عنب بلدي - 6/14/2026 10:38:18 AM - GMT (+2 )
عنب بلدي – محمد ديب بظت
تواصل الدبلوماسية السورية تحركاتها باتجاه دول المغرب العربي، بعد زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى الجزائر مطلع حزيران الحالي، التي جاءت بعد أسابيع من أخرى مماثلة إلى المغرب، ما يثير تساؤلات حول دلالات هذا الحراك وحدود الانفتاح المغاربي على سوريا خلال المرحلة الانتقالية.
وقالت وزارة الخارجية السورية، إن الشيباني أجرى مباحثات مع مسؤولين جزائريين، بمن فيهم الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، تناولت العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون بين البلدين، في حين تسعى دمشق إلى توسيع شبكة علاقاتها العربية واستكشاف فرص جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي.
حضور سياسي أوسعتأتي التحركات السورية تجاه الجزائر والمغرب في سياق مساعٍ لإعادة بناء العلاقات مع الدول العربية بعد التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، ومحاولة توسيع التعاون مع العواصم العربية.
الانفتاح على دول المغرب العربي يحمل أبعادًا سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ تسعى دمشق إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي عربيًا، وتثبيت موقعها ضمن منظومة العلاقات الإقليمية في المرحلة الجديدة.
ورغم الطابع السياسي الظاهر للزيارات المتبادلة، يطرح الحراك الدبلوماسي الحالي تساؤلات حول إمكانية انتقال العلاقات إلى مستويات أوسع من الزيارات البروتوكولية والإعلانات الرسمية.
انفتاح قيد الاختبارمع المؤشرات الإيجابية التي تعكسها الزيارات الرسمية، لا يزال من المبكر الحديث عن تحول كبير في طبيعة العلاقات، إذ تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى بناء الثقة السياسية وإعادة تفعيل قنوات التواصل الرسمية، تمهيدًا لبحث ملفات أكثر عمقًا في المستقبل.
واعتبر الباحث في الشؤون العربية والإفريقية علي فوزي، أن زيارة وزير الخارجية السوري إلى الجزائر بعد فترة قصيرة من زيارته إلى المغرب، يمكن قراءتها في إطار تحرك دبلوماسي أوسع يهدف إلى إعادة بناء شبكة العلاقات العربية لسوريا خلال المرحلة الانتقالية الحالية.
وقال الباحث لعنب بلدي، إن دمشق تدرك أن استعادة دورها الإقليمي لا يمكن أن تقتصر على المشرق العربي والخليج، بل تشمل أيضًا دول المغرب العربي التي تمثل، بحسب وصفه، عمقًا سياسيًا واقتصاديًا مهمًا داخل المنظومتين العربية والإفريقية.
وأضاف أن موقف الجزائر والمغرب من السلطة السورية الجديدة يتسم بـ”الحذر الإيجابي”، موضحًا أن البلدين يحافظان على الاعتراف الدبلوماسي والتعامل الرسمي مع المؤسسات السورية، مع وجود رغبة في متابعة مسار الاستقرار السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
العلاقات، وفقًا لفوزي، تشهد انفتاحًا تدريجيًا لكنه لا يزال في مرحلة بناء الثقة وتقييم التطورات الداخلية السورية، أكثر من كونه انتقالًا إلى شراكات استراتيجية مكتملة.
وبحسب فوزي، فإن سوريا تسعى من خلال تعزيز حضورها في دول المغرب العربي إلى توسيع دائرة الدعم السياسي العربي، وجذب الاستثمارات ورؤوس الأموال، والاستفادة من الخبرات الاقتصادية والتنموية، إضافة إلى فتح أسواق جديدة أمام المنتجات السورية مستقبلًا.
في المقابل، أشار إلى أن دول المغرب العربي يمكن أن تستفيد من فرص إعادة الإعمار في سوريا، وتوسيع التعاون التجاري والاستثماري، وتعزيز حضورها الاقتصادي في منطقة المشرق العربي.
واعتبر أن العلاقات السورية مع الجزائر والمغرب تمتلك فرصًا تتجاوز البعد السياسي، إذ تشمل مجالات واعدة للتعاون في قطاعات البناء وإعادة الإعمار والطاقة والنقل والزراعة والصناعات الغذائية والسياحة والتعليم العالي والتدريب المهني، مضيفًا أن المواني وشبكات النقل في دول المغرب العربي قد تشكل بوابة مهمة لتعزيز التبادل التجاري بين سوريا والأسواق الإفريقية.
ولفت فوزي إلى أن هناك تحديات قد تعوق تطور هذه العلاقات خلال السنوات المقبلة، من بينها استمرار حالة عدم اليقين بشأن مسار المرحلة الانتقالية في سوريا، إلى جانب التوازنات الإقليمية والدولية المؤثرة في الملف السوري.
كما أشار إلى تحديات اقتصادية تتعلق بالبنية التحتية والتمويل والعقوبات وارتفاع تكاليف النقل والشحن بين المشرق والمغرب العربي، فضلًا عن الحاجة إلى تحديث الأطر القانونية والاستثمارية التي تسهل حركة التجارة والاستثمار.
ويرى فوزي أن الانفتاح السوري على دول المغرب العربي لا يمكن فصله عن عملية إعادة تموضع السياسة الخارجية السورية عربيًا، معتبرًا أنه يندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة الاندماج العربي، وتوسيع هامش الحركة الدبلوماسية السورية بعد سنوات من العزلة والصراع، إلى جانب تلبية متطلبات المرحلة الانتقالية وبناء علاقات متوازنة مع مختلف العواصم العربية.
