بعد أمطار مبشرة.. مرض يفتك بمحصول الكمون في الحسكة
عنب بلدي -

شهد محصول الكمون في محافظة الحسكة هذا الموسم خسائر واسعة، بعد تعرض مساحات كبيرة من الحقول لإصابات فطرية وبكتيرية أدت إلى تراجع الإنتاج في عدد من المناطق الزراعية، ووصول الأضرار في بعض الحقول إلى خسائر شبه كاملة، وفق مزارعين ومختصين تحدثوا إلى عنب بلدي.

ويُعد الكمون من المحاصيل العطرية التي توسعت زراعتها خلال السنوات الأخيرة في أرياف الحسكة، خاصة الجنوبية منها، باعتباره محصولًا قليل الاستهلاك للمياه مقارنة بمحاصيل تقليدية كالقمح والشعير، إلا أن حساسيته العالية للظروف الجوية والأمراض الزراعية جعلت الموسم الحالي من أكثر المواسم صعوبة بالنسبة للمزارعين.

خسائر واسعة بعد بداية “مبشرة”

يقول المزارع خلف العبد الله من ريف الحسكة الجنوبي، إن الموسم بدأ هذا العام بمؤشرات جيدة بعد تحسن الهطولات المطرية، ما دفع كثيرًا من المزارعين إلى التفاؤل بإنتاج وفير، قبل أن تتعرض الحقول لاحقاً لإصابات مرضية تسببت بخسائر كبيرة.

وأضاف لعنب بلدي، أن “النبات كان في وضع جيد خلال المراحل الأولى من النمو، لكن الإصابات بدأت بالظهور بشكل سريع داخل الحقول، ثم انتشرت إلى مساحات واسعة خلال فترة قصيرة”، مشيرًا إلى أن “الكثير من المزارعين خسروا معظم إنتاجهم، وبعضهم لم يعد يتوقع تغطية تكاليف الزراعة”.

ولفت إلى أن الكمون من المحاصيل الحساسة جدًا، إذ يمكن لأي تغيرات مناخية أو إصابات مرضية أن تؤدي إلى خسارة الموسم بالكامل، مضيفاً أن “المزارعين كانوا يترقبون موسماً ناجحاً هذا العام، لكن الأضرار قلبت التوقعات”.

انتشار المرض في الحقول

من جانبه، قال المزارع علي الحامد من الريف الشمالي للحسكة، إن الإصابات انتشرت بشكل واسع في مناطق زراعة الكمون، خاصة في الأراضي التي شهدت ارتفاعًا في الرطوبة خلال الأسابيع الماضية.

وأوضح أن “بعض الحقول تعرضت لتلف كامل تقريبًا، بينما سجلت حقول أخرى تراجعًا كبيرًا في الإنتاج”، مضيفًا أن “المزارعين فوجئوا بسرعة انتشار المرض، إذ بدأت الأعراض على أجزاء محدودة من النباتات قبل أن تمتد إلى كامل المساحات المزروعة”.

وأشار إلى أن خسائر هذا الموسم أثارت مخاوف المزارعين من الاستمرار في التوسع بزراعة الكمون خلال الأعوام المقبلة، رغم الأرباح التي كان يحققها في مواسم سابقة.

وأضاف أن “تكاليف الزراعة لم تعد بسيطة بالنسبة للمزارع، خاصة مع أسعار البذار وأجور العمل والحصاد، وعندما يتعرض المحصول لخسارة كبيرة فإن ذلك ينعكس مباشرة على الوضع المعيشي للفلاحين”.

محصول عالي الحساسية

ويُعد الكمون من المحاصيل التي بدأت زراعتها في مناطق الجزيرة السورية قبل نحو 15 عامًا، في مناطق عامودا والدرباسية ورأس العين، قبل أن تنتقل تدريجيًا إلى أرياف الحسكة الجنوبية، مع تراجع زراعة المحاصيل التقليدية بعد جفاف نهر الخابور، واتجاه المزارعين إلى محاصيل أقل استهلاكًا للمياه.

