مصطفى حسين بطيخة
لكل مخلوق في هذه الحياة، بصمته التي تميزه عن الآخر والتي يعرف بها، وهذه البصمة تحمل الجانبين: الخير والشر معًا، فالدبور مثلًا الذي نهرب منه خشية من لسعته والتي تكون قاتلة في بعض الحالات، هو نفسه له فوائد بيئية من حيث افتراس حشرات وآفات زراعية على سبيل المثال.
لذلك فإن العالم ينادي بالتوازن البيئي بحيث يتعايش الجميع مع بعضه، ودون غلبة أو انقراض لعنصر حياتي على آخر، فنجد العالم قد أنشأ محميات طبيعية لبعض الأشجار أو الحيوانات أو الأنواع الحياتية المهددة بالانقراض.
إن العالم يؤمن أن الجميع في هذا الكون وُجِدوا معًا لهدف توازنه، وإن غياب مكون يعني بالضرورة غياب الخير الذي يأتي به، واختلال التوازن فتنتشر الأمراض، ويقل الغذاء ويتغير المناخ.
وبالعودة لمثال “الدبور” فإن غيابه يسبب انتشار الآفات الزراعية التي كان يتغذى عليها، مما يضطر المزارع لاستخدام المبيدات، وبالتالي رفع تكاليف الانتاج وغلاء سعره للمستهلك وتراجع جودته ومذاقه. إن العالم هنا يطلب منك التعايش مع الدبور وليس التخلص منه، لما في الدبور من خير على التوازن البيئي، وتجنب شره الذي يأتي بمثابة دفاعه عن نفسه، هذا الشر الذي يزول بمجرد اطمئنان الدبور لعدم وجود خطر حياتي عليه، لذلك نجد أن الفلاح بفطرته وخبرته قد تعايش مع الدبور فلا يخشاه ولا يؤذيه، وعندما يشاهدك تفزع متوجسًا حين تراه ينصحك بالهدوء وألا تخيفه بحركاتك المضطربة، التي قد تضع الدبور في موقف الدفاع عن النفس.
إن مثال التوازن البيئي السابق ينطبق على المجتمعات التي تبحث عن توازنها الداخلي من خلال قانون التعايش لا الإقصاء، ومن خلال دستور وطني يوحدها على التعايش، دستور يجعل كل طرف يأتي ببصمته الخيرة.
في مقال سابق على جريدة “زمان الوصل” بعنوان “الاستبداد وقدسية المعارضة” تحدثت وباختصار عن أنواع الاستبداد الثلاثة، وأخطرها الاستبداد على مستوى الأمة، أو الاستبداد الفرعوني في التوصيف القرآني، والذي هو عبارة عن نظام متكامل يمثل التحالف بين الفرعون صاحب الغلبة العسكرية، ورجلي الدين والمال الفاسدين. إنه الفرعون الإله “وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي”، وكيف لا وأفعاله تقول أنه “ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ”، وهو “فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ”، وهو “لا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا”، وهو “لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ”.
ولتستمر ألوهية فرعون يقوم بإنشاء العصبيات (الشيع بالمفهوم القرآني)، فالعصبية شرط لازم لوجود فرعون الذي هو سبب الخلل البيئي في المجتمع من خلال تشجيع استقواء عصبية على أخرى يذبحون أبناءهم، ولكن أهم مايميزهم أنهم يذلونهم من خلال “استحياء النساء”: “إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ”، والعصبوي في تفكيره يتصرف بشكل غريزي وأعمى، دون حرمة لأحد، ودون ضوابط، فكل شيء مباح حتى القتل (راجع مقالي السابق على زمان الوصل بعنوان: فزعات العصبيات الفرعونية).
