مزارعو الرقة يتخوفون من تسعير القمح بالليرة وتقلب الدولار
عنب بلدي -

يتخوف المزارع محمد الأحمد من ريف محافظة الرقة الشمالي، من تقلبات سعر صرف الدولار بعد أن حددت الحكومة السورية سعر محصول القمح بالليرة. 

وقال المزارع محمد، لعنب بلدي، في 22 من أيار، إن تحديد سعر طن القمح بالليرة السورية يثير مخاوف المزارعين في محافظة الرقة، مشيرًا إلى أن تكاليف الإنتاج في المنطقة تحتسب جميعها بالدولار الأمريكي، بدءًا من الحراثة وحتى الحصاد. 

وأضاف أن الديون المترتبة على المزارعين لدى الصيدليات الزراعية وتجار الأسمدة مسعرة بالدولار الأمريكي، ما يجعل من الضروري تثبيت تسعيرة القمح بالدولار.  

وكانت وزارة الاقتصاد والصناعة قد حددت سعر طن القمح للموسم الحالي بـ46 ألف ليرة سورية، فيما أضافت رئاسة الجمهورية مبلغ 9 آلاف ليرة لكل طن مكافأةً للمزارعين عند توريد المحصول إلى مراكز استلام الحبوب داخل الجغرافيا السورية. 

وجاءت هذه المكافأة عقب احتجاجات شهدتها معظم المحافظات السورية رفضًا للتسعيرة المحددة. 

95% من أهالي الرقة يعتمدون على القمح

“عند احتساب هذا السعر مع المكافأة وفق سعر صرف الدولار الحالي، فإنه يعادل نحو 400 دولار، وهو سعر منخفض بالنسبة للمزارعين هذا عدا عن الارتفاع المستمر في سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية”، قال المزارع.

ويبلغ سعر الصرف حاليًا حاليًا حوالي 13,800 ليرة، وسط توقعات يتناقلها المزارعون من تقييم الاقتصاديين بشأن استمرار صعود سعر الصرف ليصل بعد شهر أو شهرين عند موعد تسليم المستحقات إلى 20 ألف ليرة.

وطالب المزارع بتثبيت سعر صرف الدولار عند مستوى معين عند احتساب ثمن القمح، أو تعويض المزارعين عن أي ارتفاع لاحق، لأنهم سيتحملون الخسارة في حال استمرار تقلب السعر”. 

“هذا الموسم يعد موسمًا رئيسيًا يعتمد عليه أكثر من 95% من سكان المنطقة، وخاصة في ريف الرقة الشمالي”، قال المزارع محمد، حيث يعتمد معظمهم على الزراعة ويتجه أغلبهم إلى زراعة القمح لكونه أقل تكلفة مقارنة بمحاصيل أخرى مثل الذرة الصفراء أو القطن.

وتشهد أسعار صرف الدولار خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة تقلبات أمام الليرة السورية، وعدم ثبات في سعره، مما يسبب اضطرابات في عملية البيع والشراء.

ومن جانبه، قال المزارع أحمد العلي إن استلام مستحقات القمح بالليرة السورية له تأثير كبير، مشيرًا إلى وجود تجارب سابقة تسببت بخسائر للتجار والمزارعين، خلال عامي 2021 و2022 تقريبًا.

وأوضح أنه جرى تسعير القمح حينها بـ2200 ليرة سورية، ما أدى إلى خسارة المزارعين في قيمة محاصيلهم، إضافة إلى خسائر كبيرة تكبدها التجار نتيجة تقلبات سعر الصرف، حيث كانت الليرة مرتفعة ثم انهارت قبل أن تتعافى جزئيًا، ما تسبب بفروقات كبيرة في القيمة.

“نحن نتحدث عن مئات الآلاف من المزارعين وملايين الأطنان من القمح”، أضاف المزارع، “ومن المتوقع أن تتراجع قيمة الليرة السورية إلى حدود 20 ألف، أو ربما 25 ألف ليرة مقابل الدولار. عندها ستنخفض القيمة الفعلية للمحصول إلى النصف تقريبًا”. 

