عنب بلدي – السويداء
تتجه محافظة السويداء، جنوبي سوريا، هذا العام، لاستقبال عيد الأضحى بمشهد مختلف عن الأعوام السابقة، إذ تغيب مظاهر الفرح والاحتفال التي اعتادها الأهالي، لتحل مكانها أجواء من الحزن والمواساة الجماعية، في ظل تداعيات أحداث تموز الدامية وما خلّفته من خسائر إنسانية واجتماعية، والتي ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على تفاصيل الحياة اليومية في المحافظة.
في هذا الوقت من كل عام، عادة ما تكون الأسواق والساحات العامة تستعد لاستقبال العيد بزينة المحال، وحركة شراء الملابس والحلويات، وأصوات الأطفال والمفرقعات، أما هذا العام فبدا أكثر هدوءًا وثقلًا.
في السنوات السابقة، كان الأهالي يقبلون على شراء الملابس الجديدة للأطفال، والحلويات والسكاكر، إلى جانب تحضير مستلزمات الضيافة المنزلية، فيما كانت كثير من العائلات تجتمع لإعداد حلويات العيد التقليدية، ولا سيما “المعمول”، في أجواء اعتادتها الأسر.
اليوم الذي يسبق العيد، كان يحمل طقسًا اجتماعيًا خاصًا في كل قرى المحافظة، إذ يجتمع الأهالي في “موقف القرية” لتبادل التعازي بمتوفّي القرية خلال العام، وخلال أيام العيد يتبادل الأقارب والأصدقاء الزيارات، ويخرج الأطفال منذ ساعات الصباح لجمع “العيدية”، وللعب في الحدائق والساحات العامة، وسط أصوات المفرقعات التي لطالما ارتبطت بأجواء العيد.
هذا العام، سيبدو المشهد مختلفًا إلى حد كبير، في ظل توجه لإلغاء الاحتفالات والاكتفاء بالشعائر الدينية والزيارات العائلية المحدودة وتبادل التعازي.
إلغاء مظاهر الاحتفالانتشرت دعوات محلية، خلال الأيام الماضية، في مختلف مناطق المحافظة، من بينها صلخد وريفها وشهبا، وبكا والقريا وغيرها، وحملت طابعًا واضحًا يدعو إلى إلغاء مظاهر الاحتفال والاكتفاء بالشعائر الدينية والزيارات العائلية المحدودة وتبادل التعازي، مراعاة لمشاعر العائلات التي فقدت أبناءها أو لا تزال تنتظر خبرًا عن مفقوديها ومغيّبيها.
وجرى التشديد على الامتناع عن إطلاق الألعاب النارية والمفرقعات وحظر بيعها، أو إقامة أي فعاليات احتفالية، في محاولة للحفاظ على حالة التضامن الاجتماعي واحترام مشاعر العائلات المتضررة.
كما برزت مبادرات أهلية تدعو إلى تخصيص اليوم الأول من عيد الأضحى لاستقبال التعازي وفتح مضافات محددة أمام الأهالي والمعزين، وإلى وقفات للمطالبة بكشف مصير عشرات الأشخاص الذين لا يزال مصيرهم مجهولًا وإضاءة الشموع.
من جانبه، طالب الرئيس الروحي للطائفة الدرزية، حكمت الهجري، أهالي السويداء بالاقتصار على المراسم والطقوس الدينية في الأماكن المخصصة لها، خلال الاحتفال بعيد الأضحى، احترامًا لـ”مشاعر الحزن والألم والفراق المشتركة في كل بيت من بيوت الجبل”.
ويعتبر الهجري الشخصية الممسكة بزمام أمور المحافظة، إداريًا وعسكريًا ومجتمعيًا.
أجواء عادية في الأسواقفي الأسواق أيضًا، تبدو آثار هذه الأوضاع واضحة، وهو ما رصدته عنب بلدي في جولة داخل أسواق مدينة السويداء، إذ يلاحظ انخفاض كمية البضائع المرتبطة بالأعياد، مثل الحلويات والسكاكر والمستلزمات الخاصة بالمناسبة.
وبقي شكل السوق أقرب إلى الأيام العادية، من بضائع معروضة وأهالٍ يكتفون بالمشاهدة دون قدرة حقيقية على الشراء.
قال أحد التجار، إن الحركة التجارية هذا الموسم “قليلة وضعيفة جدًا”، موضحًا أن السبب لا يرتبط بحالة الحداد فقط بل بالأزمة الاقتصادية الخانقة ونقص السيولة في أيدي المواطنين، ما جعل شراء اللحوم أو الفواكه بالنسبة لكثير من الأسر نوعًا من الرفاهية.
والدة أحد المفقودين، اختصرت حال كثير من العائلات هذا العام بقولها: “ما في عيد وابني بعيد”.
عبارة قصيرة، لكنها تختزن شعورًا عامًا يخيّم على المحافظة، حيث باتت فرحة العيد غائبة بالنسبة لكثير من الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن أو ما زلن ينتظرن عودتهم.
وأشارت إحدى الأمهات إلى أنها ورغم وجود أطفال لديها وحرصهم المعتاد على أجواء العيد وطقوسه، وجدت نفسها مضطرة هذا العام لشرح طبيعة الظروف التي تمر بها المحافظة، مؤكدة أن أطفالها “تفهّموا الأمر ولم يعترضوا”، ما يعكس حجم الإدراك حتى لدى الصغار، لحجم الحزن.
بعد أحداث تموز7بين حداد العائلات، وركود الأسواق، وغياب مظاهر الفرح، يبدو عيد الأضحى في السويداء هذا العام أبعد عن اعتباره مناسبة للفرح، في محافظة لا تزال تحاول التعافي من آثار أحداث تركت جراحًا مفتوحة في ذاكرة أهلها.
ويأتي عيد الأضحى هذا العام بعد أقل من سنة على أحداث تموز الدامية عام 2025، التي جاءت عقب توترات بين فصائل محلية وعشائر من البدو، والتي خلّفت قتلى من الطرفين.
وزاد التوتر عقب التدخل الحكومي، في حين تدخلت إسرائيل مستهدفة قوى الأمن الحكومية في السويداء، ومبنى وزارة الدفاع وجوار القصر الرئيس بدمشق، لينخفض التصعيد بعدها إثر تدخل دولي.
Related