حراك دبلوماسي واسعمن جانبه، يرى أستاذ القانون الدولي العام الدكتور عامر فاخوري، أن زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى الجزائر بعد فترة قصيرة من زيارته إلى المغرب لا تبدو بروتوكولية معزولة، بل تأتي ضمن حراك دبلوماسي أوسع تسعى من خلاله دمشق إلى إعادة بناء علاقاتها العربية خلال المرحلة الانتقالية.
وقال فاخوري لعنب بلدي، إن التوجه نحو دول المغرب العربي يحمل دلالات سياسية واضحة، إذ تحاول سوريا العودة إلى محيطها العربي عبر أكثر من بوابة، وعدم حصر انفتاحها في دول المشرق والخليج فقط.
وأشار إلى أن زيارة الشيباني إلى المغرب حملت بُعدًا رمزيًا وعمليًا في آن واحد، لا سيما مع إعادة فتح السفارة السورية في الرباط بعد سنوات من التوقف، معتبرًا أن هذه الخطوة تعكس انتقال العلاقات من إطار المجاملات الدبلوماسية إلى استعادة التمثيل والتواصل المؤسسي بين البلدين.
وأضاف أن لقاءات الشيباني في المغرب عكست استعداد الرباط للتعامل مع الإدارة السورية الحالية ضمن مقاربة جديدة، في حين حملت زيارة الجزائر رسائل سياسية مختلفة، تجلت في استقبال الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، للوزير السوري، إلى جانب مباحثاته مع وزير الخارجية الجزائري، ما منح الزيارة ثقلًا سياسيًا واضحًا.
وبحسب فاخوري، تبدو الجزائر حريصة على الإبقاء على قنوات التواصل مع دمشق، والتعامل مع التحولات السورية من منطلق الحفاظ على الحضور العربي والاستمرارية الدبلوماسية، بعيدًا عن سياسات العزلة والقطيعة.
واعتبر أن الزيارتين تعكسان توجهًا سوريًا لإعادة وصل ما انقطع مع دول المغرب العربي، إلا أن من المبكر الحديث عن تحول استراتيجي كامل، موضحًا أن المشهد الحالي أقرب إلى انفتاح سياسي متدرج ومحاولة لإعادة تثبيت الحضور السوري عربيًا، وبناء علاقات متوازنة مع دول تمتلك حساباتها ومصالحها الخاصة.
ولفت إلى أن دمشق تحرص في الوقت نفسه على تجنب الدخول في حساسيات المنطقة المغاربية، ولا سيما في ظل التباينات القائمة بين المغرب والجزائر، عبر تبني سياسة تقوم على تطوير العلاقات مع مختلف الأطراف دون الاصطفاف إلى جانب طرف على حساب آخر.
أكثر من اعتراف دبلوماسيالعلاقات السورية مع المغرب والجزائر، بحسب فاخوري، تجاوزت مرحلة الاعتراف الدبلوماسي الشكلي، من خلال تبادل الزيارات الرسمية وإعادة فتح قنوات التواصل والمؤسسات الدبلوماسية، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الشراكات الاستراتيجية المتكاملة.
وأضاف أن سوريا تسعى من هذا الانفتاح إلى تعزيز شرعيتها العربية، وتوسيع شبكة علاقاتها السياسية، وتهيئة الأرضية لتعاون اقتصادي محتمل في مرحلة إعادة البناء، في حين تتيح هذه العلاقات للمغرب والجزائر فرصًا لتعزيز حضورهما في الملف السوري، واستكشاف فرص اقتصادية مستقبلية.
تحديات أمام التقاربحول العقبات المحتملة، أشار فاخوري إلى أن نجاح العلاقات السورية مع دول المغرب العربي يبقى مرتبطًا بمدى قدرة الإدارة السورية على تعزيز الاستقرار الداخلي، وتوحيد المؤسسات، وترسيخ حالة من الانتظام السياسي والإداري، معتبرًا أن استمرار حالة عدم اليقين قد يدفع بعض العواصم إلى الإبقاء على علاقاتها ضمن حدود التواصل السياسي دون الانتقال إلى شراكات أوسع.
كما لفت إلى وجود تحديات اقتصادية مرتبطة بالعقوبات والقيود المالية وصعوبات التحويلات المصرفية وضعف الضمانات الاستثمارية، ما قد يحد من فرص الانتقال السريع من التقارب السياسي إلى التعاون الاقتصادي.
وأضاف أن من بين التحديات أيضًا حساسية التوازنات القائمة بين المغرب والجزائر، الأمر الذي يتطلب من دمشق إدارة علاقاتها مع الطرفين بحذر للحفاظ على سياسة متوازنة وعدم الانخراط في الخلافات الإقليمية.
الانفتاح السوري على دول المغرب العربي يمثل جزءًا من عملية إعادة تموضع السياسة الخارجية السورية عربيًا، وسعي دمشق إلى بناء علاقات مع مختلف العواصم العربية، لكنه لا يزال في بدايته ويرتبط أيضًا بمتطلبات المرحلة الانتقالية والحاجة إلى توسيع شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية خارج نطاقها التقليدي، وفقًا لفاخوري.
Related
إقرأ المزيد


