عنب بلدي - 5/18/2026 8:31:14 AM - GMT (+2 )
تدفق السوريون إلى بلادهم من تركيا عقب الأيام الأولى من سقوط النظام السوري السابق، مصطحبين معهم أثاثهم وسنوات من التهجير واللجوء، على أمل الاستقرار في بلدهم الأم، إلا أن أثاثهم بات عرضة للتكسير على يد عمال النقل والكشافة في منفذ “باب الهوى” الحدودي، على الحدود السورية التركية.
عند وصول الأثاث الخاص بالسوريين العائدين طوعًا من تركيا، تبدأ جملة من التعقيدات، بحسب سائقي شاحنات التقتهم عنب بلدي، من تفتيش “مبالغ فيه” يتضمن نزع الأغلفة وتمزيق الكراتين، وحتى نقلها من الشاحنات التركية الكبيرة، إلى شاحنات سورية أصغر، طريقة عشوائية، ما يؤدي إلى ضررها وتلف بعضها.
التعقيدات لحظة الوصول إلى المنفذماهر العمر، سائق شاحنة ضمن شركة سورية- تركية، تعمل على نقل أثاث السوريين العائدين من تركيا بشكل طوعي، أوضح أن التعقيدات تبدأ في لحظة دخول الشاحنة إلى الجانب السوري.
هذه التعقيدات تطال سائقي الشاحنات وشركات الشحن والعائلات أيضًا، حيث يتم تحميلهم كامل المسؤولية عن محتويات الشحنة، مع تهديدات بغرامات تصل إلى 30 ألف دولار، فضلًا عن التأخير في تسليمهم أغراضهم.
وعند إفراغ الأغراض والأثاث، تأخذ إدارة المنفذ ضرائب جمركية على كل ما هو جديد، أو يبدو عليه ذلك، أو يتم فرض الجمارك على كامل السيارة.
كما أشار إلى تأخير العائلات في المنفذ لمدة تصل إلى 24 ساعة.
وبحسب شهادات تلقتها عنب بلدي من سائقي شاحنات، فإن العائلات تتعرض لتأخير وصفوه بالمتعمد، يصل إلى ساعات طويلة، دون وجود مرافق أو بنية تحتية تساعد على بقائهم هذه المدة الطويلة.
“مصطفى”، وهو اسم وهمي لصاحب شركة شحن في اسطنبول، فضل عدم ذكر اسمه تجنبًا للاصطدام مع العاملين في المنفذ، روى لعنب بلدي أن إحدى الشاحنات بقيت على المنفذ أكثر من ستة أيام، بسبب تسجيل إحدى الشحنات باسم شخص متوفي.
وأوضح “مصطفى” أن أحد السوريين توفي مؤخرًا ونزلت عائلته بشكل طوعي إلى سوريا، ليتكفل جيرانهم بإرسال الأثاث عقب عودتهم.
وعند وصول الشحنة إلى المنفذ، طلب أحد الإداريين حضور العائلات أصحاب الشحنة، من بينهم الشخص المتوفى، وبالرغم من أن الشركة أوضحت لهم تعذر حضور حتى زوجته التي هي في “العدة” فإن هذا الإداري بقي مصرًا على وجوده، بحسب “مصطفى”.
وعند تبدل الإداري، طالب البديل عنه حضور أحد أقاربه، بحيث يكون بنفس الكنية، إلا أنه ماطل في تسليمها، ولم يسلم الشحنة، رغم الوعود بالتسليم، حتى عاد ملف الشحنة إلى الإداري الأول، الذي أصر على حضور المتوفى.
أكد “مصطفى” أن الكثير من الشحنات تبقى لعدة أيام في المنفذ بسبب تعذر جمع العائلات، أو لإجراءات روتينية وصفها بالمعقدة.
عدة عائلات لتقاسم المصاريفالسائق ماهر العمر، الذي يعمل في شركة مرخصة في تركيا وتعمل على ترخيص عملها في سوريا، قال إن معظم العائلات التي ترسل أثاثها من تركيا، هم من غير القادرين على شراء أثاث جديد في سوريا، لذلك يلجأون إلى إرسال أثاثهم القديم.
في حين أن ذوي الحالة المالية الجيدة يبيعون أثاثهم في تركيا ويشترون أثاثًا جديدًا في سوريا.
أما من يشحن أثاثه عن طريق سيارات الشحن الكبيرة، فهم الذين لا يستطيعون إرسالها عبر سيارات شحن خاصة، نظرًا لارتفاع تكلفتها.
وفي حين أن تكلفة إرسال الأثاث في شاحنات كبيرة مشتركة، ما بين 400 إلى 500 دولار أمريكي، بحسب كمية الأثاث، تبلغ تكلفة إرسالها عبر سيارات خاصة نحو 1200 دولار، وفق العمر.
ولذلك، تشترك ثلاثة إلى أربعة عائلات على سيارة واحدة لإرسال أثاثهم إلى سوريا، وهنا تكمن الصعوبة، بحسب ما أشار إليه العمر، حيث يصعب جمعهم في وقت واحد لاستلام أغراضهم وأثاثهم.
وبحسب ما رصدته عنب بلدي، فإن تكلفة إرسال الأثاث من مدينة اسطنبول التركية إلى مدينة حلب عبر سيارة شاحنة كبيرة “تر” تصل كلفتها إلى أكثر من 2000 دولار أحيانًا.
ويرسل الكثير من الأهالي العائدين طوعًا إلى سوريا أثاثهم ثم يبقون فترة لإكمال إجراءات إغلاق عدادت الكهرباء والماء، أو العكس، حيث يتم تكليف أقاربهم أو جيرانهم بإرسال العفش عقب عودتهم.
شكاوى من سوء المعاملة.. شبهة الرشوة حاضرةلا تقتصر معاناة العاملين في الشحن على الإجراءات، حيث اشتكى سائقو شاحنات قابلتهم عنب بلدي من سوء معاملة العاملين في المنفذ، واتهموهم بافتعال العراقيل لدفعهم إلى الرشوة.
وبحسب “مصطفى” فإن هذه الرشوة تصل إلى 700 دولار، لقاء عدم التدقيق في التفتيش.
هذا التدقيق يؤدي إلى تلف الأثاث، بسبب تعامل “الكشافة” (المفتشون) وعمال نقل البضائع إلى الشاحنات السورية.
وتتسم معاملة العاملين في المنفذ بالخشونة مع الأثاث، من تمزيق للأكياس والكراتين وخلطها، ما يجعلها أيضًا عرضة للضياع والفقدان، أو خلطها بين أصحابها، وفق السائق، العمر.
العمال الذين ينقلون الأثاث من السيارات التركية إلى السورية ليس لديهم رحمة وشفقة، حيث يرمون الأثاث إلى السيارات دون مراعاة لها، فضلًا عن رمي البضائع التي تحتوي على زجاج، ووضعها أسفل البضاعة، ما يؤدي إلى تلفها.
ماهر العمر
سائق شاحنة
أحمد، سائق شاحنة يعمل أيضًا على نقل أثاث السوريين العائدين من تركيا، أكد أن العمال والكشافين يفتحون الكراتين ويفرغون كامل محتواها بغرض التفتيش.
وفي حين كانوا يسمحون سابقًا بإعادة تغليف الأثاث، لا يسمح لهم الآن بالاقتراب من السيارات حتى خروجها من المنفذ.
أحمد، أكد أن سائقي الشاحنات في سوريا يتعرضون لمضايقات في منفذ “باب الهوى” مطالبًا الجهات المعنية بالتدخل لحل هذا الملف، لأنه بازدياد متصاعد.
وعند مواجهة المسؤولين في ساحة “باب الهوى”، يواجه السائقون بالتهديد بإنهاء التكليف وحرمانهم من دخول المنفذ، وفق السائق أحمد.
