لماذا تأخر انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب السوري؟
عنب بلدي -

رغم انتهاء انتخابات مجلس الشعب في المحافظات السورية، عدا السويداء، واكتمال آخر الاستحقاقات الانتخابية في المنطقة الشرقية، في محافظة الحسكة ودائرة عين العرب- كوباني في حلب، التي أعلنت نتائجهما في 24 من أيار الماضي، لا تزال الجلسة الافتتاحية للمجلس غائبة عن المشهد السياسي، على خلاف التوقعات والتصريحات الرسمية التي تحدثت سابقًا عن انعقادها نهاية نيسان الماضي أو خلال الأسابيع اللاحقة.

وكان الرئيس السوري، أحمد الشرع، قد قال في 17 من نيسان الماضي، إن أولى جلسات البرلمان السوري (مجلس الشعب)، الذي تم انتخابه، ستعقد مع نهاية نيسان.

وأشار وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، خلال مؤتمر صحفي جمعه بنظيره التركي، هاكان فيدان، في 9 من نيسان الماضي، إلى موعد قريب لانعقاد الجلسة الأولى، دون توضيحه على وجه الدقة.

ويأتي هذا التأخير في وقت تشهد فيه سوريا مرحلة حساسة تتطلب استكمال بناء المؤسسات الدستورية والتشريعية، بالتوازي مع إصدار السلطة التنفيذية عددًا من القوانين والمراسيم التي يفترض أن تكون ضمن اختصاص السلطة التشريعية مستقبلًا.

وبين اعتبارات التمثيل السياسي والمجتمعي، وتعقيدات بعض الملفات الداخلية، يثير تأخر انعقاد المجلس تساؤلات حول أسبابه الحقيقية وانعكاساته على مسار المرحلة الانتقالية.

الحالة السورية تثير نقاشًا قانونيًا وسياسيًا

التأخير لا يمكن قراءته بوصفه مجرد مسألة إجرائية، بل يعكس حجم التحديات المرتبطة بإعادة تشكيل السلطة التشريعية في مرحلة انتقالية غير مسبوقة في سوريا.

خبير الإدارة والحوكمة، ومدير “المعهد الأوروبي للمبادرات السياسية والتحليل الاستراتيجي”، باسم حتاحت، يشرح أن العديد من الأنظمة البرلمانية حول العالم تعرف فترة انتقالية تمتد لأسابيع أو أشهر بين انتهاء الانتخابات ومباشرة النواب مهامهم الدستورية بشكل كامل، بهدف استكمال الإجراءات التنظيمية والإدارية اللازمة، بما في ذلك التحضير للجلسة الافتتاحية وانتخاب هيئة رئاسة المجلس وتشكيل لجانه.

إلا أن حتاحت يلفت، في حديث إلى عنب بلدي، إلى أن الحالة السورية تثير نقاشًا قانونيًا وسياسيًا حول مدى كفاية الأطر الإجرائية الناظمة للمرحلة الانتقالية، سواء فيما يتعلق بآليات الاختيار والتمثيل أو بالإجراءات التنظيمية المرتبطة بانعقاد المجلس.

كما يلاحظ غياب إعلان واضح بشأن الجلسة الافتتاحية أو تشكيل أمانة عامة انتقالية تتولى تسيير الأعمال البرلمانية والتحضير للاستحقاقات التنظيمية للمجلس.

بين قائمة الشرع واستحقاقات المرحلة الانتقالية

من جانبه، يربط الخبير في القانون العام وعضو لجنة صياغة الإعلان الدستوري، الدكتور أحمد قربي، في حديث إلى عنب بلدي، سبب التأخير باستكمال قائمة الأعضاء الذين سيجري تعيينهم من قبل الرئيس الشرع والذين يبلغ عددهم 70 عضوًا، إلى جانب ما رافق العملية السياسية من تعقيدات في شمالي وشرقي سوريا وملف السويداء.

ويرى أن هناك سعيًا لأن يكون المجلس ممثلًا لأوسع شريحة ممكنة من السوريين، سواء على مستوى المكونات أو الفئات الاجتماعية المختلفة، بما يمنح المؤسسة التشريعية قدرًا أكبر من الشرعية للمجلس في المرحلة المقبلة، ليكون ممثل لأكبر شريحة من السوريين.

لكنه يضيف أن المسألة تتعلق أيضًا بترتيب الأولويات خلال المرحلة الانتقالية، موضحًا أن التركيز خلال الأشهر الماضية انصب على تثبيت الأوضاع الأمنية والعسكرية وإعادة بناء مؤسسات الدولة الأساسية، قبل الانتقال إلى استكمال بناء السلطة التشريعية.