وتبلغ مساحة الأراضي المزروعة بالقمح في محافظة الرقة 140 ألف هكتار، تروى النسبة الأكبر عبر مشاريع الري المنتشرة في محافظة الرقة بالإضافة إلى آلاف الهكتارات من القمح البعلي. 

وأشار العلي إلى خطورة ذلك قائلًا هذا يعني أن سعر القمح قد ينخفض إلى نحو 280 دولارًا للطن، في حال وصل سعر الصرف إلى 20 أو 25 ألف ليرة، رغم أن جميع مدخلات الإنتاج يتم شراؤها بالدولار”.

انتقادات للسياسات: ليست صحيحة

انتقد المزارع أحمد العلي السياسات الحالية، قائلًا: “يمكن اعتبار هذه السياسة غير صحيحة، لأن ضخ كميات كبيرة من الليرة في السوق يزيد الطلب على الدولار، وبالتالي يؤدي إلى تراجع قيمتها فالمزارع عندما يستلم مستحقاته بالليرة سيضطر لتحويلها إلى الدولار لتغطية نفقاته، ما يزيد الضغط على سوق الصرف”. 

جميع التكاليف التي يتحملها المزارع تدفع بالدولار، من أسمدة وأدوية وبذار وحتى أجور العمال والحراسة والرش، قال المزارع، لذلك سيلجأ حتما إلى شراء الدولار، وهذا “سيؤدي إلى مزيد من تدهور قيمة الليرة، وبالتالي انخفاض أكبر في القيمة الحقيقية للمحصول”.

من جهته، قال تاجر المواد الزراعية عمار الجروزي إن تسعيرة القمح بالليرة السورية لم تحقق أي فائدة، بل ألحقت ضررًا بالفلاحين والتجار على حد سواء، في ظل اعتماد كامل لتكاليف الإنتاج على الدولار.

وأوضح الجروزي لعنب بلدي أن جميع مستلزمات الزراعة، من أسمدة وبذور ومعدات تسعر بالدولار في حين يُفرض بيع المحصول بالليرة السورية، ما يخلق فجوة مالية واضحة، خاصة مع عدم استقرار سعر الصرف. 

وأشار إلى أن التجار يواجهون صعوبات إضافية نتيجة ديونهم بالدولار، وعدم وضوح مواعيد تسديد المستحقات، ما يزيد من مخاطر الخسارة مع احتمال ارتفاع سعر الدولار خلال فترة انتظار الدفع.

وأضاف أن السعر الرسمي للقمح، لا يعكس واقع السوق، حيث قد يضطر الفلاح إلى البيع بسعر أقل يصل إلى 350 دولارًا (إذا تراجعت الليرة). 

وحذر الجوزي من أن استمرار هذه السياسة سيؤدي إلى تراجع النشاط الزراعي والتجاري بشكل كبير، متوقعًا انخفاض حركة السوق بنسبة قد تصل إلى 90%، في حال عدم تعديل آلية التسعير. 

تحذيرات من تقلبات صرف الدولار 

بدوره، حذّر المهندس الزراعي هاني السلطان من الآثار السلبية لاستمرار تسعير المحاصيل الزراعية بالليرة السورية في ظل تقلبات سعر الصرف، مؤكدًا أن ذلك يحمّل الفلاح خسائر متزايدة، ويهدد مستقبل الإنتاج الزراعي، خاصة محصول القمح.

وأوضح السلطان أن معظم تكاليف الإنتاج أصبحت مرتبطة بالدولار، بما في ذلك تجهيز الأراضي، والأسمدة، والبذار وأجور العمال والمحروقات، في حين يجبر الفلاح على بيع محصوله بالليرة السورية، ما يخلق فجوة مالية واضحة.

وأضاف أن عدم استقرار سعر الصرف يمثل المشكلة الأبرز، مشيرًا إلى ارتفاع سعر الدولار خلال الشهرين الماضيين من نحو 12 ألف ليرة إلى 14 ألفًا، ما انعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج.

تكلفة تجهيز الأرض، التي كانت تعادل 100 دولار، ارتفعت من نحو 1.2 مليون ليرة إلى 1.4 مليون ليرة، في حين بقي سعر البيع ثابتًا.

وأشار إلى أن استمرار ارتفاع سعر الصرف سيؤدي إلى زيادة الخسائر موضحًا أنه في حال وصول الدولار إلى 15 ألف ليرة قد يتحمل الفلاح خسارة إضافية تصل إلى 300 ألف ليرة نتيجة فرق سعر الصرف فقط.

وأكد السلطان أن هذه الظروف ستدفع عددًا من الفلاحين إلى العزوف عن الزراعة ما سيؤدي إلى انخفاض انتاج القمح في المواسم المقبلة، وينعكس سلبًا على الأمن الغذائي.

ودعا إلى اعتماد آلية تسعير عادلة تراعي تغيرات سعر الصرف، أو توحيد العملة بين تكاليف الإنتاج وسعر الشراء ، لضمان استمرارية القطاع الزراعي وحماية الفلاحين.

كما لفت إلى وجود تفاوت بين المناطق حيث استفادت بعض المحافظات من برامج دعم حكومية، في حين تحمّل مزارعون في مناطق أخرى كامل التكاليف من رأس مالهم الخاص، ما زاد من حجم التحديات التي يواجهونها.

احتجاجات تتوسع رفضًا لتسعيرة القمح

نظم الفلاحون احتجاجات في عدد من المدن والبلدات السورية، منذ نحو أسبوع، رفضًا لقرار وزارة الاقتصاد والصناعة في الحكومة السورية تحديد سعر شراء طن القمح لموسم 2026 بـ46 ألف ليرة سورية جديدة (قبل إضافة المكافأة المقدرة بتسعة آلاف)، وسط تحذيرات من انعكاسات القرار على مستقبل الزراعة والأمن الغذائي في البلاد.

وشهدت مناطق في ريف حماة والرقة ودير الزور والحسكة، وقفات احتجاجية شارك فيها مزارعون وأهالٍي، عبّروا فيها عن رفضهم للتسعيرة التي وصفوها بأنها “غير عادلة” ولا تتناسب مع تكاليف الإنتاج المرتفعة، في وقت يعاني فيه القطاع الزراعي من أزمات متراكمة نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات والأسمدة والبذار وأجور النقل والحصاد.

ورفع المحتجون خلال الوقفات سنابل القمح ولافتات كتب عليها “بطلنا نزرع”، و”لا تبخسوا الناس أشياءها”، و”القمح ذهب الجزيرة فلا تجعلوها رمادًا”، في إشارة إلى حالة الغضب المتصاعدة بين المزارعين الذين اعتبروا أن محصول القمح، بوصفه محصولًا استراتيجيًا، لم يحظَ بالدعم الكافي رغم الأهمية التي يمثلها للاقتصاد السوري.

تركزت التحركات الاحتجاجية بشكل رئيسي في المناطق الزراعية التي يعتمد سكانها بصورة شبه كاملة على زراعة القمح كمصدر أساسي للدخل، إذ شهدت مدينة الرقة احتجاجات واسعة، كما خرج مزارعون في سهل الغاب بريف حماة وأرياف دير الزور ومدينة عامودا في محافظة الحسكة، للتعبير عن رفضهم للقرار الحكومي.

ويرى محتجون أن الحكومة السورية أرسلت رسائل متناقضة للمزارعين، فمن جهة وضعت سنابل القمح على أعلى فئة نقدية جديدة متداولة، وهي فئة الـ500 ليرة سورية، بينما لم تعتمد، بحسب وصفهم، سياسات اقتصادية داعمة للفلاحين أو تسعيرة تضمن استمرارية الإنتاج الزراعي.

ويأتي القرار الحكومي مع اقتراب موسم الحصاد، في وقت كان فيه المزارعون يعولون على الموسم الحالي لتعويض سنوات من الجفاف والخسائر المتراكمة، خاصة بعد تحسن معدلات الأمطار خلال العام الحالي مقارنة بالمواسم السابقة.

Related



إقرأ المزيد