عنب بلدي - 5/19/2026 10:53:21 AM - GMT (+2 )
تواصلت الاحتجاجات في عدد من المدن والبلدات السورية، رفضًا لقرار وزارة الاقتصاد والصناعة في الحكومة السورية تحديد سعر شراء طن القمح لموسم 2026 بـ46 ألف ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل نحو 330 دولارًا وفق سعر الصرف الحالي، وسط تحذيرات من انعكاسات القرار على مستقبل الزراعة والأمن الغذائي في البلاد.
مناطق في ريف حماة والرقة ودير الزور والحسكة، شهدت وقفات احتجاجية شارك فيها مزارعون وأهالٍي، عبّروا فيها عن رفضهم للتسعيرة التي وصفوها بأنها “غير عادلة” ولا تتناسب مع تكاليف الإنتاج المرتفعة، في وقت يعاني فيه القطاع الزراعي من أزمات متراكمة نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة والبذار وأجور النقل والحصاد.
ورفع المحتجون خلال الوقفات سنابل القمح ولافتات كتب عليها “بطلنا نزرع”، و”لا تبخسوا الناس أشياءها”، و”القمح ذهب الجزيرة فلا تجعلوها رمادًا”، في إشارة إلى حالة الغضب المتصاعدة بين المزارعين الذين اعتبروا أن محصول القمح، بوصفه محصولًا استراتيجيًا، لم يحظَ بالدعم الكافي رغم الأهمية التي يمثلها للاقتصاد السوري.
احتجاجات في مناطق زراعيةتركزت التحركات الاحتجاجية بشكل رئيسي في المناطق الزراعية التي يعتمد سكانها بصورة شبه كاملة على زراعة القمح كمصدر أساسي للدخل، إذ شهدت مدينة الرقة احتجاجات واسعة، كما خرج مزارعون في سهل الغاب بريف حماة وأرياف دير الزور ومدينة عامودا في محافظة الحسكة، للتعبير عن رفضهم للقرار الحكومي.
ويرى محتجون أن الحكومة السورية أرسلت رسائل متناقضة للمزارعين، فمن جهة وضعت سنابل القمح على أعلى فئة نقدية جديدة متداولة، وهي فئة الـ500 ليرة سورية، بينما لم تعتمد، بحسب وصفهم، سياسات اقتصادية داعمة للفلاحين أو تسعيرة تضمن استمرارية الإنتاج الزراعي.
ويأتي القرار الحكومي مع اقتراب موسم الحصاد، في وقت كان فيه المزارعون يعولون على الموسم الحالي لتعويض سنوات من الجفاف والخسائر المتراكمة، خاصة بعد تحسن معدلات الأمطار خلال العام الحالي مقارنة بالمواسم السابقة.
اتحاد الفلاحين يطالب بإعادة النظررئيس اتحاد الفلاحين في محافظة الحسكة، عبد الحميد الكركو، قال لعنب بلدي، إن التسعيرة المعلنة “لا ترقى إلى مستوى طموحات الفلاحين ولا تتناسب مع الجهد المبذول أو تكاليف الإنتاج”.
وأضاف أن الاتحاد يرى ضرورة إعادة النظر بالسعر المحدد، أو إضافة مكافأة تسليم لا تقل عن 120 دولارًا للطن الواحد، معتبرًا أن دعم الفلاح والإنتاج الزراعي “أكثر أهمية من تحقيق أرباح مالية للجهة الشارية”.
وأشار الكركو إلى أن الحفاظ على استمرار الفلاحين في زراعة القمح يتطلب سياسات دعم حقيقية، خاصة وأن القطاع الزراعي يشكل أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد المحلي في الجزيرة السورية.
“الزراعة أصبحت عبئًا”في ريف الحسكة الجنوبي، قال المزارع عبد الله الحجي، إن التكاليف المرتفعة جعلت الزراعة “خسارة بخسارة”، موضحًا أن أسعار المازوت الزراعي والبذار والأسمدة والمبيدات ارتفعت بصورة كبيرة، إضافة إلى أجور الحصاد والنقل.
وأضاف أن الموسم الحالي لم يكن بالمستوى الذي توقعه المزارعون رغم تحسن الأمطار، بسبب تأثير موجات البرد على نمو القمح، ما تسبب بظهور سنابل فارغة وانخفاض في الإنتاجية.
