إقالة الحاكم تربك الليرة السورية.. ماذا ترك الحصرية خلفه؟
عنب بلدي -

خلافًا للأعراف المالية الناظمة لاستقرار البنوك المركزية، أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين السورية، في 15 من أيار، قرارًا مفاجئًا بتعيين حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية (بعد إقالته من منصب الحاكمية)، في منصب جديد وهو سفير سوريا لدى كندا.

ويمكن أن تؤدي إقالة حاكم البنك المركزي، في أي دولة بشكل مفاجئ، وبعد فترة وجيزة من توليه منصب الحاكمية، إلى تراجع حاد في قيمة العملة.

ويعتمد التأثير، كما جرت العادة في العديد من الدول، على:

  • سبب الإقالة.
  • ما إذا كان هناك استقرار في العملة الوطنية لفترة طويلة، أم لا.
  • استقلالية البنك المركزي.
  • ثقة الأسواق بالحكومة والسياسة النقدية.

والأمثلة على ارتباط استقرار وجود حاكم البنك المركزي في منصبه، مع استقرار العملة المحلية كثيرة، ولعل أبرزها ما حدث في آذار عام 2021، عندما فقدت الليرة التركية مقابل الدولار 12% من قيمتها، بعدما أقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رئيس البنك المركزي في تركيا ناجي أغبال بشكل مفاجئ بعد توليه المنصب لأقل من خمسة أشهر.

سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي، سجل صباح اليوم ارتفاعًا جديدًا منذ افتتاح السوق أمس بعد يومين على إقالة الحاكم الحصرية، ليستقر عند حدود 13850 ليرة سورية للدولار، بعدما كان 13600 ليرة، السبت الماضي.

ماذا فعل الحصرية خلال عام؟

الحصرية الذي لم يمض سوى عام ميلادي وشهر واحد فقط على توليه منصب الحاكمية، أصدر العديد من القرارات بالملفات المتعلقة بالسياسة النقدية.

ولكن وفقًا لما رصدته عنب بلدي من خلال النقاشات مع عدد من الخبراء، كان من أبرز ما حدث خلالها:

  • فقدان الليرة السورية نحو 27% من قيمتها منذ نيسان 2025، حين كان سعر الصرف 11150 ليرة سورية مقابل الدولار، وحتى أيار 2026 عندما سجل سعر الصرف 13700 ليرة مقابل الدولار.
  • تهميش القطاع العام المصرفي، الذي يعتمد عليه الكثير من ذوي الدخل المحدود في سوريا، ويستحوذ على حصة سوقية مهمة تفوق المصارف الخاصة في سوريا.
  • الاستمرار في سياسة تجفيف السيولة من الأسواق، بهدف تثبيت سعر الصرف، وهو الأمر الذي لم يجد نفعًا، فاستمرت الليرة بالانخفاض، واستمر تداول العملة القديمة.
  • إلزام شركات الحوالات العالمية بتسليم الحوالات الخارجية للمواطنين بالليرة السورية، مع السماح لها بهامش سعري لا يتعدى 15%.
  • تحريك سعر الصرف الرسمي تحت وطأة انخفاض قيمة الليرة السورية في السوق السوداء.
  • الغموض حيال الحجم الحقيقي للعملة النقدية القديمة في الأسواق.
  • استثناء شركات ومكاتب الصرافة من عملية استبدال العملة، الأمر الذي دفع هذه المؤسسات المالية، لإعادة طرح العملة القديمة بالأسواق، خلافًا للتعليمات التنفيذية لقرار استبدال العملة القديمة، بعدم ضخ العملة القديمة في الأسواق.

ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سانا) عن إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الخارجية، أن قرار تعيين الحصرية سفيرًا في كندا إنما يأتي “تقديرًا لجهوده خلال عمله السابق ضمن الحكومة السورية، وما قدّمه من إسهامات في دعم العمل المؤسسي وتعزيز الأداء في الملفات التي أُوكلت إليه”.

وكان الحصرية تم تعيينه حاكما للمركزي السوري بمرسوم رئاسي، فيما تم تكليفه سفيرا بقرار وزاري، دون أن يتسنى لعنب بلدي معرفة ما إذا كان قد تم إنهاء تعيينه بمرسوم.

خبير اقتصادي: الحكم على المركزي لا يمكن أن يكون دقيقًا

تعليقًا على ملامح فترة حصرية في المركزي، اعتبر الخبير الاقتصادي والمالي السوري، الدكتور علي محمد، في حديث إلى عنب بلدي، أن الحكم على أداء حاكمية مصرف سوريا المركزي، أو أي مصرف مركزي في العالم، لا يمكن أن يكون حكمًا دقيقًا أو موضوعيًا خلال فترة زمنية قصيرة، لأن السياسات النقدية والمالية تحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجها الحقيقية على الاقتصاد والأسواق.

