“مجراوية جوزيف البديري”.. رواية عن الذاكرة في مواجهة القمع
عنب بلدي -

في رواية “مجراوية جوزيف البديري”، كتب يوسف م. شرقاوي سيرة فرد تتقاطع مع قصة بلد كامل عاش طويلًا تحت سلطة الخوف.

الرواية اعتمدت على الواقعية السحرية، وبنت عالمها داخل دولة متخيَّلة تدعى “عين غوزانا”، يحكمها الطاغية “عزمي أبو سمكة”، في صورة تستحضر مدنًا عربية عاشت تحت عباءة الفرد ومحو الذاكرة الجماعية.

وتحمل كلمة “مجراوية” دلالة مرتبطة بالسرد الشعبي القديم، إذ جاءت بوصفها اشتقاقًا من عبارة “ما جرى” ومنها “مجراويات”، وكانت تُستخدم في الحكايات والسير الشعبية وتشير إلى تتابع الأحداث وهي تتشكل.

تبدأ الحكاية مع ولادة “جوزيف البديري” في ليلة عاصفة، تقدم بوصفها نذيرًا مبكرًا بالخراب، فالسماء حمراء والرعد يهز المدينة، فيما يبقى الطفل في رحم أمه عشرة أشهر وعشرة أيام، كأنه يتردد في الدخول إلى عالم يعرف قسوته مسبقًا.

وحتى بعد ولادته، لا يطلق صرخته الأولى إلا بعد أن تضربه القابلة “فريدة السبعاوي” طويلًا، في مشهد يؤسس لإحدى أفكار الرواية التي تقول إن الإنسان يدخل الحياة بالعنف، ويُدفع إلى الخوف منذ اللحظة الأولى.

يتزامن ميلاد “جوزيف” مع صعود “عزمي أبو سمكة” إلى السلطة، لتتحول “عين غوزانا” تدريجيًا إلى دولة شمولية تُدار فيها حياة الناس من داخل الأجهزة الأمنية، فيما تتحول المدارس والصحف والخطب إلى أدوات لتقديس الحاكم، بينما يعاد تشكيل ذاكرة الناس بالقوة، عبر سردية رسمية لا تسمح بوجود رواية أخرى.

وسط هذه الأحداث، تظهر شخصيات الرواية بوصفها انعكاسًا لتشوهات المجتمع تحت القمع، غير أن “جوزيف” يمثل الإنسان الذي يحاول النجاة عبر المعرفة والكتابة، بينما تبدو والدته “نعمة” أقرب إلى صورة الوطن المنهك الذي يستهلكه الحزن، أما الأب “مهاوش البديري”، التاجر الرافض للخضوع، فيتحول إلى ضحية مباشرة للعنف السياسي بعد اعتقاله وإرساله إلى سجن “الرصاص”، أحد أكثر الأمكنة قسوة في الرواية.

داخل السجن، لا يقتصر العنف على الجسد فقط، وإنما يمتد إلى محاولة تحطيم الإنسان نفسيًا، إذ يصف الشرقاوي حفلات التعذيب والاستقبال الوحشي للسجناء، ليبدو المكان كأنه مصنع لإنتاج الخوف، وبعد خروجه، يفقد “مهاوش” تجارته وبيته وكرامته، قبل أن يختفي تاركًا ابنه وحيدًا في مواجهة اليتم والفقر.

يكتشف “جوزيف” قوة اللغة بعد تعرفه إلى أستاذ يشجعه على القراءة والكتابة، ويخبره أن المدرسة لا تريد للطلاب أن يفكروا أصلًا، ومن هنا تبدأ مقاومته الحقيقية، لا بالسلاح بل بالقلم، حيث يكتب “جوزيف” رواية مضادة للرواية الرسمية التي يصنعها النظام، محاولًا استعادة التاريخ الحقيقي لـ”عزمي أبو سمكة”، وكشف صعوده إلى السلطة عبر العنف والخوف.

تنتهي الرواية بنبرة هادئة وتأملية، بعد زيارة “جوزيف” قبور أمه وأبيه و”فريدة السبعاوي”، في وقت أشعل ثورة ضد الحكم ليعترف داخليًا بجملة بسيطة وثقيلة، “لقد عشت”.

الانتصار وإن لم يظهر انتصارًا سياسيًا مباشرًا، لكنه قدم نجاح “جوزيف” في أنه لم يتحول إلى نسخة مشوهة من جلاده، واحتفظ بقدرته على التذكر والحب والشهادة على الحقيقة، وكأن الرواية تقول إن الإنسان، حتى داخل أكثر الأنظمة قمعًا، يستطيع أن يترك أثرًا صغيرًا في هذا العالم الممتلئ بالألم.

مَن يوسف م. شرقاوي؟

يوسف م. شرقاوي كاتب ومحرر فلسطيني سوري، ولد عام 1999 في دمشق بمخيم “اليرموك”، وعمل في مجالي التحرير والصحافة الثقافية مع عدد من المؤسسات العربية.

كما عمل محررًا في دار “ممدوح عدوان” للنشر، وشارك في ورشة المحررين التي نظمتها الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، وإلى جانب عمله في التحرير الأدبي، كتب شرقاوي بالصحافة الثقافية والأدبية في صحف ومجلات عربية وعالمية.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد