علي عيد
لم يعد من الممكن أن يرى السوريون “المكتوبجي” وهو يمارس دور الرقيب على أنفاس الصحفيين، أو حتى صانعي المحتوى. لقد انتهى ذلك العصر.
يمكن كتم الصوت بالإيهام الأمني أو القانوني، لكن ذلك يحتاج أولًا إلى تلك القوانين التي تضع حدودًا لا تقهر حرية التعبير.
ولكي يكتمل الأمر، لا بد أيضًا من فهم معنى الحرية وحدودها وضوابطها، وأمامنا في هذا عمل كبير.
انفتحت البلاد على الحريات الإعلامية، ودخلت الصحافة المهاجرة، تلك التي نشأت خارج الحدود لأن روادها ومؤسسيها رفضوا التزييف، ولم يكن بمقدورهم مواجهة المكابس والمعتقلات، فالهدف أن تصل الرسالة لا أن يموت رسلها.
نلاحظ في الآونة الأخيرة أن هناك من يريد إعادة البلاد إلى زمن “المكتوبجي”، وهو لمن لا يعرفه، شخص كان يكلفه الولاة العثمانيون، ومهمته إجازة طباعة الصحف قبل الطباعة، كمقص رقيب، أو حارس على المصلحة العليا للسلطنة في مواجهة النقد وحرية الكلمة.
في البيئات التي ما زالت تعاني ضعف منظومة الدولة والقوانين، غالبًا ما يعارض الموالون للسلطة مَن ينتقدها، أو تندم السلطة ذاتها على جرعة الحرية التي تُمنح تحت الضغط أو لتلميع الصورة، والأولى أن سوريا اليوم غير ذلك تمامًا، إذ لم تُظهر حكومتها رغبة في كمّ الأفواه وقمع الحريات، بل في تعزيزها، لأن الشعب السوري اكتفى من ستة عقود من القمع والاستبداد، وهي تعلم ذلك.
بالعودة إلى “المكتوبجي”، فقد نشأ هذا الدور في الدولة العثمانية، لأنها اختارت الانفتاح تحت الضغط، إذ كان السلاطين العثمانيون قد استيقظوا على دعم الحياة المدنية وهم في موقف ضعيف، حيث أصدر السلطان عبد الحميد فرمان “خط شريف كلخانة”، الذي اتُهم فيه بأنه قام بـ”تغريب” البلاد، وقد فُسِّر الفرمان على أن من ورائه مصلحة للسلطنة التي أخذت اسم “الرجل المريض”، وباتت تحت الضغط من قبل الأوروبيين، وخصوصًا فرنسا.
يقول الصحفي السوري- اللبناني سليم سركيس (1869-1926)، صاحب جريدة “لسان الحال”، في كتابه “غرائب المكتوبجي”، إن “سبب جميع هذه المصائب والنكبات هو وجود المراقبة على جرائد تركيا عمومًا، وجرائد سوريا خصوصًا، لأن الحكومة العثمانية اختارت وضع مراقبة صارمة على الجرائد فقيّدت العقول، وأرادت من ذلك أن تقتل الأفهام كما تقتل الأجسام في هذه الأيام”.
قد يظن البعض أنني أتهم الحكومة السورية اليوم بإصدار فرمانات تضيق بها صدر الأحرار، وأقول إن هذا ليس أملي، لكن ما يبعث على الأسى أن وزارة الإعلام مثلًا قد تضطر لفتح مكاتبها لحل مشكلة بين صانع محتوى ورجل أعمال (صحفي سابق)، منعًا لتوقيف صانع المحتوى، وإجراء جلسة وديّة تنهي “ترند” ولا تنهي مشكلة.
الغريب اليوم، أن بعض من ينتفضون من حرية الصحافة، يفترض أنهم يعرّفون عن أنفسهم بأنهم صحفيون، و”ما أشبه الليلة بالبارحة”.
من قال إن فرض القانون يقتضي أن يخاف الصحفي أو المواطن، فالقانون وُجد ليحمي المصلحة العامة، ويحميك من نفسك أيضًا، وطالما أن أحدًا توجس خيفة من شخص لأنه قريب من الحكومة، أو من شخص آخر لم يلتزم بحدود النقد وفق ما تقتضيه القواعد المهنية أو الأخلاقية قبل القانونية، إذًا نحن في بداية مرحلة جديدة من أمرين، الخوف أو الفوضى.
“المكتوبجي” يظهر هذه المرة في سوريا بطرق مختلفة، مرة بتشجيع جمهور على جمهور، ومرة باستخدام نفوذ شخص قريب من دوائر السلطة ضد منتقد أو مسيء بسبب تصريح أو موقف أو رأي، أو تعدي ناقم على الحكومة على من يبدي موقفًا مساندًا لها أو لسياساتها، وكل أدوات التخويف أو الضغط على الحريات الصحفية والعامة لا تنفع لا الحكومة ولا أعداءها، ولا العباد ولا البلاد.
نحتاج إلى استكمال برنامج بناء القطاع الصحفي وفق قوانين عصرية، تمنح الإعلام وصانعي المحتوى قدرًا مطلوبًا من الاستقلال والحرية ولا تعفيهم من المسؤولية، ومناقشة وإقرار تشريعات تمنع الإساءة أو التعدي أو خطاب الكراهية.
ما عدا ذلك، يجب على المسؤولين والشخصيات العامة أن يتحضروا جيدًا لما سيطالهم من نقد ومتابعة، وتقييم للأداء، دون تململ وغضب، لأن الصحافة مهمتها تسليط الضوء على كل خلل. وعلى صانعي المحتوى أن يتحضروا لقوانين رادعة حتى لو استُمدت من تجارب أوروبية، كما أن على الإعلاميين والصحفيين أن يراجعوا جيدًا قواعد وأدبيات المهنة، فكما أن الصحافة ليست جريمة، هي في ذات الوقت ليست شتيمة.. وللحديث بقية.
Related