ويرى محمد أن أن ما قام به المركزي السوري خلال العام الماضي، أو خلال الأشهر الستة عشر الماضية، يندرج في إطار تهيئة البيئة المالية والمصرفية ومحاولة إعادة بناء أسس العمل النقدي والمالي في البلاد.

شهدنا خطوات يمكن اعتبارها إيجابية، بحسب الخبير، سواء من خلال بدء تطبيق سياسات إصلاحية، أو عبر السعي لإعادة ربط سوريا بالنظام المالي العالمي.

كما أن هناك تطورات مهمة تحققت على هذا الصعيد، من بينها:

  • الخطوات المتعلقة برفع بعض العقوبات.
  • عودة بعض خدمات التحويل والتعاملات المصرفية.
  • فتح حسابات لدى مصارف مراسلة.
  • توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات مع شركات الدفع الإلكتروني العالمية.

واعتبر أن هذه كلها مؤشرات تدل على وجود توجه لإعادة دمج القطاع المالي السوري تدريجيًا في المنظومة المالية الدولية.

انطباعات سلبية على قرار الحوالات الخارجية

في المقابل، أكد الخبير السوري، أنه لا يمكن إنكار وجود بعض السلبيات أو الملاحظات على أداء المركزي السوري خلال الفترة الماضية، خصوصًا فيما يتعلق ببعض القرارات التي جاءت مفاجئة للأسواق المالية والمصرفية.

ومنها على سبيل المثال:

  • بعض الإجراءات المرتبطة بالسيولة أو التحويلات المالية أوجدت حالة من الارتباك لدى المتعاملين.
  • القرارات المتعلقة بالحوالات بالليرة السورية عبر شبكات التحويل المحلية أعطت لدى البعض انطباعات سلبية، رغم أن مصرف سوريا المركزي حاول لاحقًا توضيح أهداف هذه الإجراءات وتخفيف آثارها.
  • تعديل أسعار الصرف الرسمية ومنح هامش حركة أوسع لسعر الليرة السورية.

ولكن هذا التعديل الأخير، أوضح الخبير، يمكن فهمه في إطار محاولة الاعتراف بالواقع الفعلي للسوق، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، وهي خطوة قد تكون ضرورية من الناحية الاقتصادية، وإن كانت تحتاج إلى إدارة دقيقة وتواصل أوضح مع الرأي العام والأسواق.

استقرار الاقتصاد ليس مسؤولية المركزي وحده

يرى الدكتور محمد أن تقييم المرحلة الماضية يجب ألا يكون تقييمًا متسرعًا أو نهائيًا، لأن تطبيق السياسات والاستراتيجيات النقدية يتطلب وقتًا وجهدًا متواصلًا على مختلف المستويات.

كما يجب التأكيد على أن استقرار الاقتصاد وقوة الليرة السورية ليسا مسؤولية مصرف سوريا المركزي وحده، بل هما نتيجة جهد حكومي واقتصادي مشترك، يشمل السياسة النقدية والسياسة المالية والإنتاج والاستثمار والتجارة.

وأشار إلى أن المصرف المركزي يستطيع أن يكون أكثر فاعلية عندما تتوفر لديه احتياطيات قوية، وموارد مستقرة، وأدوات فعالة لإدارة السوق النقدية وضبط التضخم.

ومن هنا، فإن أي خطوات باتجاه تطوير السوق المالية أو تفعيل أدوات نقدية جديدة يمكن اعتبارها خطوات إيجابية، شريطة أن تتوافر لها المقومات الحقيقية والبيئة الاقتصادية المناسبة، وفي مقدمتها تعزيز الاحتياطيات ودعم الإنتاج وتحفيز النشاط الاقتصادي بشكل عام، حسب الخبير ذاته.

مدير مصرفي: استياء من قرارات الحصرية

قال مدير في القطاع العام المصرفي لعنب بلدي (تحفظ على نشر اسمه)، في 14 من أيار، إن هناك حالة من التخبط تسود في القرارات بمصرف سوريا المركزي، تتعلق بالمصارف، حيث تم مؤخرًا:

  • إصدار قرار بتمديد مهلة استبدال العملة إلى 30 من حزيران المقبل، وحصر استبدال العملة بالمصارف العاملة واستثناء شركات ومكاتب الصرافة، الأمر الذي أثار حالة من الغضب والاحتقان لدى أصحاب هذه الشركات، ولا سيما الـ26 مكتبًا وشركة القادمة من الشمال السوري، وحصلت على تراخيص مبدئية للعمل في الداخل السوري.
  • قيام وزارة المالية السورية بإعفاء مدير عام المصرف التجاري السوري إياد بلال، “باقتراح من مصرف سوريا المركزي”، والحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة، وإخضاعه للتحقيق لدى الجهاز المركزي للرقابة المالية، ووضعه تحت تصرف وزير المالية، وحاولت عنب بلدي معرفة أسباب الإعفاء سواء من المركزي أو الجهاز، دون أن تتلقى ردًا، وسط حالة من التكتم من الطرفين.
  • اقتراح تكليف ناصر الدين المولوي مصرفي من القطاع الخاص، الذي عمل سابقًا لدى بنكين إسلاميين خاصين، هما بنك سوريا الدولي الإسلامي وبنك البركة، لتولي منصب مدير عام التجاري. وقبل أن يمضي 15 يومًا على تولي المولوي منصب مدير عام التجاري السوري، تم إعفاؤه من قبل المالية السورية باقتراح أيضًا من المركزي ذاته، دون أسباب واضحة، وتكليف مدير الفرع “6” بالتجاري السوري بلال عابدين بالمنصب.
من عبد القادر الحصرية؟

عبد القادر الحصرية من مواليد دمشق عام 1961، تلقى تعليمه الأكاديمي في كلية إدارة الأعمال بالجامعة الأمريكية في بيروت، حيث حصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في إدارة الأعمال.

كما نال درجة الدكتوراة في التمويل من جامعة “دورهام” في المملكة المتحدة، مع إعداد أطروحته حول دور أسواق المال في تمويل الإسكان.

حصل الحصرية على ماجستير في القانون العام (Common Law) من كلية أوسغوود للحقوق في كندا، حيث أجرى أبحاثًا حول تطوير تنظيم العملات والأصول الرقمية، إلى جانب حصوله على إجازة في الحقوق من جامعة دمشق، وإجازة في علم الكمبيوتر من الجامعة اللبنانية الأمريكية.

أكمل أيضًا عدة برامج تنفيذية متخصصة، من بينها برنامج حول السياسات الضريبية والإدارة الضريبية في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، وبرنامج تمويل الإسكان وتطوير أسواق المال في كلية وارتون في جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة، إضافة إلى برنامج التمويل العقاري في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا”.

يمتلك حصرية بالإضافة لخبرته الطويلة في الاستشارات المالية والتدقيق، خبرة واسعة في اللوائح المصرفية والتنظيمية في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط، حيث لعب دورًا بارزًا في صياغة قوانين مصرفية في سوريا، من بينها قانون المصارف الإسلامية، وقانون شركات الصرافة، وقانون التأجير التمويلي وقانون مصرف سوريا المركزي.

أسهم كذلك في تطوير نموذج التمويل العقاري والتشريعات المرتبطة به، وتنظيم مهنة خبراء التقييم العقاري، وتطبيق معايير التقارير المالية الدولية في القطاع المصرفي والشركات.

ثم شارك في وضع اللوائح التنظيمية لهيئة الأوراق والأسواق المالية السورية وسوق دمشق للأوراق المالية.

وساهم بالتعاون مع البنك الدولي في وضع قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب الإطار المؤسسي لهذه الشراكة.

كما قدم الاستشارات لإصلاح مصرف سوريا المركزي بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، حيث عمل على تطوير الأطر التنظيمية للقطاع المصرفي وتعزيز كفاءة السياسات النقدية.

كذلك، شغل عضوية عدة مجالس إدارة، منها هيئة التمويل العقاري، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، والمؤسسة العامة للإسكان، وهيئة الاستثمار والتطوير العقاري.

رسلان حاكمًا جديدًا للمركزي السوري

بدوره، أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، المرسوم رقم “99” لعام 2026 القاضي بتعيين محمد صفوت رسلان حاكمًا لمصرف سوريا المركزي.

ويأتي مرسوم تعيين رسلان الذي نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا)، في 15 من أيار، عقب قرار وزارة الخارجية والمغتربين تعيين عبد القادر الحصرية سفيرًا لسوريا في كندا، بعد نحو عام على تعيينه حاكمًا للمركزي السوري.

ونقلت “سانا” عن إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الخارجية، أن قرار تعيين الحصرية يأتي “تقديرًا لجهوده خلال عمله السابق ضمن الحكومة السورية، وما قدّمه من إسهامات في دعم العمل المؤسسي وتعزيز الأداء في الملفات التي أُوكلت إليه”.

Related



إقرأ المزيد