ما دلالات التذبذب اللحظي لسعر الصرف في سوريا؟
عنب بلدي -

يشهد سوق الصرف في سوريا خلال الفترة الأخيرة تغيرات متكررة في سعر الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي خلال اليوم الواحد، بالتزامن مع صدور أكثر من نشرة أو تسعيرة في السوق السوداء، الأمر الذي يعكس حالة من الاضطراب في آليات التسعير ويؤثر على حركة البيع والشراء.

في الأسبوع الأخير، يلحظ افتتاح السوق يوميًا بنشرة صباحية، تليها لنهاية اليوم نشرة أخرى أو أكثر، ففي يوم الجمعة 12 من حزيران، صدرت خمس نشرات للصرف، تراوحت بين 14200 و14600، وخلال اليومين الأخيرين يفتتح السوق بنشرة ويغلق بنشرة مختلفة إذ يتراوح بين 14270 و14400.

ولا يقتصر تأثير هذا التذبذب على سوق العملات، بل يمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، بدءًا من حركة التجارة والاستيراد، وصولًا إلى أسعار السلع والمنتجات وقدرة التجار والمستهلكين على اتخاذ قرارات مالية مستقرة.

ويحاول اقتصاديون تفسير هذه الظاهرة من خلال عوامل نقدية واقتصادية مرتبطة بالسيولة، والثقة بالسوق، وآليات عمل سوق الصرف، إضافة إلى الظروف العامة التي تحكم النشاط الاقتصادي.

وصل سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي، في العاصمة السورية دمشق وعدد من المحافظات في الأيام الأخيرة إلى 14,700 ليرة سورية، بعد أن كان بلغ نحو  14,000 ليرة مطلع حزيران الحالي، ما يعكس تراجعًا جديدًا في قيمة الليرة السورية.

ويأتي هذا الانخفاض في قيمة الليرة، بينما يثبت مصرف سوريا المركزي نشرته الرسمية لسعر صرف الليرة مقابل الدولار، منذ 26 من نيسان الماضي، عند مستوى 11,250 ليرة شراء، و11,350 ليرة مبيع، ما يعادل 112.5 و113.5 ليرة سورية جديدة، وبذلك تبلغ الفجوة بين السوق الموازية والسعر الرسمية نحو 3,000 إلى 3,300 ليرة للدولار الواحد، أي أكثر من 25% تقريبًا.

ماذا يعني تعدد نشرات الصرف؟

لا يمثل تغير سعر الصرف خلال اليوم الواحد مجرد حركة طبيعية في سوق العملات، إذ إن تكرار التغيرات وظهور أكثر من تسعيرة يعكسان حالة من عدم وضوح المرجعية التي يعتمد عليها في تحديد قيمة العملة في السوق السوداء.

ويشير اقتصاديون إلى أن غياب سعر صرف مستقر يدفع التجار والأفراد إلى التعامل مع الدولار باعتباره مرجعًا للتسعير، ما يزيد من حساسية الأسواق تجاه أي تغير أو خبر جديد.

وهنا، يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة” والخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن محمد، أن الحديث عن سعر صرف واحد لليرة السورية مقابل الدولار لم يعد يحمل معنى اقتصاديًا واضحًا في ظل الواقع الحالي.

وقال محمد لعنب بلدي،إن ما يحدث يمثل تحولًا في طبيعة سوق الصرف، من سوق تسوده حالة من الاستقرار النسبي إلى سوق تشهد “فوضى التسعير اللحظي”، موضحًا أن تعدد النشرات غير الرسمية للأسعار يدل على:

1- التفكك الكامل لهيكل السوق واحتكار المعلومات:

  • وجود عدة نشرات للأسعار في اليوم الواحد، وأحيانًا في اللحظة نفسها (سعر تطبيق، سعر سوق سوداء جملة، سعر مفرق، سعر حوالات، سعر إغلاق)، يعني أن السوق لم يعد سوقًا واحدًا بل أصبح مجموعة من الأسواق المنعزلة والمتشظية.
  • كل نشرة تعكس سعرًا في قناة تداول مختلفة، وتخضع لمعطيات واحتكارات معلوماتية خاصة بها، وهذا يدل على غياب “سعر مرجعي” موحد، وهو ما يفاقم الفوضى ويسمح للمضاربين الكبار بصناعة الأسعار حسب مصالحهم.

2- تكريس ظاهرة “الدولرة” اللحظية للتسعير:

  • عندما يتغير السعر عدة مرات في اليوم، يتوقف التجار وأصحاب الخدمات عن تسعير بضائعهم بالليرة إطلاقًا.
  • يصبح التسعير الذهني بالدولار هو القاعدة، ويتم التحويل إلى الليرة لحظيًا عند إتمام الصفقة بناءً على نشرة متفق عليها.
  • هذا يدل على أن الليرة فقدت وظيفتها كمخزن للقيمة وكمقياس لها، وتحولت إلى مجرد أداة آنية للدفع، مما يكرس الدولرة الكاملة للاقتصاد بشكل غير رسمي.

3- دليل على انهيار الثقة وتغول التوقعات:

التذبذب اللحظي الحاد لا يعكس بالضرورة تغيرًا فوريًا في مؤشرات الاقتصاد الكلي، بل يعكس بشكل رئيس هشاشة نفسية المتعاملين، فأي خبر، أو إشاعة، أو حدث سياسي، أو حتى “شائعة” عن اعتقال صراف كبير، يترجم فورًا إلى قفزة في السعر.

هذا يدل على أن “المحرك الأساسي” للسوق لم يعد العرض والطلب الفعليين على النقد الأجنبي، بل أصبح “الطلب الاحترازي” المدفوع بالخوف من الغد، وهو ما يُعرف بحلقة التوقعات ذاتية التحقق، حيث يؤدي توقع الانهيار إلى الانهيار الفعلي.

انعكاس لحركة النشاط الاقتصادي

من جهته، يقرأ الخبير الاقتصادي محمد الحلاق هذا التذبذب باعتباره انعكاسًا لحركة النشاط الاقتصادي، موضحًا أن الأسواق تشهد تغيرًا في مستويات الطلب والقدرة الشرائية.

وأشار الحلاق إلى أن وجود السلع في الأسواق لا يعني بالضرورة وجود حركة بيع مستقرة، إذ إن توفر السيولة لدى المواطنين يتغير من فترة إلى أخرى، ما ينعكس على حجم الطلب.

وصل سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي، في العاصمة السورية دمشق وعدد من المحافظات، اليوم الثلاثاء 16 من حزيران، إلى 14,500 للشراء و14,560 للمبيع، بعد أن بلغ نحو 14,000 ليرة مطلع حزيران الحالي، ما يعكس تراجعًا جديدًا في قيمة الليرة السورية.

ويأتي هذا الانخفاض في قيمة الليرة، بينما يثبت مصرف سوريا المركزي، نشرته الرسمية لسعر صرف الليرة مقابل الدولار، منذ 26 من نيسان الماضي، عند مستوى 11,250 ليرة شراء، و11,350 ليرة مبيع، ما يعادل 112.5 و113.5 ليرة سورية جديدة.

وبذلك تبلغ الفجوة بين السوق الموازية والسعر الرسمي نحو 3,000 إلى 3,300 ليرة للدولار الواحد، أي أكثر من 25% تقريبًا.

ما الأسباب؟

يرتبط سعر العملة المحلية بمجموعة عوامل نقدية واقتصادية وسياسية، ولا يتحرك بمعزل عن حجم السيولة المتداولة، وحركة التجارة، ومستوى الثقة في السوق، ويؤدي غياب الاستقرار في هذه العوامل إلى زيادة حساسية سعر الصرف تجاه الأخبار والتغيرات المفاجئة، ما يجعل حركة الدولار أكثر سرعة مقارنة بالمتغيرات الاقتصادية الفعلية.

ويعدد الدكتور عبد الرحمن محمد مجموعة أسباب يرى أنها تقف خلف التذبذب، هي:

1- أسباب نقدية ومالية هيكلية:

· التضخم المفرط وتمويل العجز: إن استمرار تمويل عجز الموازنة العامة عبر الاستدانة المباشرة من المصرف المركزي (طباعة النقود) دون وجود غطاء إنتاجي يقابلها، يؤدي إلى ضخ كتل نقدية هائلة بالليرة تطارد كمية محدودة من السلع والعملات الأجنبية.

· غياب الاحتياطي الأجنبي الفعّال: الاحتياطي المتاح للمصرف المركزي (إن وجد) غير كافٍ بشكل كبير للتدخل والتأثير في سوق بحجم الطلب على الدولار في سوريا، مما يجعله عاجزًا عن الدفاع عن العملة.

· فشل المنصة الإلكترونية للحوالات: بدلًا من أن تكون أداة لضبط السوق، تحولت إلى سوق موازية أخرى بسعر مختلف، مما خلق مرجعية سعرية جديدة وعمّق الفجوة بدلًا من ردمها، وأصبحت مصدرًا للنشرات المتعددة.