وتظهر مقاطع مصورة أرسلها سائقو الشاحنات الذين التقتهم عنب بلدي، أثاثًا مرميًا بطريقة عشوائية داخل السيارات، بعد فتحها للتفتيش وتركها مفتوحة.
كم أظهر تسجيل آخر، أثاثًا يعود إلى سوريين ترك على الأرض بسبب تأخر التسليم، ما عرضه للتكسير.
شاحنات الـ”تر” ممنوعة من الجانب السوريتوظف إدارة منفذ “باب الهوى” عمالًا لنقل البضائع والأثاث من الشاحنات التركية إلى السورية، إذ لا يسمح للسائقين الأتراك بالدخول بشاحناتهم إلى سوريا.
لذلك، ترسل شركات الشحن البضائع والأثاث مع سائقين أتراك إلى الحدود، ثم تنقلهم إلى سيارات سورية، لاستكمال نقلها إلى الداخل السوري.
سابقًا، كانت تسمح إدارة منفذ “باب الهوى” للسيارات الشاحنة الكبيرة من نوع “تر” للدخول إلى ساحة المنفذ، لاستلام الأثاث، إلى أنها منعتهم مؤخرًا، وسمحت فقط بدخول الشاحنات الصغيرة من نوع “أنتر” بحسب ما علمته عنب بلدي من السائقين الذين التقتهم.
وحرم السائق أحمد، الذي يعيل عائلتين، من دخول المنفذ بسبب هذا القرار.
هذا الإجراء فرض تكاليف أعلى على أصحاب شركات الشحن، حيث تبلغ كلفة نقل سيارة “انتر” نحو 100 دولار إلى محافظة حلب مثلًا.
وتحتاج سيارة شاحنة واحدة إلى خمسة سيارات من نوع “أنتر” لتفريغها، بحسب العمر.
المطالبة بالتعامل بجدية مع الشكاوىتواصلت عنب بلدي مع إدارة منفذ باب الهوى الحدودي لإطلاعهم على هذه الشكاوى التي تضمنت ست نقاط، والاستفسار منهم عن أسبابها إلا أنها أحالت الإجابة إلى المكتب الإعلامي للهيئة العامة للمنافذ والجمارك.
بدورها أرسلت الأسئلة إلى المكتب الإعلامي للهيئة ومسؤول العلاقات فيها، مازن علوش، إلا أنها لم تتلقّ إجابة حتى لحظة تحرير هذا التقرير.
طالب أصحاب شركات شحن تعمل في مدينتي اسطنبول وبورصة، بحسب بيان تلقت عنب بلدي نسخة منه، إدارة منفذ “باب الهوى” التعامل مع هذه الشكوى بجدية، لما لها من أثر مباشر على “كرامة المواطنين وثقتهم بالمؤسسات” وفق تعبيرهم.
وأوضح العاملون في الشركات، وفق البيان، طريقة تعامل وصفوها بـ”غير لائقة” من قبل بعض موظفي منفذ باب الهوى، حيث يتسم أسلوبهم بـ”الشدة والتعجرف” تجاه المهجرين العائدين إلى سوريا، مع وجود ازدواجية وانتقائية واضحة في المعاملة.
وأشاروا إلى أن هناك من تُيسّر له أموره بسهولة، بينما يُعامل آخرون من عامة الناس وكأنهم موضع شبهة أو تقصير، وقالوا إنه أمر أصبح ملموسًا ومشهودًا من قبل عدد كبير من العائدين.
وتتمثل شكاوى الشركات وسائقي الشاحنات في الطرف السوري بعددة نقاط تمثلت بـ:
- وجود تأخير متعمد في تفريغ الشحنات، ما يؤدي إلى بقاء سائقي الشاحنات لأيام طويلة في ظروف قاسية، دون توفر الحد الأدنى من الخدمات.
- إجبار السائقين، بعد سجالات طويلة، على إحضار أصحاب الأثاث إلى الطرف السوري، رغم الظروف التي تمنع الكثيرين من الحضور.
