عنب بلدي - 5/20/2026 6:32:29 PM - GMT (+2 )
مع اقتراب موسم الحصاد وبدء ارتفاع درجات الحرارة في محافظة الحسكة، تتزايد مخاوف المزارعين من تكرار سيناريو حرائق المحاصيل الزراعية التي تسببت خلال السنوات الماضية بخسائر كبيرة في حقول القمح والشعير، وسط مطالبات بتعزيز الإجراءات الوقائية وتوفير استجابة أسرع للحرائق، خاصة في المناطق الزراعية الواسعة التي يصعب الوصول إليها بسرعة.
وشهدت مناطق عدة في ريف الحسكة خلال الأيام الماضية اندلاع حرائق محدودة طالت مساحات مزروعة بالقمح والشعير، الأمر الذي أعاد القلق إلى أوساط الفلاحين مع بدء دخول الموسم الزراعي مرحلته الحساسة، في وقت تعتمد فيه آلاف العائلات على المحاصيل بوصفها مصدر الدخل الأساسي.
حرائق مبكرة تثير القلقمدير مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في الحسكة، عبد الحليم الشهاب، قال إن الوزارة بدأت تنفيذ خطة لتوزيع نقاط متقدمة لمكافحة حرائق المحاصيل الزراعية في عدد من المحافظات، بينها الحسكة، ضمن خطة استباقية لمواجهة الحرائق خلال موسم الحصاد.
وأضاف أن لجنة طوارئ شُكلت لحماية المحاصيل الزراعية في الحسكة، تضم مختلف الجهات المعنية، بهدف متابعة المستجدات ميدانيًا والتدخل السريع عند حدوث أي طارئ، موضحًا أن العمل بدأ منذ الخميس الماضي على نشر عشر نقاط رئيسة تمتد من مركدة حتى اليعربية، مع إمكانية استحداث نقاط فرعية بحسب طبيعة المناطق الجغرافية.
ورغم الإجراءات المعلنة، يبدي مزارعون تخوفًا من محدودية الإمكانات مقارنة بالمساحات الزراعية الشاسعة في المحافظة، التي تُعد من أبرز المناطق المنتجة للقمح في سوريا.
جهود ذاتية لتجنب الحرائققال المزارع محمود الخلف، من ريف الشدادي الجنوبي، إن أكثر ما يقلق الفلاحين حاليًا هو سرعة انتشار النيران في الأراضي المزروعة بسبب الجفاف والرياح وارتفاع درجات الحرارة.
وأضاف لعنب بلدي أن “الحريق إذا بدأ في أرض واحدة قد يمتد خلال دقائق إلى عشرات الحقول المجاورة، خاصة أن أغلب الأراضي متصلة ببعضها ولا توجد خطوط فصل كافية”، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المزارعين باتوا يحرثون أطراف الأراضي بشكل مبكر لتخفيف مخاطر انتقال النار.
وأوضح محمود أن الفلاحين يعتمدون بشكل كبير على جهودهم الذاتية في مواجهة الحرائق، من خلال تجهيز صهاريج المياه والجرارات الزراعية قرب الحقول، معتبرًا أن وجود سيارات إطفاء وحده “لا يكفي” بسبب بُعد بعض المناطق الزراعية عن الطرق الرئيسة.
من جهته، قال المزارع فواز العبد الله، من ريف مركدة، إن الحرائق أصبحت هاجسًا سنويًا للمزارعين، خاصة مع ارتفاع تكاليف الزراعة هذا العام، من بذار ومحروقات وأسمدة، وانخفاض سعر شرائه، ما يجعل أي خسارة في المحصول “ضربة قاسية للفلاح”.
وأضاف أن كثيرًا من المزارعين يطالبون بزيادة عدد نقاط الإطفاء في المناطق الزراعية البعيدة، إلى جانب تأمين آليات تدخل سريعة وفتح طرق ترابية تسهّل وصول فرق الإطفاء إلى الحقول.
وأشار فواز إلى أن بعض الحرائق تنتج عن “أسباب بسيطة يمكن تجنبها”، مثل رمي أعقاب السجائر أو الأعطال الفنية في الحصادات، داعيًا إلى تشديد الرقابة والتوعية خلال فترة الحصاد.
إجراءات احترازية من الدفاع المدنيكان الدفاع المدني السوري أعلن إخماد خمسة حرائق بمحاصيل زراعية في منطقتي مركدة والشدادي جنوب الحسكة، حتى ظهر الاثنين 18 من أيار، موضحًا أن الحرائق أتت على نحو عشرة دونمات، بينما تمكنت الفرق من حماية أكثر من 800 دونم ومنع امتداد النيران إليها.
