عنب بلدي - 5/22/2026 10:06:18 AM - GMT (+2 )
تشهد أسواق الألبسة المستعملة المعروفة محليًا باسم “البالة” في مدينة الحسكة توسعًا متزايدًا خلال السنوات الأخيرة، مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية للأهالي، ما جعل هذه الأسواق وجهة رئيسية لآلاف العائلات الباحثة عن بدائل أقل تكلفة مقارنة بالألبسة الجديدة.
وباتت محال “البالة” جزءًا أساسيًا من الحركة التجارية في المدينة، بعدما كانت قبل سنوات تقتصر على عدد محدود من “العبّارات” والمحلات الصغيرة التي تستهدف شريحة ضيقة من السكان، في حين أصبحت اليوم تستقطب مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، بالتزامن مع تبدل المواسم واقتراب فصل الصيف، حيث يزداد الطلب على الألبسة الخفيفة وألبسة الأطفال.
وتنتشر أسواق الألبسة المستعملة في عدة مناطق بمدينة الحسكة، أبرزها شارع يوسف العظمة الملاصق لشارع فلسطين، وشارع الجامع الكبير، وشارع المكتبات الممتد من الساحة المركزية باتجاه دوار البلدية، إضافة إلى شارع سينما القاهرة، ومنطقة جنوب سوق الهال القديم قرب دوار كراج سرافيس غويران.
كما توسعت تجارة “البالة” داخل الأحياء السكنية، عبر افتتاح عشرات المحال والمنازل التي تعرض الألبسة المستعملة بأسعار متفاوتة، ما جعلها جزءًا من النشاط الاقتصادي اليومي في المدينة وريفها.
ازدحام مع تبدل المواسمتشهد أسواق “البالة” في الحسكة حركة نشطة مع تبدل الفصول، إذ يقصدها الأهالي لشراء الملابس المناسبة لتبدّل الفصول، خاصة الألبسة القطنية وأحذية الأطفال، بأسعار أقل من مثيلاتها الجديدة في الأسواق النظامية.
وتتراوح أسعار القطعة الواحدة من الألبسة المستعملة بين 10 آلاف و50 ألف ليرة سورية، بحسب نوع القطعة وجودتها والعلامة التجارية الخاصة بها، إضافة إلى الفئة العمرية المخصصة لها، بينما تصل أسعار بعض الأحذية والقطع ذات الجودة العالية إلى أكثر من 200 ألف ليرة سورية.
ورغم أن الهدف الرئيسي لغالبية المتسوقين هو البحث عن الأسعار الأرخص، إلا أن بعض أنواع “البالة” الأوروبية أصبحت مرتفعة التكاليف، خصوصًا القطع ذات الجودة العالية أو الماركات المعروفة، حتى إن أسعار بعضها تتجاوز أحيانًا أسعار الألبسة الجديدة المحلية.
بائع: الطلب يتزايد عامًا بعد آخرقال بائع الألبسة المستعملة، محمود الخلف، وهو صاحب محل في الحسكة، إن الإقبال على “البالة” تضاعف بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف لعنب بلدي أن السوق كان سابقًا يعتمد على ذوي الدخل المحدود فقط، “أما اليوم فحتى أصحاب الدخل المتوسط باتوا يشترون من البالة بسبب ارتفاع أسعار الألبسة الجديدة بشكل كبير”.
وأوضح أن حركة البيع تنشط مع تبدل المواسم وقبل الأعياد وبداية المدارس، مشيرًا إلى أن بعض الزبائن يبحثون عن الجودة أكثر من السعر، خاصة في الألبسة الأوروبية.
وقال، “هناك قطع أوروبية ممتازة تعيش سنوات طويلة، لذلك يفضّلها الناس على بعض الأنواع الجديدة الموجودة في الأسواق”، لافتًا إلى أن بعض القطع المستوردة تكون مرتفعة الثمن “لكنها تبقى ذات جودة أعلى”.
وبيّن الخلف أن الأسعار تختلف بحسب مصدر البضاعة وفرزها، إذ تُباع بعض القطع ضمن “تنزيلات” أو عبر البسطات بأسعار منخفضة، بينما تُعرض القطع ذات الجودة العالية داخل المحال بأسعار أكبر.