2. أسباب تتعلق ببنية السوق وآليات عمله:

· احتكار القلة والمضاربة: سوق الصرف في سوريا ليس سوقًا تنافسية، بل يسيطر عليها عدد محدود من كبار التجار والصرافين الذين يمتلكون القدرة على التأثير في السعر. في ظل غياب رقابة حقيقية، تتحول السوق إلى حلبة للمضاربة، حيث يتم تحقيق أرباح طائلة من تقلبات اليوم الواحد، مما يشجع على تعميق التذبذب.

· انتشار اقتصاد الكاش: معظم التعاملات تتم نقدًا خارج القطاع المصرفي الرسمي، مما يجعل تتبع تدفقات الأموال صعبًا ويتيح مساحة واسعة للمضاربة غير المنظمة.

3. أسباب جيوسياسية وأمنية (مُسرّعات الأزمة):

· الارتباط بالعامل الخارجي: أصبح سعر الليرة شديد الحساسية للتطورات السياسية الإقليمية والدولية، كمسار العقوبات، والمفاوضات السياسية، والعلاقات مع دول الجوار.

· تهريب الأموال ورؤوس الأموال: أدى انعدام الأمن القانوني والاقتصادي إلى هجرة مستمرة لرؤوس الأموال السورية إلى الخارج، وهو ما يمثل طلبًا إضافيًا هائلًا على القطع الأجنبي بغرض التحوط والتهريب، وليس للاستيراد.

رسوم الواردات عامل إضافي

أما الخبير الاقتصادي محمد الحلاق فيوضح أن حركة سعر الصرف ترتبط أيضًا بمستوى السيولة في السوق، مشيرًا إلى أن زيادة كمية الليرة السورية المتداولة ترفع الطلب على الدولار.

وأضاف أن ملف الواردات يشكل عاملًا إضافيًا، إذ إن تسديد الرسوم المتعلقة بتخليص المواد المستوردة بالدولار يدفع التجار إلى تأمين العملة الأجنبية من السوق.

كيف ينعكس التذبذب على الاقتصاد والسلع؟

لا تتوقف آثار تغير سعر الصرف عند حدود سوق العملات، بل تنتقل إلى النشاط الاقتصادي بشكل عام، إذ تؤثر في قرارات الاستثمار والإنتاج والتجارة، كما تنعكس بشكل مباشر على المستهلك.

وفي الأسواق، يؤدي عدم وضوح سعر الصرف إلى صعوبة تحديد تكاليف السلع، خصوصًا تلك المرتبطة بالاستيراد أو المواد الأولية المستوردة.

وقال الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي عبد الرحمن محمد، إن استمرار التذبذب يضر ببيئة الأعمال، لأنه يجعل من الصعب على المستثمرين والتجار وضع خطط واضحة حتى لفترات قصيرة.

وأضاف أن حالة عدم اليقين تدفع جزءًا من الأموال نحو المضاربة بدلًا من الاستثمار والإنتاج، ما يضعف القطاعات الصناعية والزراعية.

وأشار إلى أن المنتجين يواجهون صعوبة في تحديد تكاليفهم وتسعير منتجاتهم، بينما قد يلجأ بعض التجار إلى رفع الأسعار استنادًا إلى توقعات بارتفاع سعر الصرف.

وأضاف أن ذلك قد يؤدي إلى ظهور ما وصفه بـ”السعر المتغير”، بحيث تختلف أسعار السلعة نفسها خلال اليوم الواحد، أو يمتنع بعض التجار عن البيع بانتظار وضوح اتجاه السوق.

تأثير غير منفرد

يرى الخبير الاقتصادي محمد الحلاق أن تأثير سعر الصرف على الأسعار لا يكون منفردًا، بل يتداخل مع عوامل أخرى مرتبطة بالسلعة نفسها.

وأوضح أن الأسعار تتأثر بجودة المنتج، وتوفر المادة، ودرجة المنافسة، ومكان البيع، إضافة إلى تكاليف النقل والمحروقات.

وبيّن أن ارتفاع تكاليف الإنتاج في بلد المنشأ أو ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة سعر السلعة، إضافة إلى أثر سعر الصرف، ما يخلق ضغطًا إضافيًا على الأسعار.

وأشار إلى أن تحسن حركة التجارة العالمية أو انخفاض بعض التكاليف قد يساعد في تخفيف ارتفاع الأسعار عند توفر السلع.

مقترحات للحل

يرى اقتصاديون أن معالجة مشكلة تذبذب سعر الليرة لا ترتبط فقط بضبط حركة السوق اليومية، بل تحتاج إلى إجراءات أوسع تعيد بناء الثقة وتوفر بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا.

وأكد الدكتور عبد الرحمن محمد أن الحل يحتاج إلى إصلاحات نقدية ومالية وهيكلية، تبدأ بإعادة تنظيم سوق الصرف وإنشاء آلية واضحة وشفافة تحدد سعرًا مرجعيًا للعملات الأجنبية.

واقترح تعزيز دور القطاع المصرفي وتقليل الاعتماد على التعاملات النقدية غير المنظمة، إضافة إلى معالجة أسباب التضخم وضبط السياسة النقدية.

كما شدد على أهمية استقلالية السياسة النقدية وإصلاح البيئة القانونية والاقتصادية بما يساعد على استعادة الثقة وجذب الاستثمار.

الحل يحتاج إلى إصلاحات نقدية ومالية وهيكلية، تبدأ بإعادة تنظيم سوق الصرف وإنشاء آلية واضحة وشفافة تحدد سعرًا مرجعيًا للعملات الأجنبية، وتعزيز دور القطاع المصرفي وتقليل الاعتماد على التعاملات النقدية غير المنظمة، ومعالجة أسباب التضخم وضبط السياسة النقدية، وأهمية استقلالية السياسة النقدية وإصلاح البيئة القانونية والاقتصادية

عبد الرحمن محمد

أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة”

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي محمد الحلاق أن استقرار سعر الصرف يحتاج إلى استقرار التشريعات والقرارات الاقتصادية، موضحًا أن المرحلة الحالية تتطلب سرعة ومرونة في اتخاذ القرارات، خاصة وأن المرحلة الحالية ما زالت انتقالية في ظل حكومة جديدة لم تستكمل بعد ضبط جميع الملفات.

وأشار إلى أن ذلك لا يرتبط بضعف الحكومة، وإنما بالظروف العامة، لافتًا إلى أن العديد من التشريعات لم تُضبط بشكل كامل، وأن عددًا من القوانين ما زال بحاجة إلى تعديل، إضافة إلى أن بعض المؤسسات لم تبدأ عملها بصورة كاملة.

وأوضح أن أي خبر أو تغير في المشهد الاقتصادي والسياسي ينعكس على الأسواق وسعر الصرف، مؤكدًا أن الاستقرار يحتاج إلى وجود قرارات واضحة وسريعة ومرنة تتناسب مع طبيعة اقتصاد السوق.

وأشار إلى ضرورة تسهيل حركة السلع ودخولها وخروجها من الأسواق، وإعادة تنظيم الإجراءات بما يتناسب مع طبيعة اقتصاد السوق.

وشدد على ضرورة إعادة النظر في بعض الإجراءات الاقتصادية، بما يسمح بتسهيل حركة السلع ودخولها وخروجها من الأسواق، معتبرًا أن الاقتصاد الحر المطلوب ليس اقتصادًا بلا ضوابط، بل اقتصاد منظم ومنضبط وعقلاني يحقق التوازن بين حرية السوق ودور المؤسسات.

ويُعرف اقتصاد السوق الحر بأنه النظام القائم على حرية الأفراد بأي نشاط اقتصادي، ويبنى على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.

وتختلف آراء الأوساط الاقتصادية حول هوية الاقتصاد السوري اليوم، سواء كانت تعتمد اقتصاد السوق الحر أم الاقتصاد الموجه، أم اقتصاد بهوية هجينة، مع استمرار الأزمات الاقتصادية التي تعوق بناء الاقتصاد وتعافيه وتحديد هوية واضحة له.

الرئيس السوري، أحمد الشرع، قال إن السياسة الاقتصادية في سوريا الآن تقوم على حماية المنتج المحلي “نوعًا ما”، ولا تزال سوريا في وقتها الحالي غير قادرة على فتح السوق لأن إنتاجها ضعيف، وبالتالي ستغرق في المواد المستوردة وسيكون هذا على حساب الإنتاج المحلي في سوريا، وذلك خلال حديثه في “مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار” بالرياض، في 29 من تشرين الأول 2025.

كما نفى مسؤول في الحكومة السورية، لعنب بلدي في وقت سابق، اتباع الحكومة اقتصاد السوق الحر، معتبرًا أن البيئة السورية اليوم غير مناسبة لتبنيه، وسياستها اليوم لا تقوم عليه، بل على سياسة اقتصادية تناسب الوضع الحالي.

خبيران يشرحان أسباب تنامي “اقتصاد الظل” في سوريا

Related



إقرأ المزيد