وتمر زراعة الكمون بعدة مراحل دقيقة، تبدأ بالبذار، سواء للمحصول البعل أو المروي، ثم مرحلة إزالة الأعشاب والنباتات الضارة التي تؤثر على نموه، قبل أن يصل إلى الحصاد بعد نحو 90 يومًا.

ويقول المزارعون إن طبيعة هذا المحصول تجعله عرضة للخسارة بسبب أي تغيرات مناخية أو إصابات مرضية، الأمر الذي يصنفه ضمن الزراعات “عالية المخاطر” في المنطقة.

إصابات فطرية وبكتيرية

بدوره، أفاد المهندس الزراعي خالد الحسن، لعنب بلدي، أن مساحات واسعة مزروعة بمحصول الكمون في محافظة الحسكة تعرضت لأضرار كبيرة، نتيجة انتشار إصابات فطرية وبكتيرية مرتبطة بالظروف الجوية.

وقال إن تقديرات أولية تشير إلى وصول نسب الضرر في بعض المناطق إلى خسائر شبه تامة.

وأضاف أن محصول الكمون يتعرض أحيانًا خلال هذه الفترة من العام لإصابات مرضية تعرف محليًا باسم “اللفحة النارية” على الكمون، مشيرًا إلى أن “أحد أبرز مسبباتها هو فطر الألترناريا، إلى جانب وجود معقدات مرضية قد تكون ذات منشأ فطري أو بكتيري”.

وبيّن أن الظروف المناخية التي شهدتها المنطقة هذا الموسم أسهمت بشكل مباشر في زيادة انتشار المرض، مضيفًا أنها وفّرت بيئة مناسبة لتطور الإصابات وانتقالها بسرعة داخل الحقول وبين المناطق الزراعية.

وأوضح أن المرض ينتشر بشكل متسارع بمجرد ظهوره، ما يؤدي إلى تراجع واضح في حيوية النباتات وإنتاجيتها، لافتاً إلى أن بعض الحقول سجلت نسب تضرر كاملة.

التجار: الإنتاج المتراجع سينعكس على السوق

على صعيد السوق، قال التاجر محمد الإبراهيم، إن تراجع إنتاج الكمون هذا الموسم قد يؤدي إلى انخفاض الكميات المطروحة في الأسواق، ما سينعكس على الأسعار خلال الفترة المقبلة.

وأضاف أن “المزارعين كانوا يعولون على موسم جيد، لكن حجم الأضرار سيؤثر بشكل مباشر على حركة البيع والشراء”، مشيرًا إلى أن “أي تراجع في الإنتاج عادة ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع، خاصة إذا ترافق مع وجود طلب على التصدير”.

وأوضح أن الكمون السوري يحظى بطلب في الأسواق الخارجية، لكن حجم التصدير يبقى مرتبطًا بوفرة الإنتاج وجودته، لافتًا إلى أن خسائر هذا الموسم قد تحد من قدرة المزارعين والتجار على الاستفادة من ارتفاع الأسعار.

بين الخسائر والمخاوف

ورغم استمرار بعض الحقول بإنتاج كميات محدودة، يرى مزارعون في ريف الحسكة أن الموسم الحالي شكّل انتكاسة جديدة لزراعة الكمون، بعد الآمال التي علقت على تحسن الأمطار هذا العام.

ويقول المزارعون الذين التقتهم عنب بلدي إن استمرار الخسائر وتكرار الإصابات الزراعية قد يدفع كثيرين إلى تقليص المساحات المزروعة خلال المواسم المقبلة، خاصة في ظل غياب التعويضات وارتفاع تكاليف الإنتاج.

ويبقى مستقبل هذا المحصول، وفق مزارعين ومختصين، مرتبطًا بمدى استقرار الظروف المناخية وتوفر الإرشادات الزراعية والمبيدات المناسبة للحد من انتشار الأمراض، إلى جانب وجود أسواق قادرة على استيعاب الإنتاج وضمان عائد اقتصادي يخفف من حجم المخاطر التي يتحملها الفلاحون في الحسكة.

Related



إقرأ المزيد