بين السياسة والامتحان.. من يحمي طلاب السويداء؟
عنب بلدي -

أحمد عسيلي

بقي أسبوعان فقط على بدء امتحانات الشهادتين الإعدادية والثانوية المقرر إجراؤها خلال حزيران المقبل، وقت يمر عادة بشكل ثقيل على طلاب هاتين الشهادتين، يعانون خلاله من ضغط نفسي رهيب ومخاوف متعددة، لكنه يحمل ثقلًا أشد وإرباكًا أكثر قساوة على طلاب محافظة السويداء، فلا تزال إلى الآن قضيتهم عالقة وسط حالة من الشد والجذب بين السلطة في دمشق والقوى المحلية المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري، في مشهد يتجاوز البعد التعليمي البحت، ليكشف حجم التوتر وفقدان الثقة الذي لا يزال يحكم العلاقة بين السوريين ومؤسساتهم العامة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

للأسف، دخلت قضية امتحانات طلاب السويداء، ككل شيء تقريبًا في هذا البلد المنهك، في لعبة السياسة والهوية وكسر العظم بين القوى المختلفة، فجأة، لم يعد الحديث يدور حول آلاف الطلاب القلقين على مستقبلهم، بل حول السيادة والشرعية ومن يفرض شروطه على الآخر، وكأن السوريين أمام معركة سياسية كبرى لا أمام أزمة تعليمية وإنسانية تحتاج إلى حلول عملية وسريعة.

بداية، لا بد من طرح المشكلة كما هي، بعيدًا عن الاصطفافات المعتادة، نحن نتحدث عن حوالي 13 ألف طالب وطالبة لهم حق طبيعي وأساسي في متابعة تحصيلهم العلمي وتقديم امتحاناتهم كبقية الطلاب السوريين، وفي المقابل، هناك بالفعل حالة انعدام ثقة من السلطة المركزية تجاه إمكانية سير العملية الامتحانية بشكل شفاف داخل المحافظة، وهي مخاوف لا يمكن تجاهلها بالكامل في ظل سيطرة القوى المحلية المسلحة على المشهد، كذلك، هناك مخاوف حقيقية تتعلق بسلامة المراقبين أو الكوادر القادمة من خارج المحافظة، خصوصًا بعد انتشار تهديدات مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من بعض المسلحين المحليين.

وفي الجهة المقابلة أيضًا، تبدو المخاوف المتعلقة بإخراج هذا العدد الكبير من الطلاب يوميًا من السويداء إلى دمشق أو ريفها مخاوف واقعية ومنطقية بدورها، سواء بسبب صعوبات النقل أو غياب البنية اللوجستية المناسبة أو القلق الطبيعي لدى الأهالي على أبنائهم، وبالتالي، فإن إنكار أي من هذه المخاوف أو التعامل معها بخفة لا يساعد فعليًا على الوصول إلى حل، بل يدفع الجميع أكثر نحو التصلب والانغلاق.

المشكلة أن كل طرف يتمسك عمليًا بنصف الرواية الذي يناسب موقعه السياسي ويتجاهل النصف الآخر بالكامل، فمؤيدو السلطة يركزون على مسألة الشفافية وهيبة الدولة وأمن المراقبين، بينما يركز مؤيدو الهجري أو المعارضون للسلطة بشكل عام، على صعوبة نقل الطلاب وغياب الضمانات الكافية لهم، وكأن الاعتراف بمخاوف الطرف المقابل أصبح نوعًا من التراجع أو الهزيمة المعنوية، وهنا تحديدًا تظهر المشكلة الأعمق التي نعيشها اليوم: لم نعد نتعامل مع القضايا بوصفها مشكلات تحتاج إلى حلول، بل بوصفها معارك لإثبات صحة موقف سياسي مسبق.

ما نعيشه اليوم في سوريا يبدو، إلى حد بعيد، توحشًا للسياسة نفسها، فقد أصبحت السياسة قادرة على ابتلاع كل شيء تقريبًا، حتى التفاصيل اليومية البسيطة، وبات السوري عاجزًا عن النظر إلى أي قضية خارج منطق الاصطفاف والانحياز المسبق، فكل موقف يُقرأ فورًا بوصفه إعلان ولاء أو خصومة، وكل نقاش يتحول بسرعة إلى معركة رمزية، حتى الاحتجاجات الطلابية التي خرجت للمطالبة بحقوق واضحة ومباشرة، جرى سريعًا سحبها نحو شعارات وقضايا سياسية أخرى، وكأن المجتمع لم يعد قادرًا على إبقاء أي قضية ضمن حدودها الطبيعية.

ولعل أخطر ما كشفته هذه الأزمة هو غياب العقلية التفاوضية تقريبًا، فلم يظهر ضغط اجتماعي حقيقي باتجاه حل وسط أو ترتيبات مؤقتة وعملية، بل بدا وكأن أي اقتراح جزئي يُعامل فورًا باعتباره انتصارًا لطرف وهزيمة لطرف آخر، وهنا ربما يظهر الدور الذي يفترض أن يلعبه العقلاء والتكنوقراط من الجهتين (أرجو أن يكون لهم وجود)، أي الأشخاص القادرون على الفصل بين الموقف السياسي وبين المشكلة العملية نفسها، وعدم استغلال كل قضية لإعادة تأكيد الاصطفاف السياسي المعتاد.

نحن بحاجة اليوم إلى أشخاص يهتمون فعلًا بمستقبل هؤلاء الطلاب، لا تحويلهم إلى أدوات داخل معركة أكبر منهم، وبحاجة أيضًا إلى قدر من النضج يسمح لنا بفصل القضايا عن بعضها، فإيجاد حل عملي ومؤقت لامتحانات الطلاب لا يعني انتصار السلطة، كما لا يعني انتصار الهجري أو القوى المحلية، بل يعني ببساطة أن المجتمع لا يزال قادرًا على حماية بعض تفاصيل حياته اليومية من الانهيار الكامل تحت ثقل الصراع السياسي.

وفي المقابل، تبقى مسؤولية الدولة أساسية أيضًا، فطلاب السويداء، مهما كانت مواقف بعض القوى المحلية أو بعض الخطابات السياسية داخل المحافظة، يبقون في النهاية طلابًا سوريين، ومن واجب الدولة، بوصفها المعبرة عن الأب الرمزي، أن تبحث عن الطرق الممكنة لحمايتهم وضمان تعليمهم، وإذا كانت الدولة قد فشلت حتى الآن في احتواء المحافظة وإعادة بناء علاقتها الطبيعية معها، وهو تأخر قد يراه البعض مفهومًا بسبب حساسية الوضع وتعقيداته، فإن تحول هذا الفشل السياسي إلى خطر يهدد مستقبل آلاف الطلاب سيكون فشلًا إضافيًا لا يمكن التعامل معه بخفة.

فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض السيطرة، بل أيضًا بقدرتها على حماية الحياة اليومية للناس، وربما تكون القدرة على حماية التعليم ومستقبل الطلاب، في هذه المرحلة الحساسة تحديدًا، واحدة من أهم وظائف الدولة ومعايير وجودها أصلًا.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد