يمرّ قطاع الثروة السمكية في محافظة دير الزور بمنعطف إيجابي مبشر، وسط إجماع على توجه المنطقة نحو نهضة سمكية حقيقية.
ويعود هذا التعافي إلى تكامل الجهود بين الهيئة العامة للثروة السمكية والأهالي، مستفيدين من الظروف الطبيعية المواتية، إذ لعب ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات دورًا حاسمًا في إعادة التوازن البيئي.
كما أن التدفق القوي أدى إلى تحسين جودة المياه، ورفع مستويات الأكسجين المذاب، وتطهير المجرى المائي.
وقد وفرت هذه المتغيرات بيئة جاذبة للأسماك، وجعلت من الضفاف الضحلة والمغمورة حاضنات نموذجية تضمن تكاثر الأنواع المائية واستقرار بيوضها بعيدًا عن جرف التيارات.
حقائق ومخاوفوفي إطار المتابعة لواقع الثروة السمكية في محافظة دير الزور، أدلى أسامة الجاسم (50 عامًا)، وهو مربي أسماك من حي هرابش، بشهادة ميدانية لعنب بلدي، فنّد خلالها المخاوف المثارة مؤخرًا، موضحًا الفوارق العلمية بين الظواهر الطبيعية المعتادة وحالات التلوث المائي.
وأكّد الجاسم أن المربين والصيادين التمسوا فارقًا إيجابيًا كبيرًا بعد الارتفاع الأخير في منسوب نهر الفرات، مشيرًا إلى أن تدفق المياه المتجددة كان بمثابة ضخ للأكسجين في النظام المائي، مما حفز حركة ونشاط الأسماك بشكل ملحوظ.
كما ساهم في خلق بيئة تكاثر مثالية في المساحات المغمورة حديثًا، الأمر الذي نتج عنه زيادة انفجارية في أعداد زريعة الأسماك الصغيرة (الأفراخ) كأثر طبيعي وإيجابي يرافق الفيضانات المعتادة.
وحول التبدلات التي تطرأ عند تراجع منسوب النهر، أوضح الجاسم، بناءً على خبرته الميدانية، أن الانخفاض السريع للمياه يؤدي حتمًا إلى انحسارها من المناطق الضحلة والمنخفضات الجانبية، مما يتسبب في احتجاز بعض كميات الزريعة والأسماك الصغيرة داخل برك مائية منفصلة عن المجرى الرئيسي.
وشدد على أن هذه الظاهرة طبيعية ومألوفة جدًا لدى سكان الضفاف والمربين، وتتكرر عقب كل فيضان في مختلف أنهار العالم، مؤكدًا أنها لا تشكل أي تهديد للمخزون السمكي الاستراتيجي الذي يظل آمنًا ومستقرًا في أعماق المجرى الرئيسي للنهر.
وفي تعقيبه على مقطع فيديو جرى تداوله مؤخرًا ويظهر أسماكًا نافقة، بيّن الجاسم أن ما ظهر في المقطع لا يتعدى كونه أسماكًا صغيرة علقت في برك ضحلة وانقطعت صلتها بالنهر، مما أدى إلى نفوقها نتيجة جفاف تلك البرك تدريجيًا.
ونفى الجاسم بشكل قاطع أن يكون هذا المشهد مؤشرًا على تلوث المياه أو نفوق جماعي، كما تم تداوله، لافتًا إلى أن الأسماك الكبيرة والأساسية لم تتأثر إطلاقًا بسبب وجودها في المجرى العميق.
واختتم بالإشارة إلى أن هذه المشاهد تتكرر سنويًا مع تقلبات المنسوب، ولا تخرج عن كونها ضريبة طبيعية بسيطة قياسًا بالفوائد الاقتصادية والبيئية الهائلة التي يحققها الفيضان للمخزون السمكي الإجمالي في المنطقة.
نهضة “غير مسبوقة”أكد مدير فرع الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية في محافظة دير الزور، نافع الصيادي، أن قطاع الثروة السمكية في المحافظة يعيش حاليًا نهضة حقيقية وغير مسبوقة، لم تكن وليدة المصادفة بل جاءت نتيجة تكامل الجهود الإدارية والميدانية الاستثنائية مع ظروف بيئية مواتية أعادت الروح لنهر الفرات.
وأوضح الصيادي أن هذا الانتعاش الراهن يمثل ثمرة عمل مكثف بذله كادر الفرع، لا سيما خلال فترة حظر الصيد الممتدة بين منتصف آذار ونهاية أيار الماضي، إذ شهدت تلك الفترة أكبر حملة رقابية في تاريخ المحافظة عبر تسيير دوريات ليلية ونهارية صارمة على طول مجرى النهر لضبط المخالفات والتصدي الحاسم للصيد غير القانوني.
وأضاف الصيادي أن “الهيئة” نجحت في استعادة حيوية هذا القطاع رغم جملة من التحديات اللوجستية، وتراجع الخدمات خلال السنوات الماضية، وصعوبة الوصول إلى بعض النقاط الميدانية بسبب تضرر البنية التحتية المائية.
طفرة في أعداد “الزريعة”وفي سياق متصل، اعتبر الصيادي أن فيضان نهر الفرات الأخير شكّل فرصة مثالية لإنعاش النظام البيئي، إذ أسهم الارتفاع الكبير لمنسوب المياه في تطهير مجرى النهر وتحسين جودتها، فضلًا عن غمر مساحات واسعة من الضفاف مما أوجد بيئة آمنة للتكاثر الطبيعي ووضع البيوض، وأدى ارتفاع نسبة المغذيات الطبيعية إلى طفرة كبيرة في أعداد زريعة الأسماك الصغيرة، ما يبشر بمواسم إنتاجية قياسية هي الأفضل منذ عقد من الزمن.
وأشار مدير الفرع إلى أنه على الرغم من غياب الأقفاص النهرية والمزارع السمكية التجارية في دير الزور، فإن النهر يعوّض ذلك بتنوع حيوي فريد يمنح المحافظة مكانة رائدة، إذ تشهد المنطقة انتشارًا واسعًا لأنواع متميزة مثل الكارب الشائع والبني، والسلور، والخشني، والكرسين.
وتحدث الصيادي عن أن دور الفرع لا يقتصر على الجانب الرقابي فقط، بل يمتد نحو بناء مستقبل مستدام عبر إطلاق حملات توعوية للأهالي لحماية هذا المورد، وتبسيط إجراءات تراخيص المزارع السمكية مستقبلًا لتشجيع الاستثمار على ضفاف الفرات، بهدف رفع العائد الاقتصادي للصيادين وتأمين مصدر بروتيني عالي الجودة بأسعار مستقرة لجميع السكان المحليين.
Related