لذلك لن نستغرب أن النظام الفرعوني هو أول من يهاجم قانون الأمم المتحدة الذي نص على منع الإبادة الجماعية لجماعة قومية أو عرقية أو دينية أو إثنية، والصادر في العام 1948، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان في نفس العام في حق الجميع في الحياة والمساواة وحرية الدين والحماية من التعذيب والتمييز، وكثيرة هي قوانين الأمم المتحدة المتعاقبة في هذا المجال، والتي تسمح للأمم المتحدة بالتدخل في حال ثبوت الإبادة والجرائم ضد الإنسانية. على سبيل المثال جرت تحقيقات دولية عدة ضد اسرائيل وخلصت إلى ممارسات عنصرية و جرائم ضد الإنسانية ، كقضية جدار الفصل العنصري 2004، وتحقيقات حرب غزة العامين 2008 و2014، وقضية جنوب أفريقيا ضد اسرائيل العام 2023، ولجان تحقيق دولية بعدها خلصت لاحتمالية وقوع جرائم إبادة.
إن جرائم الإبادة ضد الإنسانية هي البصمة السوداء لأي نظام فرعوني “وَقَالَ ٱلمَلَأُ مِن قَومِ فِرعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَومَهُۥ لِيُفسِدُواْ فِي الأَرضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبنَآءَهُم وَنَستَحيِۦ نِسَآءَهُم وَإِنَّا فَوقَهُم قَٰهِرُونَ”، إنه نداء القتل والإبادة للأبناء واستحياء النساء من قوم ضد قوم في نفس المنطقة الجغرافية. إنه النظام الفرعوني الذي يؤسس في وجوده على الاقتتال الداخلي ضمن الوطن الواحد بين العصبيات المختلفة، ولامشروع لديه إلا إشعال نار التطرف بنسائمها الحارقة، وهو الفرعوني الذي يهدده مطر التعايش الذي يطفئ هذه النار و يحمل السلام للمجتمعات.
لو استعرضنا على عجالة بعض أمثلة الإبادة، فنبدأ من أشهرها في روندا، حيث يمثل الهوتو الأغلبية بنسبة 85% والتوتسي 14%، وفيها كان حكم الرئيس الفرعون من الهوتو، جوفينال هابياريمانا، الطويل لمدة 21 عامًا، والذي جاء بانقلاب عسكري، والذي تميز حكمه بحكم الحزب الواحد والسلطوي والأمني والتمييز والدعاية الممنهجة ضد التوتسي وفرض القيود في مجال التعليم والوظائف. لقد كانت نتيجة هذا النظام الفرعوني إبادة جماعية للتوتسي في العام 1994، موثقة وفق الأمم المتحدة بقتل 800 ألف واغتصاب أكثر من 100 ألف امرأة خلال 100 يوم فقط، وبعض القتلى كانوا من الهوتو المعتدلين (الكيوت) والذين قتلوا على يد الهوتو أنفسهم، وفي هذه الإبادة قتلت عائلات بأكملها بصورة منظمة وممنهجة، شارك فيها الهوتو حكومة ومدنيين (فزعات). لقد انتهت هذه الإبادة بسيطرة الأقلية التوتسية على الحكم وإعلانهم إلغاء التمييز العرقي وإقامة دولة موحدة.
أما المثال الثاني وفق الأمم المتحدة فهو مجزرة مدينة سربرنيتشا في البوسنة والهرسك، والتي جاءت نتيجة نظام فرعوني لحكم الرئيس تيتو الطويل لمدة 35 عامًا، حيث تميز فيه بحكم الحزب والرجل الواحد، والذي أدت وفاته العام 1980 إلى صعود العصبيات القومية ومتطرفيها وتفكك يوغوسلافيا، لقد وثقت الأمم المتحدة أن هذه المجزرة في العام 1995 أدت إلى قتل أكثر من 8000 مدني من المسلمين البوشناق خلال 10 أيام، معظمهم من الشيوخ والأطفال، على الرغم من إعلان الأمم المتحدة للمدينة منطقة آمنة، لقد انتهى هذا الاقتتال العصبوي القومي بالتقسيم.