البحث عن الأرخصمن جهته، قال أحمد العلي، وهو موظف وأب لأربعة أطفال، إن “البالة” أصبحت الخيار الوحيد بالنسبة لكثير من العائلات.
وأضاف أن شراء ملابس جديدة لجميع أفراد الأسرة بات يحتاج إلى مبالغ لا تتناسب مع مستوى الدخل، لذلك يضطر كثيرون للبحث عن القطع الأرخص.
وأوضح أن أسعار الملابس الجديدة في الأسواق “مرتفعة جدًا”، خاصة مع تراجع القدرة الشرائية، في حين يمكن الحصول على عدة قطع مستعملة بالمبلغ نفسه الذي يُدفع لقاء قطعة جديدة واحدة.
وأشار إلى أن كثيرًا من الأهالي يفضّلون شراء الملابس الأوروبية المستعملة بسبب جودتها، رغم أن بعضها لم يعد رخيصًا كما كان في السابق.
سيدة: المهم أن تكون بحالة جيدةبدورها، قالت هناء المحمد، وهي نازحة تقيم في الحسكة منذ عدة سنوات، إنها تعتمد بشكل شبه كامل على أسواق “البالة” لتأمين احتياجات أطفالها.
وأضافت أن القدرة الشرائية لمعظم العائلات النازحة والفقيرة لا تسمح بشراء الألبسة الجديدة باستمرار، خاصة مع تعدد متطلبات المعيشة وارتفاع أسعار الغذاء.
وأوضحت أن بعض المحال تعرض قطعًا بحالة جيدة جدًا، “حتى إن بعضها يبدو جديدًا”، مشيرة إلى أنها تفضّل شراء الملابس الأوروبية المستعملة لأنها “أكثر جودة وتحملًا”.
لكنها لفتت في الوقت نفسه إلى أن أسعار بعض القطع أصبحت مرتفعة، خاصة الأحذية والقطع ذات الماركات المعروفة، “وفي أحيان كثيرة نجد أن سعر القطعة المستعملة يقترب من سعر الجديدة”.
خبير اقتصادي: انعكاس مباشر لتراجع القدرة الشرائيةويرى الخبير الاقتصادي فراس العبد الله أن اتساع أسواق “البالة” في الحسكة وبقية المدن السورية يعكس بشكل مباشر تدهور الوضع المعيشي وتراجع القدرة الشرائية لدى السكان.
وقال لعنب بلدي إن الألبسة المستعملة تحولت من سوق هامشية إلى جزء رئيسي من الاقتصاد المحلي، نتيجة الفجوة الكبيرة بين الدخل والأسعار.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الألبسة الجديدة يعود إلى عدة عوامل، من بينها تكاليف الاستيراد والنقل وارتفاع أسعار المحروقات وتراجع الإنتاج المحلي، ما دفع شريحة واسعة من السكان إلى الاعتماد على البدائل الأرخص.
وأشار إلى أن انتشار “البالة” لا يقتصر على الفئات الأشد فقرًا فقط، بل يشمل أيضًا الطبقة المتوسطة التي تضررت خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن بعض أنواع “البالة” الأوروبية باتت تصنف ضمن السلع مرتفعة السعر بسبب جودتها العالية والطلب المتزايد عليها، “حتى إن بعض القطع تُباع بأسعار تفوق الملابس الجديدة المحلية”.
وبيّن العبد الله أن وجود عدد كبير من العائلات النازحة في الحسكة، إضافة إلى الأسر القادمة من الأرياف الفقيرة، ساهم في زيادة الطلب على الألبسة المستعملة، باعتبارها الخيار الأكثر ملاءمة من الناحية الاقتصادية.
ورغم الانتقادات التي تُوجَّه أحيانًا لهذه الأسواق من ناحية جودة بعض البضائع أو غياب الرقابة الكافية عليها، فإنها ما تزال تشكل متنفسًا اقتصاديًا لآلاف العائلات التي تجد فيها فرصة لتأمين احتياجاتها الأساسية من الملابس، في ظل ظروف معيشية متدهورة وارتفاع متواصل في الأسعار.
Related
إقرأ المزيد


