من الأردن إلى العراق.. ما وراء تحويل صادرات الأغنام السورية نحو الخليج
عنب بلدي -

بدأت سوريا تصدير أغنامها إلى دول الخليج، وخصوصًا إلى السعودية، عبر العراق بدلًا من الأردن، بعد أن فرضت الأخيرة رسومًا وصلت إلى 60 دولارًا على كل رأس غنم، بحسب اتحاد غرف التجارة السورية.

وكان رئيس اتحاد غرف التجارة السورية، علاء عمر العلي، قد أكّد في وقتٍ سابق، أن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك قررت السماح لمصدّري الأغنام بالعبور إلى السعودية عبر العراق باستخدام معبر “التنف” الذي أُعيد افتتاحه، بدلًا من المسار التقليدي عبر الأردن.

كما شهدت الأوساط الأردنية موجة غضب واسعة عقب تداول تسجيل مصور يظهر تغيير مسار شاحنات الترانزيت السورية نحو العراق بدلًا من الأراضي الأردنية.

وتصاعدت الدعوات للحكومة ووزير الإعلام بفتح تحقيق عاجل حول شبهات فساد مالي على الحدود طردت الاستثمارات وحرمت الاقتصاد الأردني من عائدات النقل والمحروقات، على حد ذكرهم.

وسمحت سوريا العام الماضي بتصدير 200 ألف رأس من الغنم والماعز، وتعتبر دول الخليج وخصوصًا السعودية أهم الأسواق المستوردة.

ويصل سعر كيلوغرام الخاروف حاليًا إلى أكثر من سبع دولارات، ما يعني أن سعر الخاروف الواحد يتراوح ما بين 350 و425 دولارًا تقريبًا، وهو مرشح للزيادة مع اقتراب عيد الأضحى.

واشتكى مُصدّرو الأغنام السوريون، مؤخرًا، من ارتفاع رسوم عبور المواشي عبر الأردن، مؤكدين أن التكاليف المرتفعة أثرت سلبًا على حركة التصدير وأسعار الأغنام داخل السوق المحلية، ودفعت عددًا من المربين إلى التوقف عن التصدير نحو الخليج.

فيما أوضحت مصادر أردنية أن هذه التكاليف تشمل تقديم عدة خدمات بيطرية وصحية ولوجستية، علاوة على تكاليف المعاينة والتفتيش.

إجراء يتجاوز الكلفة المالية إلى أبعاد إقليمية

يرى الباحث في “شركة كرم شعار للاستشارات”، ملهم الجزماتي، في حديث إلى عنب بلدي، أن اللجوء إلى معبر “التنف” كمسار بديل لتصدير الأغنام السورية إلى الخليج لا يمكن قراءته باعتباره مجرد التفاف على كلفة مالية فرضت على الطريق الأردني.

المسألة، بحسب الجزماتي، أوسع من ذلك، إذ أن سوريا أمام اختبار عملي لقدرتها على تنويع ممراتها التجارية، وعدم البقاء رهينة منفذ واحد مهما كان أقصر جغرافيًا.

فالطريق عبر الأردن يبقى من حيث المسافة والمنطق التجاري هو الطريق الطبيعي والأقرب نحو الخليج، يوضح الاستشاري، لكن القرب لا يكفي إذا شعر المصدّرون أن كلفة العبور أصبحت مرتفعة، أو غير واضحة، أو خاضعة لتقديرات لا يمكن التنبؤ بها.

هنا تبرز أهمية “التنف”، تبعًا لجزماتي، فالمعبر لا يفتح فقط طريقًا بديلًا نحو العراق، بل يُعيد إدخال سوريا في معادلة الممرات البرية الإقليمية. معتبرًا أن عبر “التنف” ومنفذ “الوليد” العراقي، تصبح الشاحنات السورية قادرة على الوصول إلى العراق، ثم إلى الكويت عبر سفوان، أو إلى السعودية والخليج عبر الشبكة البرية العراقية.

بهذا المعنى، لا يجب النظر إلى “التنف” كمعبر طرفي في البادية، بل كبوابة محتملة لإعادة وصل سوريا بالعراق والخليج، يؤكّد الاستشاري، خاصةً إذا جرى تنظيم العبور ضمن قواعد واضحة ومستقرة.

ولفت الجزماتي إلى أن العراق بدأ يتعامل مع هذا المسار بمنطق “الترانزيت الدولي”، لا بمنطق العبور الحدودي التقليدي فقط. وهنا تأتي أهمية نظام “TIR”.

ما هو “TIR”؟

هو نظام نقل برّي دولي يسمح بمرور البضائع عبر الحدود ضمن أختام وضمانات جمركية موحدة، يشرح الجزماتي، بدلًا من أن تُفتح الشحنة وتُفحص وتُعاد معاملتها جمركيًا في كل نقطة عبور.

عمليًا، هذا النظام لا يُلغي الرقابة، لكنه يجعلها أكثر تنظيمًا وأقل كلفة وأسرع زمنيًا، لأنه ينقل الشحنة تحت ضمان دولي واضح من بلد الانطلاق إلى بلد الوصول.

وقد أطلق العراق العمل بنظام “TIR” في نيسان 2025، وسُجّلت خلال عامه الأول قرابة ألفي عملية نقل برّي عبر الأراضي العراقية، كما جعل العراق استخدام هذا النظام إلزاميًا لعبور النقل البري الدولي منذ تشرين الثاني 2025.

هذا التطوّر، وفق الباحث، يُعطي “التنف” قيمة إضافية. فالمسار لا يعود مجرد طريق أطول لتصدير الأغنام، بل يتحوّل إلى جزء من ممر لوجستي أوسع يربط سوريا بالعراق والخليج.

