تضم سابقًا مقاهي بحرية صغيرة مثل “مقهى أبو كف” و”مقهى الصخرة”، كانت تطل مباشرة على البحر قبل أن تتغير الواجهة الساحلية.
حتى الطريق الممتد نحو البحر كان يحمل هوية مختلفة، شارع “فرنسا”، الذي يُعرف اليوم باسم شارع “المالكي” و”جبرائيل سعادة”، شكّل أحد أهم المحاور التي ربطت القلعة والأسواق القديمة بالمرفأ، وعند نهايته، كانت المدينة القديمة تنفتح مباشرة على البحر، أما الآن فتحولت الحديقة إلى ساحة نابضة بالحياة عبر الفعاليات والمهرجانات، مثل معرض الزهور وأسواق الخير، وفق نعيسة.
رزق يومي مرتبط بحركة الحديقةعلى أطراف حديقة “البطرني”، تنتشر أكشاك صغيرة تشكّل مصدر دخل لعشرات العائلات التي تعتمد على حركة الزوار داخل الحديقة، ومنهم سامر (40 عامًا)، صاحب “كولبة” صغيرة عند طرف الحديقة، ورثها عن والده الذي عمل فيها أكثر من عشر سنوات قبل وفاته.
قال سامر لعنب بلدي، إن العمل لا يقوم على موسم ثابت، بل يعتمد على حركة الناس داخل المكان.
أولى الذكريات تبدأ من هناخلال جولة لعنب بلدي في حديقة “البطرني”، كان واضحًا أن المكان يعيش في ذاكرة الناس كجزء من تفاصيلهم الشخصية الأولى.
سؤال طُرح على عدد من كبار السن الجالسين في الحديقة عن ذكرياتهم الأولى، وبينهم “أبو علي” (50 عامًا)، الذي عاد بذاكرته إلى وقت كان فيه بعمر سبع سنوات، حين كان ينزل إلى الشاطئ القريب لصيد السمك، قبل إنشاء المرفأ بالشكل الذي تبدو عليه المنطقة اليوم.
قال “أبو علي”، إن البحر كان أقرب، وإن شكل المكان تغيّر كثيرًا مع السنوات، لكن الحديقة بقيت بالنسبة له مرتبطة بتلك المرحلة المبكرة من حياته.
أما “أم وليد” (52 عامًا)، فتقول إنها لا تزال تقصد الحديقة بشكل شبه يومي لأنها هادئة وبعيدة عن الضجيج، موضحة أنها تمر بها بعد انتهاء بعض المعاملات القريبة قبل العودة إلى منزلها.
وترى أن “البطرني” بقي مكانًا يقصده الأهالي والسياح، وحتى بعض الباحثين الذين يزورون المنطقة بدافع الاهتمام بتاريخها.
وفي زاوية قريبة من الأشجار المطلة على المرفأ، قال “أبو محمد” (65 عامًا) الذي لم يمضِ على عودته إلى اللاذقية سوى أيام قليلة بعد زيارته إلى ابنه في ألمانيا، إن أول مكان خطر له بعد عودته كان حديقة “البطرني”.
بالنسبة إليه، بقيت الحديقة واحدة من أكثر الأماكن ارتباطًا بذاكرة المدينة، ومتنفسًا اعتاد استقبال الزوار من داخل اللاذقية وخارجها منذ سنوات طويلة.
أشجار تتجاوز المئة عامأكثر ما يلفت النظر في حديقة “البطرني”، أشجارها الضخمة التي يتجاوز عمر بعضها مئة عام، والتي تحولت مع الوقت إلى جزء ثابت من ذاكرة المكان، تحت ظلالها جلس العشاق والأصدقاء والعائلات لعقود طويلة، وتناقلت المقاعد القريبة منها أسرارًا وحكايات صغيرة تخص أبناء المدينة وحدهم.
هذه الأشجار التي شهدت أولى قصص الحب ولقاءات أهالي اللاذقية اليومية، تقف اليوم فوق المكان الذي ارتبط باسم قائد مملوكي أحب المدينة إلى حد أن يعود إليها بعد موته، وكأن علاقة البطرني باللاذقية لم تتوقف يومًا عند حكاية قبر قديم، بل استمرت داخل حياة الناس نفسها.
Related