وأوضح الحجي أن الأعباء المالية لم تعد تقتصر على مستلزمات الزراعة الأساسية، بل تشمل أيضًا تكاليف إضافية مثل شوال تعبئة القمح، الذي يصل سعر الواحد منه إلى نحو دولارين، معتبرًا أن السعر المحدد من الحكومة لن يتيح للفلاحين تحقيق أي هامش ربح أو حتى تسديد الديون المتراكمة عليهم.
وأشار إلى أن استمرار العمل بهذه التسعيرة قد يدفعه إلى التوقف عن زراعة أرضه خلال المواسم المقبلة، على غرار كثير من المزارعين الذين باتوا يفكرون بترك العمل الزراعي والبحث عن مصادر دخل بديلة.
ارتفاع كبير في تكاليف الإنتاجمن جانبه، أوضح المزارع محمد داوي، الذي زرع هذا العام نحو 300 دونم من القمح، أن تكاليف الزراعة شهدت ارتفاعًا غير مسبوق، بدءًا من أسعار السماد والبذار، وصولًا إلى المبيدات والمحروقات وأجور الحصاد.
وبيّن أن سعر طن السماد وصل إلى نحو 615 دولارًا، في حين بلغت تكلفة المبيدات المستخدمة لكل عشرة دونمات نحو 13 دولارًا، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الحراثة نتيجة زيادة سعر المازوت الزراعي إلى 25 سنتًا.
وأضاف أن تكاليف الحصاد وحدها قد تصل إلى نحو 75 دولارًا لكل عشرة دونمات، ما يجعل التسعيرة الحكومية الحالية غير قادرة حتى على تغطية النفقات الأساسية للموسم الزراعي.
وقال داوي إن المزارعين كانوا يتوقعون أن يتم تحديد سعر شراء القمح عند حدود 55 سنتًا للكيلوغرام الواحد على الأقل، بما يسمح لهم بتغطية تكاليف الإنتاج وتسديد الديون المترتبة عليهم، مشيرًا إلى أن القرار الحكومي “أصاب الفلاحين بصدمة”.
ورأى أن استمرار الوضع الحالي سيدفع عددًا كبيرًا من سكان الأرياف إلى الابتعاد عن الزراعة، رغم أنها تشكل المورد الاقتصادي الأساسي للكثير من العائلات في محافظة الحسكة.
مخاوف من تراجع زراعة القمحالمزارع حسين العايد، وصف قرار الحكومة بأنه “مجحف بحق الفلاحين”، معتبرًا أن التسعيرة الجديدة جاءت أقل بكثير من التكاليف الفعلية للإنتاج.
وقال إن الفلاحين كانوا يأملون أن تستفيد الحكومة من تحسن الموسم الزراعي هذا العام وتمنح سعرًا يشجع على الاستمرار في زراعة القمح، إلا أن القرار، بحسب تعبيره، خيّب آمالهم.
واعتبر العايد أن القرارات الاقتصادية المتعلقة بأسعار المازوت الزراعي وتسعيرة القمح انعكست بشكل مباشر على معيشة المواطنين، وأن كثيرًا من المزارعين باتوا يشعرون بأن الزراعة تحولت من مصدر رزق إلى عبء اقتصادي.
وأشار إلى أن عددًا من الفلاحين يرفضون بيع محصولهم بالسعر الحالي، معتبرًا أن تخزين القمح في المنازل “أفضل من بيعه بهذه التسعيرة”، إذا لم تتم إعادة النظر بالقرار.
الأمن الغذائي وأزمة التسعيريعد القمح من أهم المحاصيل الاستراتيجية في سوريا، إذ تعتمد عليه البلاد بصورة أساسية في إنتاج الخبز وتأمين جزء كبير من احتياجاتها الغذائية، بينما تشكل محافظات الجزيرة السورية، الحسكة والرقة ودير الزور، الخزان الزراعي الأبرز للقمح السوري.
لكن القطاع الزراعي، وفق الفلاحين الذين التقتهم عنب بلدي، يواجه تحديات متزايدة، بينها تراجع الدعم الحكومي، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتذبذب أسعار المحاصيل، إضافة إلى آثار الجفاف والتغيرات المناخية، ما أدى إلى تراجع المساحات المزروعة وتقلص قدرة الفلاحين على الاستمرار.
ويرى المزارعون أن تسعير المحاصيل الاستراتيجية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار تكاليف الإنتاج الحقيقية، وأن يضمن هامش ربح معقولًا للفلاحين، باعتبار أن استمرارهم في الزراعة يرتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي في البلاد.
Related
إقرأ المزيد