أما المثال الثالث وفق الأمم المتحدة فهو جريمة دارفور بداية العام 2003 والتي امتدت لحوالي 8 سنوات، وقد جاءت نتيجة نظام الفرعون عمر البشير، والذي حكم لمدة طويلة 30 عامًا، وتميز بحكم الرجل الواحد وسيطرة الواجهة الحزبية له المتمثلة بحزب “المؤتمر الوطني” على البرلمان والأجهزة الأمنية والحكومية والإعلامية، وانتهى البشير بالثورة عليه العام 2018 وعزله وسجنه العام 2019. لم يكن ماحدث في دارفور إلا مطلبيًا في بدايته نتيجة التهميش، قبل أن يقوم النظام الفرعوني (البشيري) بحرفه إلى اقتتال عصبوي قبلي عربي أفريقي. لقد قدرت الأمم المتحدة القتلى بأكثر من 200 ألف، كما تم تسجيل استخدم سلاح الاغتصاب مع النساء والأطفال معًا.
كثيرة هي الجرائم ضد الإنسانية والتي تم توثيقها سواء في قرارات للأمم المتحدة أو بتحقيقات وتقارير منظمات إنسانية مستقلة بدون قرار دولي، ولكن جميعها تشترك أن هذه الجرائم تأتي نتيجة نظام فرعوني له صفاته الألوهية كما فرعون، والسلطوية الأحادية في الحكم، وامتداده الطويل في البلاد، وهو نظام يستغل العصبيات وفزعاتها للقيام بمجازره المنظمة والممنهجة و التي تُعْتَبـَر بصمته السوداء، ولم تكن سوريا بحياد عن هذه الجرائم، بداية من مجزرة حماة في العام 1982 التي تنتظر التوثيق الأممي ولكن بعض التقارير لمنظمات إنسانية تتحدث عن قرابة 10 آلاف قتيل وآلاف المفقودين، وانتقالاً لمجازر مابين العامين 2011 و 2024 والتي وثقتها تقارير الأمم المتحدة بأكثر من 350 ألف قتيل موثق، وانتهاء بتقارير الأمم المتحدة عن أحداث الساحل (حوالي 1400 قتيل) وأحداث السويداء (حوالي 1700 قتيل) العام 2025.
إن هذه الجرائم لاتنتهي إلا بالندوب الطويلة في الذاكرة التي قد لا تشفى والتي تقود إلى التقسيم العصبوي، وكما خلصت في نهاية مقال سابق على زمان الوصل بعنوان (الايديولوجيات الأممية وقتل الوطنية) فإن الشعب يتحمل مسؤولية عن حدوث هذه الجرائم أو التخلص منها والصراخ بكلمة (كفى). إنه الخيار بالوقوف مع النظام الفرعوني بصفاته الألوهية أو ضده. إنه خيار الشعب أن يستمر مع ماضي الجريمة أو أن يشفى منها.
إن سوريا اليوم تحتاج أن نفكر فيها على نفس مبدأ التوازن البيئي الذي بدأت مقالي هذا منه، وذلك أن جميع المكونات جزء من توازننا المجتمعي، وإن جمال سوريا هو بوجود هذا التنوع وهذه المكونات المختلفة الألوان التي تزين سوريتنا، وهذا التوازن لا يمكن تحقيقه إلا من خلال دستور التعايش بيننا، دستور المواطنة لا العصبيات.
ويبقى القول إن الدبور لم يختر أن يكون دبورًا، وكذاك العصفور لم يختر أن يكون عصفورًا، وكذاك عصبوي الولادة الذي لم يختر نسبته لعصبية معينة، ولكننا نحن البشر لسنا كالدبابير ولسنا كالعصافير، فنحن قادرون على تغيير انتمائنا من عصبويتنا وغرائزنا وأيديولوجياتنا العصبوية إلى الوطن، وطن التعايش المختلف الألوان كما الطبيعة الأم وكما أراد الله لها أن تكون، لا وطن عصبية اللون الواحد، فتخيلوا عالمًا لايحتوي إلا على الدبابير.
Related


