عنب بلدي - 6/14/2026 12:24:17 PM - GMT (+2 )
دمشق – غنى جبر
تشهد الإيجارات السكنية في العاصمة دمشق ارتفاعًا وحالة من التفاوت الحاد في الأسعار بين الأحياء المختلفة، مع بداية اعتماد بعض المالكين نظام التأجير بالدولار الأمريكي وفرض زيادات سنوية بنسب متفاوتة.
ويأتي هذا الارتفاع في ظل صعوبات اقتصادية متزايدة، ما جعل الحصول على سكن مناسب تحديًا متصاعدًا لشريحة واسعة من السكان.
وأظهر رصد ميداني أجرته عنب بلدي في العاصمة دمشق، تفاوت الأسعار بين منطقة وأخرى، مع مستويات مرتفعة بشكل ملحوظ في عدد من الأحياء السكنية.
في منطقة المهاجرين، تبدأ القيمة الإيجارية للمنازل من نحو 200 دولار أمريكي شهريًا إلى نحو 500 أو 600 دولار (سعر صرف الدولار نحو 14600 ليرة سورية).
أما في مناطق أخرى مثل الجسر الأبيض وأبو رمانة والمالكي، فتُوصف الأسعار بأنها “مزاجية واجتهادية”، إذ تختلف تبعًا لتقدير المالك ومواصفات العقار.
وفي السياق ذاته، تتراوح إيجارات البيوت العربية بين 200 و400 دولار شهريًا، في حين تتراوح إيجارات الشقق السكنية الحديثة في مناطق مثل حاميش والميسات وركن الدين بين 500 و700 دولار شهريًا.
وفرة السكن وارتفاع الإيجاراتصاحب مكتب “برمبو” العقاري في منطقة المهاجرين، وعرّف عن اسمه بـ”أبو سعيد”، أكد لعنب بلدي أن المشكلة الأساسية في سوق العقارات، اليوم، لا تكمن فقط في ارتفاع قيم الإيجارات، بل في وفرة العقارات.
وقال “أبو سعيد”، إن هناك ما يقارب مليونًا ونصف مليون وحدة سكنية على الهيكل، وفي حال تم توجيه إنذارات لمالكي هذه العقارات لإكسائها، فإن الحجة الغالبة تكون نقص السيولة المالية، داعيًا إلى ضرورة تفعيل دور البنك العقاري عبر الاستعانة بالخبراء، ودخول شركات الإكساء على خط الأزمة لإيجاد حلول جماعية متكاملة
وأضاف أنه لو تضافرت الجهود وتم تجهيز هذه العقارات لتصبح قابلة للسكن، لارتفع العرض في السوق بشكل ملحوظ، الأمر الذي سيؤدي تلقائيًا إلى انخفاض أسعار العقارات وقيم الإيجارات.
وفيما يتعلق بعمولة المكاتب العقارية، أفاد بأن العمولة المتعارف عليها تبلغ نصف شهر قيمة إيجارية من المالك، ونصف شهر من المستأجر، وهي نسبة تخضع للقناعة والاتفاق بين الأطراف، مؤكدًا أنه في حال تجديد عقود الإيجار لاحقًا، فإن المالك والمستأجر غالبًا ما يجددون العقد بشكل مباشر ودون وساطة المكتب العقاري مجددًا.
فيما قال سليمان الهتيمي، صاحب مكتب عقاري في منطقة حاميش، إن الإيجارات الحالية وصلت إلى مستويات مرتفعة بشكل لافت، معتبرًا أنها باتت في بعض الحالات تتجاوز قيم الإيجارات في مدن خليجية رئيسة مثل دبي والرياض، رغم الفارق الكبير في مستوى الخدمات والبنية التحتية المتوفرة في تلك المدن.
وأضاف أن سوق الإيجارات المحلي يشهد ممارسات استغلالية في بعض الأحيان، خاصة تجاه المغتربين والقادمين من المحافظات الأخرى، الذين يواجهون صعوبة في إيجاد خيارات سكنية مناسبة بأسعار معقولة.
سوق بلا ضوابط واضحةمن وجهة نظر المستأجرين، تتجلى آثار الأزمة بشكل مباشر في الارتفاع المتواصل للإيجار، في وقت لا تواكب فيه مستويات الدخل.
