إيلاف - 2/23/2026 1:26:08 AM - GMT (+2 )
إيلاف من الرياض: اكتسبت الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى، أهميتها من عدد من العوامل، على رأسها استثمار الإمام محمد بن سعود "عبقرية المكان، ووعي الإنسان" في المنطقة، بمقدرة سياسية فذة، وظّفها خير توظيف، ووجهها نحو المستقبل، بحيث التف حوله أهل الدرعية بعد مقتل رئيسهم زيد بن مرخان بن وطبان، وبايعوه عام 1139ه/ 1727م، واستمر بحنكة ودهاء يؤسس لكيان، قُدّر له أن يُسهم في قيادة العالم فيما بعد، فقد انتقل بالدولة ابتداءً من "دولة مدينة"، ذات طابع تقليدي، إلى دولة حديثة تقوم على العنصر البشري بالدرجة الأولى، والمؤسسات.
فيديو |
— جـامعة شقراء (@ShaqraUni) February 21, 2026
في رحاب التعليم.. تواصل جامعات الوطن رسالتها،
حيث تتحول القيم التي بدأت في الدرعية قبل ثلاثة قرون في #يوم_التأسيس إلى علم يدرس، وفكر يبنى، وإنسان يسهم في صناعة الغد.#جامعة_شقراء pic.twitter.com/83vgU8OXBL
الصياغة عبر الزمان
وأدى موقع الدرعية في الطرف الشمالي الغربي من مدينة الرياض على رحبة متسعة بين ضفتي وادي حنيفة، إلى صياغتها عبر الأزمان، فقد كانت ذات موقع استراتيجي جعلها مؤهلة لبناء حضارة، هذا الموقع مكنها من احتضان مشروع دولة تكون بداية تاريخ جديد، ومن ثم أهلها للبقاء والاستمرار حتى بعد السقوط.
طبيعة "العوجا" وقوة الدولة
وطبقاً لبحث نشرته دارة الملك عبد العزيز "الدارة" – وهي مؤسسة وطنية ثقافية تعنى بالتاريخ السعودي - بمناسبة الاحتفاء بيوم التأسيس الذي يوافق 22 فبراير (شباط) من كل سنة، التي سميت بـ "العوجا" – طبقاً لعديد من المراجع التاريخية؛ واقتبس منها "أهل العوجا"وهي عزوة ونخوة ذات ارتباط مكاني واضح، وهو الدلالة على أهل الدرعية في الأساس، ثم شملت أهالي منطقة العارض، فاكتسبت المدينة من موقعها الجغرافي، والمظاهر الطبيعية التي تتمتع بها، وباتت ذات أهمية بالغة في قوة الدولة واستمراريتها، بعد قيامها على يد الإمام محمد بن سعود.
الإنسان واستغلال الرقعة الأرضية
وتعود أهمية العاصمة الأولى لانعكاسات قوية تقوم على استغلال الإنسان اقتصادياً للرقعة الأرضيّة، ثم قوة تأثيرها في حركة الاتصال والمواصلات في الدولة، وربط أطرافها بالمركز، وهذا أمر بالغ الحساسية بالنسبة لتماسك الدولة، إذا ما تظافرت عوامل أخرى، كالقوة الاقتصادية والمستوى الحضاري، وفقاً للبحث.
مكنوزات الأرض
ومن تلك الظروف الطبيعية والمقومات الطبيعية التي توافرت للدرعية؛ الصخور الرسوبية الجيرية، التي تتكون على شكل طبقات، من بينها ما يوجد في منطقة الجبيلة من أحجار جيرية، ساعدت على النمو العمراني، بحيث استعمل في البناء والتعمير، يضاف إلى ذلك أن وفرة الماء في الدرعية المتكون عبر تلك الطبقات، في التكوينات الجيرية كخزانات مائية ضخمة، ويطلق عليها المياه الحفرية، وقد بلغت موارد المياه في الدرعية من الآبار الارتوازية والعادية قرابة 357 مورداً.
