الفرات يبتلع 35 شخصًا.. سكان دير الزور يتجاهلون التحذيرات
عنب بلدي -

تحوّلت ضفاف نهر الفرات في محافظة دير الزور التي لطالما كانت ملاذًا للأهالي من حر الصيف إلى مصيدة للأرواح، مع تسجيل أرقام قياسية وغير مسبوقة في حوادث الغرق مؤخرًا.

وتضافرت عوامل الطبيعة مع ضعف الوعي العام بخطورة السباحة العشوائية، في وقتٍ تعجز فيه التحذيرات الحكومية والمحلية عن كبح جماح الإقبال على النهر.

وتستمر الحالات بالتزايد في محافظة دير الزور منذ انطلاقة الموسم الحالي، إذ بلغت حصيلة ضحايا حوادث الغرق في نهر الفرات نحو 35 شخصًا، معظمهم من الأطفال والشباب، بحسب ما وثقته مراسلة عنب بلدي في المنطقة.

لا مبالاة شعبية

ورغم التحذيرات الصارمة والمتكررة الصادرة عن مديرية الطوارئ والكوارث في المحافظة بشأن الخطورة البالغة لتيارات النهر، فإن الواقع الميداني يظهر تحديًا جماعيًا لهذه الإرشادات، إذ تكتظ الضفاف يوميًا بالعائلات والشبان الذين يندفعون نحو المياه كخيار وحيد هربًا من موجات الحر، متجاهلين الدوامات والمخاطر الكامنة.

ويضع الشارع المحلي علامات استفهام حول فاعلية النداءات التحذيرية في ظل ما وصفها بـ”حالة التراخي العام”.

ويتساءل مروان المحمد، أحد أهالي المحافظة، عن جدوى حملات التوعية المستمرة عندما تقابل بغياب تام للاستجابة الشعبية.

وقال مروان لعنب بلدي: “في كل يوم بات يصلنا نبأ مأساوي عن غرق شاب، هناك حالة غريبة من عدم الاهتمام وتجاهل صريح للتعليمات”.

ورغم أن الجدران المحاذية للنهر مغطاة بالملصقات التحذيرية التي تمنع الاقتراب والسباحة في هذه الفترة بالذات، بحسب مروان، إلا أنه يرى الناس يتنقلون ويتجمعون هناك متجاهلين إياها تمامًا، وكأن الأمر لا يعنيهم أو يمسّ سلامتهم.

مقترح بدوريات مراقبة

هذا الاستهتار لا يتوقف عند حدود البالغين فحسب، بل يمتد بشكل أكثر خطورة ليشمل شريحة الأطفال الذين يرتادون مجرى النهر دون أي رقابة أو متابعة عائلية.

وألقت منى الإبراهيم، وهي من سكان المدينة، باللوم المباشر على الأهالي في ضياع أرواح أبنائهم وفلذات أكبادهم، إذ وجهت تساؤلات مستنكرة: “أين أولياء أمور هؤلاء الأولاد؟ وكيف يسمحون لهم بالذهاب والمخاطرة بأرواحهم دون حسيب؟”.

وللحدّ من هذه الفوضى، اقترحت منى عبر عنب بلدي ضرورة نشر وتثبيت دوريات مراقبة دائمة على طول ضفاف النهر للحظر الصارم للسباحة في المواقع التي تصنف على أنها خطرة.

وأضافت منى مفسرة سلوك الصغار، أن “مشاعر الحماس والتشجيع المتبادل بين الأصدقاء تدفع بعض الأطفال، الذين لا يجيدون السباحة بالأساس، إلى رمي أنفسهم وسط المجرى المائي، ليتفاجؤوا بعد ثوانٍ بقوة الموجات وسرعة التيار العاتية، والتي تعمل فورًا على شل حركتهم تمامًا ومنعهم من العودة أو النجاة نحو الشاطئ”.

المخاطر الكامنة في تلك المياه تجسدت ميدانيًا في حادثة يروي تفاصيلها معتز العبد الله، لعنب بلدي، والذي كان شاهد عيان ومشاركًا في محاولة إنقاذ طفل لم يتجاوز الـ12 من عمره، بعدما جرفه مجرى النهر الصغير في حي الحويقة الغربية.

وقال معتز: “لم نتردد لحظة، وحاولت أنا وصديقي إنقاذه فور رؤيته يتخبط في المياه، وبدأنا عملية بحث مكثفة عنه رفقة عناصر الدفاع المدني استمرت لمدة ساعة كاملة دون توقف، لكننا في النهاية عثرنا عليه ووجدناه جثة هامدة”.

ويختتم معتز شهادته بالتأكيد أن علامة الاستفهام الأكبر تظلّ موجهة بالدرجة الأولى إلى والدي هذا الطفل، مستغربًا: “كيف يمكن لعائلة أن تسمح لطفل في مثل هذا العمر المبكر بالمجيء إلى النهر والسباحة فيه بمفرده، خاصة في ظل الظروف والأخطار الحالية؟”.

أرقام تتحدى المواسم السابقة

البيانات التي أعلنتها مديرية الطوارئ والكوارث بمحافظة دير الزور حول ضحايا الفرات منذ بدء موسم السباحة الحالي 2026، أظهرت الأرقام ارتفاعًا قياسيًا في معدلات الغرق عن العام الماضي، بالتزامن مع تحديات ميدانية بالغة تواجه فرق الإنقاذ التي تعجز حتى الآن عن انتشال جثامين عدة مفقودين رغم عمليات التمشيط المكثفة.

وفي توضيح لعنب بلدي، كشف مدير مركز العمليات في مديرية الطوارئ والكوارث بمحافظة دير الزور، البراء الحمد، عن تفاصيل هذه الإحصائيات المقلقة، مؤكدًا أن المديرية استجابت لعدد كبير من البلاغات منذ مطلع الموسم الجاري، وأن إجمالي حالات الغرق المسجلة حتى تاريخ 11 من حزيران الحالي بلغت 35 حالة، وهو رقم مرتفع جدًا مقارنة بالموسم السابق.

وأضاف الحمد أن الحصيلة توزعت بين 19 حالة وفاة غرقًا، و16 حالة تم إنقاذها من الموت المحتوم، مشيدًا بالدور المحوري للمجتمع المحلي في عمليات الإغاثة الميدانية، إذ أنقذ المدنيون المتواجدون في مواقع الغرق 13 حالة، بينما تمكنت فرق المديرية من إنقاذ 3 حالات.

ولا تزال ثلاثة جثامين مفقودة في مجرى النهر وتكافح الفرق لانتشالها، بحسب الحمد، ومن أبرزها شخص فقد أثره في قرية الحسينية منذ 11 يومًا ولم يتم العثور عليه رغم محاولات البحث المستمرة.

إضافة إلى شاب غرق، في 9 من حزيران، أمام مطعم النخيل ولا تزال الفرق تمشط المنطقة لليوم الثالث على التوالي، وطفلة تبلغ من العمر خمس سنوات جرفها المجرى الصغير لنهر الفرات ولا يزال البحث جاريًا عنها حتى الآن.

وأشار إلى أن إدارة التمكين في مديرية الطوارئ تعمل بالتوازي مع عمليات الإنقاذ على تكثيف الجلسات التوعوية حول مخاطر السباحة في المناطق غير المخصصة وشملت كافة مناطق المحافظة، مستدركًا بأن الالتزام بهذه التحذيرات لا يزال دون المستوى المطلوب.

Related



إقرأ المزيد