هل تنجح استراتيجية الشرع في جذب الاستثمارات؟
عنب بلدي -

منذ تسلمه مقاليد الحكم، عقد الرئيس السوري، أحمد الشرع، عدة لقاءات جمعته بمجموعة واسعة من كبار رجال الأعمال والخبراء الاقتصاديين والمستثمرين السوريين والعرب والأجانب.

على الصعيد المحلي، اجتمع الشرع مع عدد من الصناعيين السوريين، ورجال الأعمال من بينهم وليد الزعبي وموفق قداح وأنس الكزبري وغسان عبود ووفيق رضا سعيد وأيمن أصفري، بالإضافة إلى رجال الأعمال السوريين المقيمين في الإمارات والأردن ومصر والصين وبريطانيا.

أما على الصعيد الدولي، فقد التقى الشرع بعدد من رجال الأعمال من الأردن والصين والولايات المتحدة والكويت وتركيا والسعودية وبريطانيا وفرنسا، إضافة إلى وفود من شركات ألمانية وسعودية، كما التقى بأعضاء غرفة التجارة الأمريكية في واشنطن ووفد من غرفة تجارة وصناعة قطر.

فيما يخص الشركات، التقى الرئيس الشرع بفريق من مجموعة “CMA CGM” الفرنسية، والرئيس التنفيذي لشركة الاتصالات السعودية (STC)، ونائب محافظ صندوق الاستثمارات العامة في السعودية، ورئيسي مجلس إدارة كل من البنك السعودي الفرنسي (BSF) ومصرف الإنماء، بالإضافة إلى رئيس مجموعة “GKSD” القابضة للاستثمار، ورئيس مجموعة مستشفيات “سان دوناتو” التابعة للمعهد العلمي للبحوث والاستثمار والرعاية الصحية.

ومؤخرًا، التقى الرئيس أحمد الشرع بعدد من أبرز رجال الأعمال والمستثمرين، من بينهم رجل الأعمال التركي فتاح تامنجي، والمصري حسن علام.

الإماراتيون.. الحضور الأبرز

رجال الأعمال والمستثمرون الإماراتيون كان حضورهم هو الأبرز، بينهم خلف الحبتور، ومحمد العبار ومحمد إبراهيم الشيباني، في خطوة تعكس مرحلة جديدة في العلاقات السورية- الإماراتية.

ترجمت هذه اللقاءات خلال المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي، الذي طُرحت فيه مجموعة من الفرص الاستثمارية، في ⁠قطاعات الطاقة والتطوير العقاري والسياحة والبنية التحتية والطيران والاتصالات والخدمات اللوجستية، وسط اهتمام واضح من المستثمرين الإماراتيين بالسوق السورية.

كما اتفق الجانبان على تشكيل ⁠وفد فني سوري سيزور الإمارات في الفترة المقبلة لوضع خطة شاملة وخارطة طريق لتنفيذ الاتفاقات.

هذه اللقاءات تثير تساؤلات حول دوافع تكثيف التواصل مع رجال الأعمال في هذا التوقيت، وما إذا كانت تمهّد لمرحلة اقتصادية جديدة تقوم على تعزيز التعاون مع القطاع الخاص والمستثمرين العرب.

كما تعكس عودة اهتمام رجال الأعمال العرب بالسوق السورية والانخراط مجددًا في الفرص الاستثمارية، بعد سنوات من الجمود الاقتصادي والسياسي.

مرحلة لجذب المال وتحريك الاستثمار

يرى الخبير الاقتصادي والباحث في شركة “كرم شعار للاستشارات” ملهم الجزماتي، أن تكثيف لقاءات الرئيس أحمد الشرع مع رجال أعمال محليين وعرب، بأنه يعكس محاولة الحكومة السورية لنقل الملف الاقتصادي من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة جذب رأس المال وإعادة تحريك الاستثمار.

وقال الجزماتي، في حديث إلى عنب بلدي، إن من المهم عدم المبالغة في تفسير هذه اللقاءات، وحتى الآن، لا تزال الفجوة واضحة بين كثافة الإعلانات ومحدودية التنفيذ الفعلي.

خلال العام الحالي، جرى الإعلان عن عدد كبير من مذكرات التفاهم والعقود الاستثمارية، لكن نسبة ما انتقل منها إلى التنفيذ الفعلي لا تزال محدودة، وهذا يجعل المتابعة بعد التوقيع أكثر أهمية من الإعلان نفسه، فالمشكلة ليست في توقيع مذكرات تفاهم جديدة، بل في القدرة على تحويلها إلى مشاريع ممولة، ومرخصة، وقابلة للتنفيذ ضمن جدول زمني واضح، وفقًا للجزماتي.