مركز الاستقرار الغذائي
ومع وفرة موارد المياه وتنوع التربة، كالتربة الصخرية، والتربة السائدة، نشأت الدرعية كمركز للاستقرار الزراعي، ومثلت واحة من واحات هضبة نجد، وأصبحت الزراعة الحرفة الرئيسة للسكان، كزراعة النخيل، التي تحولت أيقونة في شعار الدولة الرسمي، كناية عن رمزية الحيوية والنماء والرخاء.

تحصين المدن
إضافة إلى موقعها الطبيعي، أدرك الإمام محمد بن سعود منذ بداية حكمه أهمية تحصين البلدات النجدية التابعة له، بحيث كانوا هو ومن معه، إذا تولوا بلداً كبيراً، بنوا حصنا في تلك البلدة على حدة عن حصنها الأول إذا كان لها حصن، وحفروا حوله خندقاً إذا كانت أرضه صلبة، وأحكموا بنيان القلعة، ورتبوا في الحصن قدر خمسمئة رجل عسكري.
العاصمة بعد وصول الإمام
والحديث عن تاريخ الدرعية يعود إلى منتصف القرن التاسع الهجري - الخامس عشر الميلادي. حينها كانت بلدة صغيرة تكبر مع الأيام شيئاً فشيئاً، لكنها لم تصبح عاصمة دولة كبيرة إلا عند وصول الإمام محمد بن سعود إلى حكمها في عام 1139ه/1727م.
ترسيخ التاريخ وغرس الثقافة
وذلك التاريخ المترسخ لدى المجتمع، مر بأربع حقب تاريخية طويلة غرست ثقافتها وبنَت تقاليدها في العقل الجمعي، في وعيه وفي لاوعيه، وصارت تؤثر في المجتمع بقوة التاريخ، هذه الحقب هي: حقبة التاريخ القديم، وقد تشكلت خلالها البنية الاجتماعية للقبيلة والأسرة والقرابة، وأنظمة الحكم القبلية، واستئناس إنسان البادية للإبل، وقدرة إنسان المدينة على أن يكتشف أهمية النخل بالنسبة لاقتصاده وغذائه، وحقبة ظهور الإسلام، وحقبة ما قبل الدولة السعودية الأولى، ثم الانتقال من دولة المدينة إلى الدولة السعودية.
مقومات المكان والشخصية والاستقرار
شكل هذا التاريخ 1139ه/ 1727م ومن خلال مقومات المكان (الدرعية،) والشخصية (الإمام محمد بن سعود وأعماله)، حداً فاصلاً بين تاريخ نجد والجزيرة العربية، التي كان يسودها الانقسام وتعمها الفرقة وعدم الاستقرار، وتكثر فيها الإمارات والمشيخات، والصراعات والحروب والنزاعات والتناحر بين القبائل النجدية، وهو صراع في حقيقته بين ما يمكن تسميته بدول المدن، والصراع الداخلي على الحكم، وبين استقرارهما، عند وصول الإمام محمد بن سعود إلى الحكم وقيام وتأسيس الدولة السعودية الأولى.
أول دولة بعد عصر الرسول
تقول ليدي آن بلنت (وهي رحالة وبارونة إنجليزية، وحفيدة الشاعر بايرون، واشتهرت بتوثيق رحلاتها في الجزيرة العربية والشرق الأوسط) واصفةً الدولة السعودية ووحدتها واستقرارها "إنها أول دولة عربية، تنشأ بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوحد تحت رايتها جزيرة العرب، على أساس من الشرع والتنظيم الإداري المحكم".
الدرعية اليوم
وبعد كل تلك السرديات التاريخية، التي تحتوي في طياتها وصفحاتها على ملاحم البناء المتمخضة عن تأسيس الدولة السعودية الأولى، تعد الدرعية اليوم في العصر الراهن، واحدة من أهم المشاريع الثقافية والسياحية والتنموية في المملكة، وتجمع بين التراث التاريخي والنهضة العمرانية الحديثة؛ في إطار رؤية السعودية 2030.

إقرأ المزيد


