عنب بلدي - 6/9/2026 12:46:23 PM - GMT (+2 )
مع دخول موسم حصاد القمح في شمال شرقي سوريا، تعود رائحة الفريكة لتملأ القرى والبلدات الممتدة من أرياف الحسكة حتى ريف عين العرب (كوباني) غربًا، وأرياف الرقة ودير الزور على نهر الفرات جنوبًا، حيث لا تزال بعض العائلات تحافظ على هذه الصناعة التراثية التي ارتبطت لعقود طويلة بالريف السوري ومواسم الخير.
ورغم انتشار الفريكة الجاهزة التي تنتجها المعامل وتباع في الأسواق، لا يزال عدد من الأهالي في الأرياف يفضلون إعدادها بالطريقة التقليدية، باعتبارها جزءًا من الذاكرة الجماعية والموروث الغذائي الذي تناقلته الأجيال.
وتُعد الفريكة من أبرز المنتجات الغذائية المرتبطة بموسم القمح، إذ تُصنع من حبوب القمح الخضراء قبل اكتمال نضجها، عبر تعريض السنابل للنار ثم تنظيفها وتجفيفها وطحنها بطرق مختلفة، لتتحول لاحقًا إلى مكون رئيسي في العديد من الأطباق الشعبية المعروفة في المنطقة.
موسم يبدأ قبل الحصادفي مناطق واسعة من الجزيرة السورية، يبدأ الأهالي جمع السنابل الخضراء قبل موعد الحصاد الكامل بفترة قصيرة.
وتُستخدم المناجل في جمع السنابل، قبل أن تُفرش على الأرض وتُترك لفترة وجيزة تمهيدًا لمرحلة التحميص.
وتتطلب عملية إعداد الفريكة جهدًا جماعيًا يمتد لساعات طويلة، إذ تُغطى السنابل بالأكياس أو الأغطية القماشية، ثم تُشعل النار بطريقة مدروسة لتحميص الحبوب دون إتلافها، مع التقليب المستمر لضمان نضجها بشكل متساوٍ.
وبعد انتهاء عملية التحميص، تُترك الحبوب لتبرد، ثم تُنظف من الشوائب وتُنشر تحت أشعة الشمس لعدة أيام حتى تجف تمامًا، قبل الانتقال إلى مراحل التنقية والدق باستخدام الأدوات التقليدية والمناخل اليدوية.
ويقول الأهالي الذين لازالوا يواظبون على إنتاجها، إن الفريكة اليدوية ما تزال تحتفظ بمكانتها لدى كثير من العائلات بسبب مذاقها المميز وجودتها العالية، مؤكدين أن هذه المهنة ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، ويحرصون اليوم على تعليمها لأبنائهم حفاظًا على التراث المحلي.
ذاكرة الريف الجنوبيفي ريف الحسكة الجنوبي، يستعيد السبعيني خليل العبد الله ذكريات مواسم الفريكة التي كانت تجمع أبناء القرية في الماضي.
ويقول لعنب بلدي، إن صناعة الفريكة كانت مناسبة اجتماعية بامتياز، إذ كانت العائلات تتعاون فيما بينها لإنجاز العمل خلال أيام قليلة.
ويضيف أنه، في السابق، لم تكن هناك معامل ولا آلات حديثة، لذلك كان أهل القرية يجتمعون منذ الصباح الباكر. الرجال يجمعون السنابل ويجهزون مواقع التحميص، بينما تتولى النساء التنظيف والتجفيف والغربلة. و”كان الأمر يشبه مناسبة اجتماعية أكثر منه عملًا زراعيًا”.
يذكر خليل أن الفريكة القديمة كانت تختلف من حيث النكهة والرائحة عن المنتجات المتوفرة حاليًا في الأسواق، مرجعًا ذلك إلى اعتمادها الكامل على العمل اليدوي واختيار السنابل بعناية.
ويشير إلى أن تراجع أعداد العاملين في الزراعة وهجرة كثير من الشباب من الأرياف، أسهما في انحسار هذا النشاط خلال السنوات الأخيرة.
النساء حارسات الموروثفي ريف الحسكة الشمالي، تقول فاطمة المحمد، إن النساء لعبن الدور الأبرز في الحفاظ على صناعة الفريكة التقليدية، رغم الظروف الاقتصادية والتحولات الاجتماعية.
وتضيف أن إعداد الفريكة كان يشكل جزءًا أساسيًا من الحياة الريفية السنوية، إذ كانت النساء يتبادلن الأدوار والخبرات خلال مراحل التصنيع المختلفة.