أما بشأن المستفيد من هذا التأخير، فيرفض القربي فكرة وجود طرف يحقق مكاسب مباشرة من غياب المجلس، معتبرًا أن السوريين عمومًا، وكذلك الحكومة نفسها، يخسرون نتيجة عدم اكتمال بناء المؤسسات الدستورية، وخاصة السلطة التشريعية.

لكنه يرى في المقابل أن التأخير أتاح وقتًا إضافيًا لمحاولة إشراك مختلف المناطق السورية في التمثيل البرلماني بصورة أوسع.

سبب تأخر انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب يرتبط باستكمال قائمة الأعضاء الذين سيجري تعيينهم من قبل الرئيس السوري أحمد الشرع، والذين يبلغ عددهم 70 عضوًا، إلى جانب ما رافق العملية السياسية من تعقيدات في شمال وشرق سوريا وملف السويداء.

أحمد قربي

خبير في القانون العام وعضو لجنة صياغة الإعلان الدستوري

صيغة أكثر توازنًا للتمثيل داخل المجلس

أما خبير الحوكمة الدكتور زيدون الزعبي، قال لعنب بلدي إن التأخير يعكس استمرار محاولات معالجة بعض الملفات العالقة، وفي مقدمتها إيجاد مخرج لاستعصاء ملف السويداء.

كما تطرق إلى صعوبة تشكيل قائمة التعيينات التي سيصدرها الرئيس الشرع، بالشكل الذي يعوض النواقص التي أفرزتها نتائج الانتخابات، وخاصة فيما يتعلق بضمان تمثيل المكونات المختلفة والنساء بصورة أكثر توازنًا.

وكان المتحدث باسم “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب”، نوار نجمة، قال لعنب بلدي في وقت سابق،إن المقاعد التي سيحددها الرئيس الشرع، ستتم بعد إجراء انتخابات محافظة الحسكة وتقدير الطبيعة التمثيلية لأعضاء مجلس الشعب والعمل على تحقيق التوازن خاصة ما يتعلق بتمثيل المرأة وبعض المكونات في المجتمع.

وأوضح نجمة أن الجلسة الأولى سيترأسها العضو الأكبر سنًا، وتتضمن أداء اليمين القانونية للأعضاء، ثم انتخابات رئيس المجلس ونائبه وأعضاء مكتب السر.

ويبلغ العدد الكلي لأعضاء مجلس الشعب 210 أعضاء، 140 مقعدًا منتخبًا، في حين يتم تعيين 70 مقعدًا من قبل الرئيس السوري أحمد الشرع.

ملفات العدالة الانتقالية والأحزاب الأكثر تأثرًا

يكتسب سؤال كيف يؤثر تأخر انعقاد أولى جلسات المجلس على ملفات النظام الداخلي والعدالة الانتقالية والأحزاب، أهمية خاصة بالنظر إلى أن المجلس المنتظر سيكون معنيًا بإقرار مجموعة من التشريعات المفصلية المرتبطة بمستقبل المرحلة الانتقالية.

وهنا، يحذر خبير الحوكمة الدكتور زيدون الزعبي من أن استمرار التأخير ستكون له انعكاسات مباشرة على مسار العدالة الانتقالية، معتبرًا أن قوانين العدالة الانتقالية والأحزاب السياسية ستكون من أولى الملفات التي يفترض أن يناقشها المجلس عند انعقاده.

وبالتالي فإن تأخر تشكيل السلطة التشريعية يعني عمليًا تأجيل هذه الاستحقاقات، وهو ما يصفه بأنه “مشكلة كبيرة”.

استمرار تأخر انعقاد الجلسة الأولى ستكون له انعكاسات مباشرة على مسار العدالة الانتقالية، وتأخر تشكيل السلطة التشريعية يعني عمليًا تأجيل قوانين العدالة الانتقالية والأحزاب السياسية.

زيدون الزعبي

خبير في الحوكمة

من زاوية أخرى، يشير خبير الإدارة والحوكمة، الدكتور باسم حتاحت، إلى أن التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام السابق تفرض وجود مؤسسات دستورية وتشريعية قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الانتقالية وضمان انتظام العمل البرلماني، وتوفير الأطر الإجرائية اللازمة لممارسة المهام التشريعية.

بدوره، قال عضو اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، أنس العبدة، إن المجلس سيركز على القوانين الخدمية والاقتصادية لتحسين حياة المواطنين.

