خطيب بدلة
خُيّل إليّ، ذات يوم، أن لدى البعثيين، والقوميين عمومًا، والجماعات الإخوانجية، والرفاق الشيوعيين، “فابريكات” شغالة، ومزيتة، ومبرمجة على صنع الشعارات، وإلقائها على آذان الناس، لا يحتاج الأمر سوى تلقيمها بالخطابات، والصياح، مع كمية لا يستهان بها من العلاك.. والأمر يحتاج، أحيانًا، إلى فرازة، لتعرف أي الشعارات بعثي، وأيها شيوعي، وأيها إخوانجي، ولكن تركها، مختلطة، برأيي، أحسن، وربما كانت أقل ضررًا، فتسمع بين المثقفين عبارات مثل: الكلمة مسؤولية، أو مسؤولية الكلمة، والكلمة الرصاصة، والساكت عن الحق شيطان أخرس، وإذا لم تكن قادرًا على نصرة الحق، فلا تصفق للباطل!
كان التعبير عن الرأي، في غابر الأيام، حكرًا على الصحفيين الموظفين في الجرائد، أو الإعلاميين الموظفين في التلفزيون الحكومي، ولم نكن نقرأ، أو نسمع، أو نشاهد سوى خطابات فريق السلطة، والقيادة “الحكيمة”، وجوقة الطبالين، ولكن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، مع مطلع القرن الحادي والعشرين، فتح الباب على مصراعيه للناس أجمعين، وهذا، مبدئيًا، أمر حسن، ولكنه يزمغ، ويصرع، سيما وقد أصبح التعاطي مع هذه الوسائل مجانيًا، فأغرى الكثير من الأشخاص الذين تربوا، وشبوا، وترعرعوا على الشعارات، والخطابات، للتحدث في السياسة، وأصبح الجميع شبيهين بخبز الشعير، الذي يعد نفسه من “النعمة”، وهؤلاء راحوا يضيقون الخناق على الصحفي، أو الأديب، أو السياسي الذي يخاطب الرأي العام، ويحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه وسط هذا الخراب الكبير، يوبخونه إذا قال شيئًا يتناقض مع شعاراتهم، أو يشتمونه، وبعضهم يبدو أقل شراسة، يطلبون منه أن يقول الشيء الذي يناسب تفكيرهم.. ومن تجربتي الشخصية، أن أحد الأشخاص سألني: لماذا لا تتحدث، في منشوراتك عن معاناة الإخوة الفلسطينيين، وعن الخونة والعملاء العرب، الذين يساعدون الصهاينة المجرمين على اضطهادهم؟ يا أخي اكتب عن قتل الأطفال، وتشريد الناس، وتهديم البيوت في الجنوب. ولماذا لا توضح لمتابعيك الدور العظيم الذي قامت به دولة إيران المسلمة في مواجهة الخطر الصهيوني على أمتنا وشعبنا؟
هذا النوع من التعليقات يذكرني بطقوس شهر رمضان، في الأيام الغابرة، عندما كان الناس في بلدتي الصغيرة، وفي كل البلدان السورية تقريبًا، “يتساكبون”، يعني: يرسل لك جارك صحنًا من طبخته، يسمونه السكبة، وهذه السكبة لا تحتاج إلى أي جهد منك، احمل ملعقتك وباشر بها بلعًا.. وكنت أرد، على مثل هذا التعليق الجاهز، بالقول: لماذا لا تنشر أنت هذا الكلام؟ ما هي الحكمة في أن آخذ أنا عبارتك، سكبتك، وأقدمها لقرائي؟ ألا يعتبر هذا سرقة أو اختلاسًا؟
في مقابل ما ذكرته، أعلاه، عن الخطابات، والشعارات، والخلاصات التي كانت تكتب على أقفية ورق الروزنامة، هناك شيء اسمه “التجرد”، يعني أن تفكر على نحو حر، وصادق، ومتحرر من سيطرة المحفوظات، وأن تنظر إلى الماضي بعقلية اليوم، لا أن تنظر إلى الحاضر والمستقبل بعقلية الماضي، ومقاييس الماضي، فقد أوصلتنا الخطابات والمحفوظات إلى هذا القعر العميق، عسى ولعل أن يُخرجنا التفكير الحر “المتجرد” ولو بضعة سنتمترات إلى الأعلى.. هذا أمر صعب، وشاق، ولكن لا بديل عنه.
Related