وأكد الدفاع المدني أهمية الالتزام بإجراءات الوقاية خلال موسم الحصاد، محذرًا من أن “شرارة واحدة قد تتسبب بخسائر كبيرة في المحاصيل الزراعية”.
بدوره، قال مدير مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في الحسكة، إن خطة الوزارة لم تقتصر على نشر فرق الإطفاء فقط، بل شملت التعاقد مع مزارعين ضمن النقاط المتقدمة لتأمين جرارات وصهاريج مياه، إلى جانب الاستعانة بكوادر محلية للمساندة والرصد المبكر والإرشاد.
وأضاف أن مشاركة الأهالي تُعد عنصرًا أساسيًا في الحد من توسع الحرائق، نظرًا لاتساع الرقعة الزراعية في المحافظة، مشيرًا إلى وجود “جاهزية جيدة” لدى المجتمع المحلي للتعاون مع فرق الإطفاء.
توصيات لتجنب الحرائقدعا مدير مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في الحسكة، عبد الحليم الشهاب، إلى اتخاذ إجراءات وقائية صارمة، من بينها حراثة الأراضي المحاذية للطرق وتقسيم المساحات الزراعية الكبيرة، إضافة إلى الالتزام بإجراءات السلامة في أثناء الحصاد وتجنب التدخين أو إشعال النار قرب الحقول.
وفي السياق ذاته، اتخذت فرق الدفاع المدني السوري من مركز الأعلاف في بلدة اليعربية مقرًا مؤقتًا لها، بهدف تعزيز الجاهزية خلال موسم الحصاد ورفع سرعة الاستجابة للطوارئ في المنطقة الشرقية من المحافظة.
وقال المزارع علي المطر، من ريف الحسكة الشمالي، إن الخوف لا يقتصر على خسارة المحصول فقط، بل يمتد إلى خسارة “تعب عام كامل”، موضحًا أن كثيرًا من الفلاحين اضطروا خلال السنوات الماضية إلى الاقتراض لتأمين مستلزمات الزراعة.
وأضاف أن بعض الحرائق السابقة أتت على مساحات واسعة خلال وقت قصير، بسبب تأخر وصول فرق الإطفاء أو غياب المعدات القريبة، داعيًا إلى إنشاء نقاط مراقبة دائمة خلال موسم الحصاد في القرى الزراعية الكبيرة.
وأشار علي إلى أهمية تنفيذ حملات توعية مستمرة، ليس للمزارعين فقط، بل أيضًا للسائقين والعابرين قرب الطرق الزراعية، لأن “خطأ صغيرًا قد يحرق مئات الدونمات”.
حملات توعيةفي إطار التوعية المجتمعية، نفذت جمعية “رفقًا بنا”، بالتنسيق مع إدارة منطقة رأس العين، حملة توعوية شملت توزيع منشورات إرشادية حول الوقاية من حرائق الحصاد والأعشاب، بهدف رفع مستوى الوعي بإجراءات السلامة خلال الموسم.
وتضمنت الحملة إرشادات للحد من اندلاع الحرائق، وضرورة الالتزام بالتدابير الوقائية لحماية المحاصيل الزراعية والثروة النباتية، إضافة إلى الحفاظ على سلامة السكان والممتلكات العامة والخاصة.
ارتفاع الحرارة واتساع الأراضي يضاعفان المخاطرقال المختص الزراعي عمر الواوي، لعنب بلدي، إن الحسكة تُعد من أكثر المحافظات عرضة لحرائق المحاصيل بسبب اتساع الأراضي المزروعة واعتماد نسبة كبيرة منها على الزراعة البعلية، ما يجعل الأعشاب اليابسة والسنابل الجافة سريعة الاشتعال خلال فصل الصيف.
ووفق الواوي، تسهم الرياح وارتفاع درجات الحرارة في تسريع انتشار النيران، خصوصًا في المناطق التي تفتقر إلى خطوط نار فاصلة أو مصادر مياه قريبة، الأمر الذي يزيد من أهمية الإجراءات الوقائية والاستجابة المبكرة.
ويرى أن الخطوات الحالية مهمة، لكنها تحتاج إلى دعم أكبر واستمرارية طوال الموسم، خاصة أن الحرائق غالبًا ما تبلغ ذروتها مع اشتداد الحرارة في شهري حزيران وتموز.
ومع بدء العد التنازلي للحصاد، يترقب مزارعو الحسكة الموسم بحذر، آملين أن تنجح الإجراءات المعلنة في الحد من الحرائق وحماية المحاصيل التي يعولون عليها بعد موسم زراعي وصفه كثيرون بأنه “مكلف ومتعب”، وسط ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة.
Related
إقرأ المزيد