وأوضح أن نحو 800 قانون ساري في سوريا يسببون ضغطًا كبيرًا على المواطنين والوزارات ويحتاجون إلى إعادة نظر للتعديل أو الإلغاء.

وأضاف العبدة في مقابلة مع قناة “الإخبارية” السورية الرسمية، في 1 من تشرين الثاني 2025، أن القوانين والتشريعات تمرر وفق موافقة الأغلبية أو الثلثين عند الحاجة، مشيرًا إلى أن المجلس سيعمل على إقرار قوانين تعزز الخدمات وتخفف الأعباء عن المواطنين.

وسيتبنى خلال شهر من بدء عمله نظامًا داخليًا جديدًا، بعد خضوعه للمراجعة قبل اعتماده رسميًا، بحسب العبدة.

إصدار مراسيم بغياب مجلس الشعب

كما أثار صدور عدد من القوانين والمراسيم خلال الأشهر الماضية نقاشًا حول حدود الدور التشريعي للسلطة التنفيذية في ظل غياب مجلس الشعب.

ويرى الدكتور أحمد القربي أن إصدار هذه التشريعات كان نتيجة ظروف المرحلة الانتقالية أكثر من كونه خيارًا سياسيًا مقصودًا، مشيرًا إلى أن قوانين مهمة مثل قانون الاستثمار وإنشاء بعض الهيئات والمؤسسات كان من المفترض أن تمر عبر السلطة التشريعية، إلا أن عدم وجود مجلس شعب فعّال جعل الرئاسة الجهة الوحيدة القادرة على اتخاذ هذه القرارات.

وأضاف أن الحل الأمثل يتمثل في انعقاد المجلس بأسرع وقت ليستعيد اختصاصاته التشريعية، على أن يقوم لاحقًا بمراجعة التشريعات التي صدرت خلال فترة غيابه، سواء عبر إقرارها أو تعديلها أو حتى إلغائها إذا رأى ضرورة لذلك.

أما الدكتور زيدون الزعبي، فيرى أن هناك تجاوزًا للإعلان الدستوري لعدم وجود صلاحيات تشريعية، لكنه يعتبر أن القلق الأكبر لا يكمن في إصدار القوانين بحد ذاته، بل في استمرار تأخر القوانين الأساسية المرتبطة بالمرحلة الانتقالية نتيجة غياب المجلس.

قانونيًا.. هل اكتمل المسار الدستوري؟

لا يقتصر الجدل حول تأخر انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب على أبعاده السياسية والإجرائية، بل يمتد إلى تساؤلات قانونية ودستورية تتعلق بمدى انسجام هذا التأخير مع أحكام الإعلان الدستوري الناظم للمرحلة الانتقالية.

يقدم المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، قراءة قانونية للتأخير الحاصل في انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب، مؤكدًا أن انتهاء العملية الانتخابية لا يعني اكتمال المسار الدستوري المنصوص عليه في الإعلان الدستوري لعام 2025.

ويشير الكيلاني إلى أن الإعلان الدستوري لم يكتفِ بتشكيل المجلس، بل رسم آلية واضحة لبدء عمله، إذ نصت المادة “28” على انتخاب رئيس المجلس ونائبيه وأمين السر خلال الجلسة الأولى، فيما أوجبت المادة “29” إعداد النظام الداخلي للمجلس خلال شهر من انعقاد تلك الجلسة.

وبحسب الكيلاني، فإن هذه النصوص تعكس افتراضًا دستوريًا بانعقاد المجلس خلال فترة زمنية قريبة من اكتمال تشكيله، نظرًا لأن العديد من الاختصاصات الدستورية لا يمكن ممارستها قبل انعقاد الجلسة الافتتاحية.

ويرى أن التأخير لا ينبغي تفسيره بالضرورة على أنه أزمة أو تعطيل متعمد، بل يمكن فهمه في سياق مرحلة انتقالية ما تزال فيها الدولة تعمل على إعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام.

لكنه يحذر في الوقت ذاته من أن استمرار التأخير لفترة طويلة قد يفقد المرحلة الانتقالية أحد أهم مرتكزاتها، والمتمثل بالانتقال التدريجي من إدارة الدولة عبر القرارات التنفيذية إلى إدارة مؤسساتية قائمة على تكامل السلطات الدستورية.

تحديات تتعلق بإعادة هيكلة المؤسسات

وفي تفسيره لأسباب التأخير قانونيًا، يربط الكيلاني ذلك بطبيعة المرحلة الانتقالية ذاتها، باعتبار أن المجلس الحالي يمثل أول مؤسسة تشريعية تتشكل بعد انتهاء هيمنة حزب البعث العربي الاشتراكي على البرلمان والسلطة التشريعية لأكثر من ستة عقود.

ويشير إلى أن الدولة ما تزال تواجه تحديات تتعلق بإعادة هيكلة المؤسسات واستكمال البناء الإداري وإعادة دمج الكفاءات الوطنية وتنظيم العلاقة بين المركز والمحافظات، إضافة إلى متطلبات تحقيق تمثيل متوازن داخل المجلس وفق الآليات المحددة في الإعلان الدستوري.

ويؤكد الكيلاني أن استمرار غياب المجلس ينعكس مباشرة على العديد من الملفات التشريعية والتنظيمية، إذ إن إعداد النظام الداخلي وتشكيل اللجان الدائمة وآليات العمل الرقابي والتشريعي جميعها ترتبط قانونيًا بانعقاد الجلسة الأولى.

قانونيًا..تتعلق أسباب تاخير انعقاد الجلسة الأولى بطبيعة المرحلة الانتقالية، كما أن الدولة ما تزال تواجه تحديات تتعلق بإعادة هيكلة المؤسسات واستكمال البناء الإداري وإعادة دمج الكفاءات الوطنية وتنظيم العلاقة بين المركز والمحافظات، إضافة إلى متطلبات تحقيق تمثيل متوازن داخل المجلس.

المعتصم الكيلاني

مختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان

ملفات “العدالة” تحتاج لإطار تشريعي “واسع”

يرى الكيلاني أن ملفات العدالة الانتقالية تحتاج إلى إطار تشريعي واسع يضم قوانين تتعلق بكشف الحقيقة وجبر الضرر وتنظيم أوضاع الضحايا والمفقودين وإصلاح المؤسسات العامة، مشددًا على أن مناقشة هذه الملفات داخل مؤسسة تشريعية تمثل مختلف المحافظات والشرائح الاجتماعية يمنحها شرعية وطنية أوسع.

ويضيف أن قانون العدالة الانتقالية يتطلب أيضًا تعديلات مرتبطة بقانون العقوبات السوري، بما يشمل إسقاط التقادم وإدخال معايير التجريم الخاصة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وفي السياق ذاته، يلفت إلى أن قانون الأحزاب والحياة السياسية يشكلان جزءًا أساسيًا من استحقاقات المرحلة الانتقالية الممتدة لخمس سنوات، والتي يفترض أن تنتهي بدستور دائم وانتخابات عامة، ما يجعل وجود مجلس شعب فاعل عاملًا مهمًا في مناقشة هذه التشريعات وإضفاء مزيد من الاستقرار والشرعية عليها.

المراسيم السابقة.. الحاجة إلى إدارة الدولة

وعن إصدار القوانين والمراسيم خلال فترة غياب المجلس، يدعو الكيلاني إلى اعتماد مقاربة متوازنة، موضحًا أن الإعلان الدستوري منح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة لإدارة المرحلة الانتقالية، لكنه في الوقت نفسه نص بوضوح على أن السلطة التشريعية يمارسها مجلس الشعب، ومنحه صلاحيات اقتراح القوانين وإقرارها وتعديلها وإلغاء التشريعات النافذة.

وبحسب الكيلاني، فإن القوانين والمراسيم التي صدرت خلال الأشهر الماضية يمكن فهمها في إطار الحاجة إلى إدارة الدولة خلال مرحلة انتقالية سريعة ومتغيرة، إلا أن ذلك لا يلغي الحاجة الملحة إلى انعقاد مجلس الشعب بأسرع وقت.

كما يؤكد أن بدء عمل المجلس لا يعني بالضرورة إلغاء ما صدر سابقًا من تشريعات، بل يتيح مراجعته وفق الصلاحيات الممنوحة له دستوريًا، سواء عبر تثبيت القوانين النافذة أو تعديلها أو إعادة صياغتها بما ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة.

ويخلص الكيلاني إلى أن جوهر الإشكالية لا يكمن في وجود صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية خلال المرحلة الانتقالية، بقدر ما يكمن في ضرورة استكمال البناء المؤسسي الذي نص عليه الإعلان الدستوري.

فكلما باشر مجلس الشعب ممارسة صلاحياته التشريعية والرقابية، وتعامل مع ملفات العدالة الانتقالية والحياة السياسية ومراجعة القوانين النافذة، اقتربت سوريا أكثر من الانتقال من إدارة الضرورة إلى ترسيخ دولة المؤسسات التي يشكل مجلس الشعب أحد أبرز أركانها.

Related



إقرأ المزيد