تتابع فاطمة: كانت الأمهات والجدات يجتمعن حول أكوام القمح، ويتشاركن العمل والأحاديث في الوقت نفسه. لم تكن الفريكة مجرد طعام، بل كانت مناسبة تعزز العلاقات الاجتماعية بين العائلات.
وترى أن المنتجات الجاهزة وفرت الوقت والجهد، لكنها لم تستطع تعويض القيمة المعنوية والاجتماعية المرتبطة بصناعة الفريكة المنزلية.
وتختم، أن كثيرًا من الأسر باتت تشتري الفريكة من الأسواق بسبب صعوبة توفير الوقت واليد العاملة، خصوصًا مع تغير أنماط المعيشة وتراجع الاعتماد على الزراعة كمصدر دخل رئيسي.
منافسة المعاملخلال السنوات الماضية، شهدت أسواق شمال شرقي سوريا انتشار أنواع مختلفة من الفريكة المنتجة في المعامل المحلية، ما جعل الحصول عليها أسهل بالنسبة للمستهلكين.
وتعتمد هذه المعامل على تجهيز كميات كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما ساعد على تلبية الطلب المتزايد في المدن والمناطق التي لم تعد فيها صناعة الفريكة المنزلية شائعة كما كانت سابقًا.
لكن عددًا من الأهالي ما يزالون يفضلون المنتج التقليدي، معتبرين أن الفريكة اليدوية تحتفظ بخصائصها الطبيعية ونكهتها المميزة، فضلًا عن ارتباطها بالهوية الغذائية المحلية.
ويقول بعض المزارعين إن ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي وتراجع أعداد الأيدي العاملة ساهما في دفع كثير من الأسر نحو شراء الفريكة الجاهزة بدلًا من تصنيعها منزليًا.
تراجع عادة جماعيةمن جانبه، يقول الخبير المجتمعي محمود الحسين، إن صناعة الفريكة في الجزيرة السورية لم تكن مجرد نشاط اقتصادي أو غذائي، بل شكلت لعقود طويلة جزءًا من البنية الاجتماعية للريف.
ويوضح أن مواسم إعداد الفريكة كانت تخلق حالة من التكافل والتعاون بين العائلات، إذ تتشارك الأسر في العمل وتبادل الخبرات والأدوات، ما يعزز الروابط الاجتماعية داخل المجتمع المحلي.
التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، إلى جانب موجات النزوح والهجرة وتغير أنماط الحياة، أدت إلى تراجع كثير من العادات الجماعية المرتبطة بالزراعة، ومن بينها صناعة الفريكة التقليدية، وفق الحسين.
ويشير إلى أن المنتجات الصناعية الجاهزة نجحت في تلبية احتياجات السوق من حيث السرعة والكميات، لكنها أسهمت في الوقت ذاته بتراجع الممارسات التقليدية التي كانت تحمل أبعادًا اجتماعية وثقافية تتجاوز الجانب الغذائي.
ويلفت الحسين إلى أن الحفاظ على هذه العادة لا يرتبط فقط بإنتاج مادة غذائية تراثية، بل بحماية جزء من الذاكرة الجمعية لسكان الجزيرة السورية، مؤكدًا أهمية توثيق هذه الممارسات وتشجيع الأجيال الشابة على تعلمها.
إرث يتحدى الزمنورغم التغيرات التي فرضتها الحداثة على المجتمعات الريفية في شمال شرقي سوريا، ما تزال الفريكة حاضرة في كثير من البيوت مع حلول موسم القمح، سواء عبر إعدادها بالطرق التقليدية أو شرائها من الأسواق.
وبينما تتراجع مساحات الممارسة اليدوية عامًا بعد آخر، يواصل بعض الأهالي التمسك بهذه العادة باعتبارها جزءًا من هويتهم الثقافية وذاكرتهم الزراعية، في محاولة للحفاظ على إرث غذائي ارتبط بأرض الجزيرة السورية وحقولها الذهبية لعقود طويلة.
وتبقى الفريكة، بالنسبة لكثير من سكان المنطقة، أكثر من مجرد وجبة موسمية؛ فهي حكاية متوارثة تختزل علاقة الإنسان بالأرض، وتروي جانبًا من تاريخ الريف السوري الذي ما يزال يقاوم الاندثار رغم كل التحولات.
Related
إقرأ المزيد


