قصر “ابن وردان” بحماة.. حصن “جستنيان” وحكاية ماء الورد
عنب بلدي -

في عمق البادية السورية، وتحديدًا في ريف حماة الشرقي، يبرز قصر “ابن وردان” كحالة فريدة، إذ يجمع بين عظمة العمارة البيزنطية الإمبراطورية وغموض أسطورة محلية، ليبقى اسمه وحكايته مثار تساؤل حتى اليوم.

رغم أن الموقع يعد من أهم الشواهد على الحقبة البيزنطية في سوريا، فإن الكثير من تفاصيله لا تزال مجهولة، وتتعدد الروايات حول أصل تسميته وقصة بنائه، ما يفتح الباب أمام تداخل السردية التاريخية مع الخيال الشعبي.

موقع على حدود إمبراطورية

يقع القصر على بُعد حوالي 60 كيلومترًا شمال شرق مدينة حماة، بالقرب من بلدة الحمرا، في موقع استراتيجي كان يمثل قديمًا أحد خطوط الدفاع الأمامية للإمبراطورية البيزنطية.

يعود تاريخ تشييده إلى القرن السادس الميلادي، وتحديدًا في عهد الإمبراطور جستنيان الأول، حيث تشير المصادر التاريخية إلى أن بناءه تم بين عامي 561 و572 م.

تتعدد الروايات حول أصل تسمية “ابن وردان” في ظل غياب توثيق تاريخي قديم يحدد مصدر الاسم.

تميل الرواية الأرجح إلى أن التسمية حديثة نسبيًا، بحسب موسوعة الآثار في سوريا، التي جاء فيها أن التسمية تعود لشيخ قبيلة بدوية سكن المنطقة في فترة متأخرة، فنُسب المكان إليه.

في المقابل، كان الموقع يُعرف قديمًا باسم “دير الأقواس”، بحسب ما ذكره كتاب “الرمال العربية” للرحالة البريطاني ويلفريد ثيسيغر، وذلك بسبب كثرة وجمال أقواسه المعمارية.

بين هاتين الروايتين، لا يوجد توثيق قاطع في المصادر القديمة كمعجم ياقوت الحموي، ما يترك الباب مفتوحًا أمام التفسيرات، ويعكس مرحلتين من تاريخ الموقع، قديمة وحديثة.

تحفة معمارية من زمن “جستنيان”

تذكر الدراسات الأثرية، ومنها بعثة أمريكية من جامعة “برنستون” زارت الموقع في عشرينيات القرن الماضي، أن القصر عبارة عن مجمع متكامل، شُيد بأمر من الإمبراطور جستنيان الأول، ويُعتقد أن المهندس اليوناني إيزيدور ميليتس هو من صممه.

يتكون المجمع من ثلاثة أبنية رئيسة، القصر نفسه، والكنيسة إلى الغرب منه، والثكنة العسكرية إلى الجنوب الشرقي، لتشكل معًا مجمعًا عسكريًا وإداريًا ودينيًا.

ما يميز عمارة القصر هو طرازه الفريد الذي لا يوجد له مثيل في سوريا، فهو مبني بأسلوب “الأبلق”، حيث يتناوب فيه الحجر البازلتي الأسود مع الآجر (القرميد) الأصفر.

هذا التباين اللوني اللافت يمنح الجدران متانة وجمالية بصرية استثنائية، ويجعله نموذجًا نادرًا للعمارة البيزنطية الملكية خارج العاصمة القسطنطينية، ممزوجًا بمواد بناء محلية.

على مدخل القصر والكنيسة، لا تزال النقوش والكتابات باليونانية القديمة شاهدة على تاريخه، حيث تؤرخ إحداها انتهاء البناء بعام 564 م، وتذكر أخرى عبارة “هذا هو الباب الذي صنعه الرب، يدخله الأبرار”. هذه التفاصيل تنقل الزائر إلى حقبة كانت فيها هذه البقعة من البادية السورية مركزًا حيويًا على تخوم إمبراطورية، بحسب رئيس البعثة الأثرية الأمريكية من جامعة “برنستون”.

القصر “المعجون” بالمسك

بعيدًا عن الحقائق التاريخية، تبقى أشهر حكاية مرتبطة بالقصر هي الأسطورة الشعبية التي تروي قصة بنائه بماء الورد والمسك، إذ يروي أهالي المنطقة، كما جاء في كتاب “الرمال العربية”، أن أحد الملوك، بعد أن تنبأ له العرافون بأن ابنه الوحيد سيموت بلدغة عقرب، أمر ببناء قصر منيع من طين معجون بماء الورد والمسك لطرد الحشرات والعقارب. ورغم أن القدر نفذ حكمه، تقول الأسطورة إن جدران القصر ما زالت تفوح منها رائحة عطرة عند هطول الأمطار.

لا يجد الباحثون أي دليل علمي يثبت صحة هذه القصة، مرجحين أن ما يميز رائحة المكان بعد المطر هو تفاعل المياه مع نوعية الحجارة والتربة، وليس أثر ماء الورد في الملاط القديم. ومع ذلك، تظل هذه الحكاية جزءًا لا يتجزأ من هوية الموقع الثقافية وسحره الخاص.

شاهد على التحولات

اليوم، يُنظر إلى قصر “ابن وردان” كأحد المواقع الأثرية التي تجمع بين صفتين متناقضتين، فهو من جهة شاهد حي على فترة الإمبراطورية البيزنطية، ويمثل حدًا فاصلًا في تاريخ العمارة بين العهدين البيزنطي والإسلامي، ومن جهة أخرى يحمل اسمًا وحكاية محليين لا يمتان بصلة لتلك الحقبة، ما يجعله جزءًا من ذاكرة البادية السورية المعاصرة.

وربما ما يميز قصر “ابن وردان” ليس فقط تاريخه الإمبراطوري أو هندسته الفريدة، بل قصته ذاتها، التي يمر بها الزائر متأرجحًا بين التاريخ وغواية الأسطورة، اسم غامض وبقايا حصن مهيب في قلب البادية، تخلق شعورًا خفيفًا بالغرابة، وتدفع للتساؤل عن الحكايات التي لا تزال جدرانه تهمس بها.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد