يغنون للسيروم كي يمر الوقت.. يوم طويل بقسم علاج السرطان في السويداء
عنب بلدي -

خلف أبواب قسم الأورام في مستشفى السويداء الوطني، لا تمضي الساعات بسهولة بالنسبة للمرضى أو مرافقيهم، فجلسات العلاج الطويلة، والتعب الظاهر على الوجوه، وحالة الانتظار المستمرة، تكشف جانبًا ثقيلًا من رحلة المرض، يتجاوز فيها الألم الجسدي إلى ضغوط نفسية ومعيشية ترافق المرضى وعائلاتهم يوميًا. 

تبدأ رحلة الجرعة العلاجية قبل موعدها بأيام، إذ تنشغل العائلات بتأمين تكاليف العلاج والأدوية، في ظل تراجع قدرة “جمعية أصدقاء مرضى السرطان” على تغطية النفقات كما في السابق، فهي اليوم لا تستطيع تغطية سوى 25% من سعر الدواء والجرعات، ما يضع العديد من الأسر أمام أعباء مالية متزايدة. 

ماجدة (54 عامًا)، مريضة بالسرطان بدأت رحلة العلاج منذ شهر آذار 2025، في البداية اعتمد علاجها على الأدوية الفموية، قبل أن تتطور حالتها الصحية وتنتقل إلى العلاج الكيماوي بجرعة دورية كل 15 يومًا. 

وخلال مرافقة عنب بلدي للمريضة في يوم جرعتها الثانية، أمضت أكثر من أربع ساعات في غرفة العلاج.

لم تكن تتمدد على سريرها وحدها، بل كانت تشاركه مع مريضة أخرى بسبب عدم كفاية الأسرة لاستيعاب جميع المرضى، فيما بدت عليها ملامح الإرهاق والتعب الجسدي، فمع كل نقطة من الجرعة تتسرب لجسدها تشعر كأنها تتجمد داخل عروقها ويتجمد معها الوقت. 

غرفة العلاج.. مساحة مشتركة للأحاديث والمعاناة

خلال فترة الانتظار الطويلة، يحاول المرضى نسيان الوقت علّه يمر بشكل أسرع، إذ يتجاذبون أطراف الحديث، ويتبادلون الوصفات الصحية تارة، وتارة أخرى يشكون ألم المرض وتكاليف العلاج. 

يغط بعضهم في النوم ريثما ينتهي تسريب الجرعة، فيما يغني آخر للسيروم بصوته المتعب “عالهدا عالهدا”، واصفًا وضعه بعبارة “شر البلية ما يضحك”. 

ورغم قسوة التجربة، بدت غرفة العلاج مساحة يجتمع فيها المرضى على مشاركة المعاناة ذاتها، فبين أسرة العلاج، يتبادل المرضى النصائح حول التخفيف من الآثار الجانبية للأدوية، ويتشاركون تجاربهم مع العلاج، فيما يحاول بعضهم تقديم الدعم النفسي للآخرين ورفع معنوياتهم. 

عبارة “هانت” كنوع من المواساة هي أكثر ما يتم تكراره بين المرضى، رغم أن كل مريض يعيش وجعه الخاص الذي لا يقل قسوة عن الآخر. 

المرافقون أيضًا تحت وطأة الانتظار

لا يقتصر العبء على المرضى وحدهم، إذ يعيش المرافقون أيضًا حالة من الضغط النفسي المستمر، بين متابعة الحالة الصحية لمريضهم والخشية من تدهور وضعه الصحي، إضافة إلى القلق المرتبط بتأمين تكاليف العلاج. 

كما يبقى كثير من المرافقين واقفين لساعات طويلة إلى جانب مريضهم، في ظل محدودية المقاعد والمساحات المخصصة للانتظار، وخلال اليوم، يدخل إلى الغرفة باعة جوالون لبيع الخبز أو القهوة، في مشهد يكسر شيئًا من رتابة الساعات الطويلة. 

وتقول إحدى الممرضات المناوبات، لعنب بلدي، إن الطاقم التمريضي رغم الضغط الكبير وعدد المرضى، يحاول الحفاظ على وجه بشوش أمام المرضى للتخفيف من وطأة العلاج.  

وتوضح أن بعض المرافقين، بدافع القلق على ذويهم، قد يبدون انفعالًا تجاه الطاقم، ومع ذلك نحن نقدر هذا الوضع، لدرجة أننا قد لا نجد الوقت لتناول وجباتنا حتى 

المرض والبعد النفسي

يشير الدكتور وجدي المحيثاوي، الأخصائي الإكلينيكي في علاج الاضطرابات النفسية والعقلية والمحاضر في علم النفس، إلى أن مريض السرطان يعيش أساسًا حالة من القلق المرتبط بالخوف من تطور المرض ومستقبله الصحي، الأمر الذي يتفاقم عند تأخر الجرعات العلاجية أو عدم استقرار مواعيدها. 

ويوضح، في حديثه مع عنب بلدي، أن ذلك يعزز مشاعر العجز وفقدان الأمان، ويرفع مستويات التوتر والقلق، فيما تشكل الضائقة المادية عبئًا نفسيًا إضافيًا، إذ يشعر المريض بأنه لا يواجه المرض وحده، بل يواجه أيضاً خطر عدم القدرة على تأمين تكاليف العلاج ومتطلباته. 

كما أن الخوف المستمر من عدم القدرة على تأمين العلاج يعد مصدرًا دائما للضغط النفسي، وقد ينعكس على الوضع الصحي من خلال اضطرابات النوم وضعف الشهية وتراجع الالتزام بالخطة العلاجية. 

وفي نهاية يوم طويل داخل قسم الأورام، يغادر المرضى ومرافقوهم الغرفة واحدًا تلو الآخر، فيما يبقى الانتظار جزءا ثابتًا من رحلتهم مع المرض.

وبين جلسة علاج وأخرى، يواصل كثيرون التمسك بالأمل، رغم ما يرافقه من تعب وقلق وضغوط لا تنتهي بانتهاء الجرعة. 

بداية أزمة مرضى السرطان

تعود بداية الأزمة إلى آذار 2025، مع النقص الشديد في أدوية الأورام بمستشفى “البيروني” بدمشق، الذي يعد المركز المرجعي الأبرز لعلاج السرطان في سوريا، وفق ما قاله رئيس مجلس إدارة جمعية “أصدقاء مرضى السرطان في السويداء”، الدكتور عدنان مقلد، في تصريح سابق لعنب بلدي.

في تلك الفترة، كان مرضى السويداء يتوجهون إلى دمشق لإجراء المعاينات الدورية، بينما تتولى الجمعية تأمين الأدوية، ليتم إعطاؤها في مستشفى “السويداء الوطني” أو في مستشفى “البيروني”، بحسب حاجة الحالة.

غير أن أحداث تموز 2025، وما رافقها من توترات أمنية وانقطاع متكرر لطريق دمشق- السويداء، زادت الأزمة تعقيدًا، وجعلت الوصول إلى العلاج رحلة محفوفة بالمخاطر، مما دفع مستشفى “السويداء الوطني” إلى محاولة سد الفجوة، في ظل غياب بدائل حقيقية.

جرت محاولات لجعل قسم أمراض الدم والأورام بمستشفى “السويداء الوطني” بديلًا مؤقتًا عن مستشفى “البيروني”، بالتنسيق مع مديرية صحة السويداء وإدارة المستشفى والأطباء المختصين في المحافظة، وأطلقوا عليه اسم “البيروني الصغير”.

وبالرغم من هذه الجهود، يبقى مستشفى “البيروني” المرجعية الأساسية، لما يضمه من أطباء اختصاصيين وتجهيزات متقدمة، وفق مقلد.

وفي هذا الإطار، أكد مقلد، في حديثه إلى عنب بلدي، أن جمعية “أصدقاء مرضى السرطان” حاولت العمل بقدر المستطاع، في ظل محدودية الموارد، مشيرًا إلى أن بعض الخدمات غير متوفرة في مستشفى “السويداء الوطني”، مثل المعالجة الشعاعية، وومضانات العظام، واليود المشع الخاص بعلاج الغدة الدرقية.

أزمة مرضى السرطان تتفاقم في السويداء

Related



إقرأ المزيد