بوابة الصادرات السورية نحو الخليج

وقد أعلن الاتحاد الدولي للنقل الطرقي أن سوريا أطلقت أول عمليات “TIR” عبر العراق باتجاه أسواق مجلس التعاون الخليجي، وأن الشحنات الأولى كانت لحيوانات حيّة وصلت إلى الكويت وقطر.

كما أشار إلى أن هذه العمليات جاءت بعد قرار العراق اعتماد “TIR” كنظام لعبور النقل البري الدولي، بهدف تبسيط الإجراءات الجمركية وتقليل التأخير على الحدود وتعزيز تنافسية التجارة الإقليمية.

“معادلة الكلفة” بديلًا للمسافة

أما من زاوية الكلفة، اختيار طريق أطول لا يعني بالضرورة أنه أقل جدوى، يوضح الجزماتي، ففي التجارة، الكلفة النهائية لا تُقاس بالمسافة فقط، بل بمجموع الرسوم، وسعر الوقود، وزمن الانتظار، وكلفة الخدمات، ومستوى الوضوح في الإجراءات.

في حالة النقل الثقيل، يبرز عامل الوقود بوضوح، وفق الباحث، إذ أن زيت الغاز في العراق يُباع رسميًا بنحو 400 دينار عراقي لليتر، أي ما يقارب 0.30 دولار، بينما يبلغ سعر الديزل في الأردن نحو 1.11 دولار لليتر وفق تحديثات أيار 2026.

لذلك يمكن أن يعوّض انخفاض الوقود في العراق جزءًا من كلفة المسافة الأطول، لكنه لا يُلغي الحاجة إلى حسابات دقيقة حول زمن الرحلة، وحالة الطريق، وكلفة الانتظار، وأي مدفوعات غير رسمية قد تظهر على المسار.

بين ثبات الأردن وتنافسية العراق

من الناحية الجمركية، لا يصح القول إن العراق أكثر تنظيمًا من الأردن بشكلٍ مطلق، تبعًا لجزماتي، مشيرًا إلى أن الأردن يمتلك منظومة جمركية وإجرائية أكثر رسوخًا، وفيها رسوم وخدمات موثقة للحجر والفحص البيطري والحيوانات الحية.

وبحسب الجزماتي، المشكلة التي أثارها المصدّرون السوريون لا تتعلّق بغياب التشريعات الأردنية، بل بالفجوة بين الرسم الرسمي والكلفة الفعليّة التي يشعر بها المصدّر عند المعبر. معتبرًا أن الخدمات اللوجستية أو البيطرية عندما تتحوّل إلى عبء مرتفع على كل رأس غنم، تصبح المسألة مسألة حوكمة عبور وشفافية كلفة، لا مجرد إجراء جمركي عادي.

في المقابل، يقدّم العراق اليوم نفسه كمسار أطول لكنه قابل لأن يكون أكثر تنافسية إذا استقر ضمن نظام “TIR” وانخفضت فيه كلف التشغيل، وفقًا لجزماتي، لذلك، المفاضلة هنا ليست بين الأردن والعراق فقط، بل بين طريق أقصر لكنه محل خلاف حول الكلفة، وطريق أطول لكنه يمنح سوريا هامشًا تفاوضيًا وممرًا بديلًا إلى الخليج.

مكاسب اقتصادية

اقتصاديًا، يمكن أن تكون لهذه الخطوة انعكاسات إيجابية على سوريا، لكنها مشروطة، تبعًا للباحث، فهي قد تحمي هامش ربح مربي الأغنام والمصدّرين إذا خففت كلفة العبور، وقد تنشط قطاع النقل والتخليص والخدمات المرتبطة بالتجارة البرية، وقد تمنح سوريا ورقة تفاوضية أفضل مع الممرات الأخرى.

وتحدّث الجزماتي عن أهمية عدم المبالغة في تصوير الخطوة كتحوّل كامل في خريطة التجارة السورية. إذ أن نجاح “التنف” لن يُقاس بعدد الشاحنات، بل بقدرته على أن يصبح مسارًا تنظيميًا آمنًا، واضح الرسوم، سريع الإجراءات، ومقبولًا صحيًا ولوجستيًا لدى دول الخليج.

خدمات تشغيلية

يرى رئيس لجنة الزراعة والمياه في مجلس النواب الأردني، أحمد شديفات، أن الجدل المتعلّق برسوم تصدير الأغنام عبر المعابر جرى تضخيمه بصورة “مضللة”، على حد قوله، معتبرًا أن ما جرى تداوله بشأن فرض مبلغ 60 دولارًا على صادرات الأغنام “لا أساس له في السجلات الرسمية”.

وقال شديفات، إن الكلفة الفعلية لا تتجاوز 29 دولارًا، موضحًا أنها ليست ضريبة وإنما “بدل خدمات تشغيلية” مرتبطة بإجراءات الحجر الصحي والفحوصات والبروتوكولات الفنية المعتمدة لتصدير الأغنام إلى الأسواق الخارجية، وعلى رأسها السوق السعودية.

واعتبر شديفات، أن تضخيم الأرقام والترويج لمبلغ 60 دولارًا، يأتي في إطار “حملات تستهدف التشكيك بالإجراءات الرقابية على المعابر”، مؤكدًا أن هذه الحملات “تخدم مصالح المهربين وتجار المخدرات” الذين يسعون، بحسب قوله، إلى “إضعاف الرقابة وتخفيف إجراءات التفتيش على الحدود”.

Related



إقرأ المزيد