وفي هذا السياق، قال طه ضبعان، المستأجر في منطقة المهاجرين، إن قيم الإيجارات الحالية لا تتناسب مع واقع الدخل، مشيرًا إلى أن استئجار منزل مؤلف من غرفتين فقط قد يصل إلى نحو ثلاثة ملايين ليرة سورية بما يعادل نحو 200 دولار أمريكي.
وأضاف أن منطقة المهاجرين تتمتع بمستوى مقبول من حيث كسوة المنازل والخدمات، إلا أن الإيجار فيها مرتفع بشكل كبير.
وعند سؤاله عن ظاهرة تسجيل عقود الإيجار بقيم مالية أقل من المبالغ الحقيقية المدفوعة، ذكر طه أن هذه الممارسة لا تزال منتشرة، مرجعًا ذلك إلى سعي بعض مالكي العقارات لتخفيف الأعباء الضريبية والرسوم البلدية المترتبة على العقار، من خلال التصريح عن قيم إيجارية أقل في العقود الرسمية.
وأشار إلى أن الإفصاح عن القيمة الحقيقية للإيجار قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى زيادة الرسوم المفروضة على المالك، وهو ما ينعكس على المستأجر الذي يتحمل هذه التكاليف.
وفيما يتعلق بإمكانية الانتقال إلى مناطق أخرى بحثًا عن إيجارات أقل، يرى طه أن هذا الخيار قد يحمل أعباء إضافية تشمل تكاليف النقل والمواصلات والارتفاع في فواتير الماء والكهرباء.
وقال إن الإيجار يشهد زيادة تلقائية مع كل تجديد للعقد، بالتوازي مع الارتفاع العام في الأسعار، وإن هذه الزيادات لا تخضع لنسب مئوية ثابتة أو معايير محددة، بل يحددها واقع السوق، والتعاملات والتقديرات تتم بالعملة السورية.
وتتوافق هذه الملاحظات مع ما أشار إليه المستأجر كرم دواليبي، الذي أكد أن أصحاب العقارات يرفعون الأسعار سنويًا بشكل غير منتظم، مستغلين غياب أي قانون يلزمهم بنسب زيادة محددة، وقد تصل الزيادة السنوية “المزاجية” إلى 50% دون وجود رادع قانوني يحدد سقفًا لهذه الارتفاعات.
وفي المقابل، يؤكد بعض المالكين أنهم يواجهون بدورهم تحديات ومشكلات مرتبطة بعمليات التأجير، إذ تحدث هشام الرواس عن تجربته الشخصية والصعوبات التي يواجهها كمالك للعقارات، مشيرًا إلى تبدل سلوكيات بعض المستأجرين السوريين، ومقارنتها بتجارب سابقة مع مستأجرين أجانب كانوا يحرصون على تسليم العقار بنظافة تامة.
ونظرًا إلى المشكلات المتكررة التي واجهها، أكد هشام أنه اتخذ قرارًا قاطعًا بالتوقف عن تأجير عقاراته سكنيًا أو تجاريًا لأي مستأجر جديد.
وفي سياق البحث عن حلول للحد من هذه الأزمات المتكررة بين الملاك والمستأجرين، اقترح هشام إنشاء نظام أو قاعدة بيانات (قائمة سوداء) تابعة لغرفة الإيجارات، يتم من خلالها توثيق أسماء المستأجرين الذين يتسببون بمشكلات أو يلحقون أضرارًا بالعقارات، مما يتيح للملاك التحقق من خلفية المستأجر قبل توقيع العقد.
كما شدد على ضرورة وجود قانون إيجار واضح ومحدث ينظم القيمة الإيجارية ونسبها بوضوح.
وفي المحصلة، تعكس الإيجارات السكنية في دمشق واقعًا معقدًا في ظل ظروف اقتصادية صعبة ومطالب بوضع ضوابط تنظيمية واضحة، ليبقى ملف السكن أحد أبرز التحديات المعيشية التي تحتاج إلى معالجة شاملة توازن بين مصالح المالكين وحقوق المستأجرين.
Related
إقرأ المزيد