- إجبار أصحاب الأثاث على الحضور الشخصي وتعريضهم للإذلال والانتظار الطويل، وهو أمر “مرفوض إنسانيًا ولا يراعي ظروف الناس”.
- إخضاع أصحاب الأمتعة لـ”تحقيقات بأسئلة تفصيلية وتعجيزية، وكأنهم في موضع اتهام”.
- تحويل بعضهم إلى غرف رقابة بأسلوب “قاسٍ وغير مبرر”، يسبب “ضغطًا نفسيًَا وإهانة واضحة”.
- التعامل “غير المهني” أثناء تفريغ الشحنات، بما يشمل فتح الأغراض بشكل عشوائي، وحدوث أضرار وتكسير، وانتهاك الخصوصيات.
- فرض رسوم جمركية بحجج غير منصفة على أثاث منزلي شخصي، رغم أنه يُفترض إعفاؤه.
- تعامل بعض الموظفين مع المنفذ وكأنه “مرفق خاص أو شركة خاصة، تُدار وفق المزاج، وليس مؤسسة عامة لخدمة المواطنين”.
- محدودية التنوع في كوادر الممنفذ، حيث يُلاحظ تمركز التوظيف ضمن نطاق ضيق، رغم وجود كفاءات جديرة بالثقة من مختلف المناطق لم تُمنح الفرصة، ما يثير تساؤلات حول معايير التعيين ويؤثر على مبدأ تكافؤ الفرص.
وطالبت الشركات بـ:
- ضبط سلوك الموظفين ومحاسبة المسيء منهم.
- إنهاء أي تأخير متعمد أو ممارسات “تعسفية”.
- عدم إجبار أصحاب الأثاث على الحضور الشخصي، واعتماد بدائل تحفظ كرامتهم.
- توحيد آلية التعامل مع جميع العائدين دون تمييز.
- مراعاة الظروف الإنسانية للمهجرين وتسهيل إجراءاتهم.
- حماية ممتلكات الناس أثناء التفريغ ومنع أي عبث أو ضرر.
- اعتماد آلية شفافة وعادلة في الكشف والرسوم.
- توضيح آلية التوظيف وضمان النزاهة وتكافؤ الفرص وفتح المجال أمام الكفاءات من مختلف المناطق.
وتعهد منظمو البيان بالإدلاء بالصور والفيديوهات والثبوتيات أو إرسال شاهد يرافق الشحنة، مع إخفاء هويته لعدم التعرف عليه ليكن شاهدًا بعينه وسامعًا بأذنه مايحدث في منفذ “باب الهوى”.
تركيا.. تسهيلات لعودة السوريينعاد السوريون إلى بلادهم عقب سقوط النظام السوري السابق بأعداد كبيرة، من دول المهجر، نظرًا للتغير السياسي الجذري في البلاد، لا سيما من تركيا، التي تعد أكبر بلد استضافت لاجئين سوريين منذ بداية الثورة السورية.
وبحسب إحصائية لوزارة الداخلية التركية، صدرت في 5 من أيار الحالي، فإن عدد العائدين طوعًا منذ 8 كانون الأول 2024 نحو 667,565 شخصًا.
ووصل عدد السوريين الخاضعين لنظام الحماية المؤقتة في تركيا إلى 2,280,542، بحسب إحصائيات إدارة الهجرة التركية، في حين كان عددهم يتجاوز سقف الثلاثة ملايين حتى بعد منتصف عام 2024.
وفي الأيام الأولى التي أعقبت سقوط النظام، أعلنت تركيا عن جملة تسهيلات أمام العائدين طوعًا، أبرزها السماح للسوريين بنقل أثاثهم إلى المعابر السورية، دون فرض أي رسوم عليها.
ويعد منفذ “باب الهوى”، التابع لمحافظة إدلب إداريًا، أبرز المنافذ الحدودية مع تركيا برًا، ويقابله من الجانب التركي معبر “جلفاغوزو”، ويقضع ضمن مدينة الريحانية، التي تتبع لولاية هاطاي.
Related
إقرأ المزيد