وأضاف الخبير الاقتصادي أن هذه اللقاءات تعكس توجهًا نحو إعطاء القطاع الخاص دورًا أكبر في التعافي الاقتصادي، وهذا أمر مفهوم في بلد خرج من حرب طويلة ويعاني من ضعف شديد في الموارد العامة، لكن لا يجب أن يتحول هذا التوجه إلى افتراض أن القطاع الخاص وحده قادر على قيادة التنمية.

واستعرض الجزماتي قطاعات ومشاريع لا يفضّل المستثمر الخاص الدخول فيها لأنها لا تحقق عائدًا ماليًا سريعًا أو مرتفعًا، رغم أن أثرها على حياة المواطنين كبير جدًا، مثل خدمات المياه، الصرف الصحي، النقل العام، المدارس، المستشفيات، شبكات الكهرباء المحلية، وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية في المناطق الأكثر تضررًا.

لذلك، وبحسب الجزماتي، المطلوب ليس فقط جذب المستثمرين إلى المشاريع الرابحة، بل بناء توازن بين الاستثمار الخاص والمشاريع التنموية ذات الأثر الاجتماعي.

رؤية المستثمر العربي للمشاريع في سوريا

أوضح الجزماتي أن انخراط رجال الأعمال العرب يشير إلى أن سوريا بدأت تعود تدريجيًا إلى الخريطة الاقتصادية الإقليمية، وأن هناك استعدادًا عربيًا لاختبار السوق السورية بعد سنوات من الجمود والعزلة.

وأضاف أن مذكرات التفاهم والعقود الاستثمارية عكست تحولًا في هوية المستثمرين، بحضور واضح لشركات سعودية وتركية وإماراتية وكويتية وقطرية، مقارنة بالحقبة السابقة التي هيمنت فيها روسيا وإيران على قطاعات ريعية مثل الفوسفات والمرافئ والطاقة، موضحًا أن هذه الدلالة تبقى سياسية واقتصادية في آن واحد فهي إشارة ثقة أولية، وليست بعدُ دليلًا على تدفق استثماري واسع أو مستقر.

وحول القطاعات الأكثر جذبًا للمستثمر العربي اليوم، أشار الخبير الجزماتي إلى أنها تبدو مرتبطة بالعائد السريع وحجم الطلب، مثل التطوير العقاري، السياحة والفنادق، الطاقة، مواد البناء، الخدمات اللوجستية، البنية التحتية، والاتصالات، مؤكدًا أن هذه القطاعات مفهومة من منظور المستثمر، لأنها ترتبط بإعادة الإعمار وبفجوة كبيرة في السوق.

ونوه الجزماتي إلى أن الخطر يكمن في تركيز الاستثمار فقط على المشاريع ذات الجدوى التجارية العالية، بينما تبقى القطاعات الخدمية الأساسية خارج دائرة الاهتمام، لذلك، يفترض أن تلعب الدولة دورًا توجيهيًا لا يكتفي باستقبال عروض المستثمرين، بل يحدد أولويات وطنية واضحة: أين نحتاج الاستثمار؟ ما المناطق الأكثر حاجة؟ وما نوع المشاريع التي تحقق أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا في الوقت نفسه؟

هل البيئة جاهزة؟

فيما يتعلق بجاهزية البيئة الاقتصادية في سوريا، يرى الجزماتي أنها جاهزية جزئية وليست كاملة، مشيرًا إلى وجود فرص كبيرة وحاجة ملحة للاستثمار.

لكنه أشار إلى أن البيئة المؤسسية لا تزال تواجه ثلاثة تحديات رئيسة: البيروقراطية، تداخل أدوار المؤسسات الحكومية، وعدم وضوح الرؤية التنفيذية.

فالمستثمر لا يواجه فقط سؤال الجدوى الاقتصادية، بحسب الجزماتي، بل يواجه أيضًا سؤالًا إداريًا: من الجهة صاحبة القرار؟ هل القرار بيد الوزارة، أم المحافظة، أم هيئة الاستثمار، أم البلدية، أم جهة قطاعية أخرى؟

هذا التداخل يرفع كلفة الدخول إلى السوق، ويطيل زمن الترخيص، ويجعل المستثمر مترددًا حتى عندما تكون الفرصة الاقتصادية مغرية.

وختم الجزماتي بقوله إن أبرز ما يحتاجه المستثمر ليس الإعفاءات فقط، بل الوضوح، إلى جانب مسار ترخيص محدد، وجهة حكومية واحدة مسؤولة عن المتابعة، وقانون استثمار مستقر، وضمانات لتحويل الأرباح، وحماية واضحة لحقوق الملكية، وآليات تحكيم وحل نزاعات، وشفافية في العقود والمناقصات.

وأشار أيضًا إلى أهمية توفير بيانات رسمية عن المشاريع، لا مجرد عناوين عامة، فالمستثمر الجاد لا يدخل بناء على اللقاءات السياسية وحدها، بل على وضوح المخاطر، واستقرار القواعد، وقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها.

Related



إقرأ المزيد