إيلاف - 5/19/2026 11:51:17 AM - GMT (+2 )
إيلاف من برلين: فتح اعتماد دورات "التوجيه الأولي" للاجئين في ألمانيا باب التساؤلات حول قدرة البرامج المختصرة على تعويض دورات الاندماج الكاملة، خصوصاً في مجالي اللغة والتأهيل المهني.
ولا تُعامل هذه الدورات في الأوساط الألمانية باعتبارها مجرد صفوف لتعليم اللغة أو التعريف بالمجتمع، بل بوصفها أداة أساسية مرتبطة بسوق العمل، والاندماج الاجتماعي، والاستقرار طويل الأمد للمهاجرين واللاجئين في البلاد.
ويضع هذا التغيير الجديد الحكومة الألمانية أمام معادلة دقيقة: خفض النفقات من جهة، والحفاظ على مسارات الاندماج والمشاركة المجتمعية من جهة أخرى، في وقت تتزايد فيه أعداد الوافدين، وتتراكم الضغوط المالية والسياسية المرتبطة بسياسات الهجرة.
أسباب تقليص الإنفاق الحكوميوكانت وزارة الداخلية الألمانية قد أعلنت مطلع العام الحالي خططاً لخفض الإنفاق على دورات الاندماج، بعدما ارتفعت التكاليف من أقل من 500 مليون يورو عام 2021 إلى أكثر من 1.3 مليار يورو متوقعة في عام 2025. وبحسب الخطة الجديدة، ستواصل الدولة تمويل مشاركة بعض الفئات بشكل مجاني، لكن ضمن سقف مالي محدد يتغير وفقاً للموازنات السنوية وخطط الإنفاق الحكومية.
وترى الحكومة أن التركيز مستقبلاً سيكون على الأشخاص الذين يملكون فرصاً أكبر للبقاء طويل الأمد في ألمانيا، في مقابل تقليص المشاركة الطوعية لفئات أخرى؛ حيث يأتي هذا التوجه في ظل ضغوط متزايدة لضبط النفقات العامة، بالتوازي مع تصاعد النقاش السياسي حول سياسات الهجرة والاندماج، كما تحاول السلطات الربط بصورة أكبر بين تمويل برامج الاندماج وبين احتياجات سوق العمل وفرص الإقامة طويلة الأمد.
اللاجئون الأوكرانيون في مقدمة الأولوياتتنص الخطة على إعطاء أولوية لما تصفه الحكومة الألمانية بـ"الفئات ذات الحاجة الخاصة للاندماج"؛ وتشمل هذه الفئات الأشخاص الحاصلين على حماية مؤقتة بموجب المادة 24 من قانون الإقامة الألماني، وعلى رأسهم اللاجئون الأوكرانيون، كما سيُمنح بعض مواطني دول الاتحاد الأوروبي أولوية في الالتحاق بالدورات، خصوصاً المرتبطين بسوق العمل الألماني أو الراغبين في العودة إلى العمل.
في المقابل، أكدت وزارة الداخلية أن طالبي اللجوء والأشخاص الحاصلين على إقامة متسامح بها "دولدونغ" (Duldung) لن يكونوا ضمن الفئات المشمولة بدورات الاندماج العامة الممولة من الدولة، بل سيتم توجيههم إلى ما يعرف بدورات "التوجيه الأولي". ويرى مراقبون أن هذه الأولويات تعكس توجهاً حكومياً نحو ربط الاندماج بالاعتبارات الاقتصادية وسرعة الدخول إلى سوق العمل، بدلاً من اعتماد مبدأ الإتاحة الواسعة لجميع الفئات، وهو ما يطرح تساؤلات حول احتمال ظهور تفاوت أكبر بين مجموعات اللاجئين والمهاجرين في فرص تعلم اللغة والاندماج المجتمعي.
دورات أقصر وسؤال التكلفة والنتيجةوتخطط الحكومة الألمانية لتوسيع دورات التوجيه الأولي اعتباراً من نوفمبر المقبل؛ وتضم هذه البرامج نحو 300 ساعة تعليمية، أي أقل من نصف مدة دورات الاندماج التقليدية التي تشمل 600 ساعة لغة، إضافة إلى ساعات خاصة بالتوجيه المجتمعي والقانوني. هذا الفارق في عدد الساعات يضع البرامج المختصرة أمام اختبار فعلي حول كفايتها لتأمين الحد الأدنى من المعرفة. وأثار القرار خلال الأشهر الماضية انتقادات من حكومات الولايات والبلديات ومنظمات المجتمع المدني ومؤسسات اقتصادية، إذ اعتبرت أن تقليص الوصول إلى دورات الاندماج الكاملة قد ينعكس سلباً على فرص العمل والمشاركة المجتمعية، بينما اعتبر ممثلو الاتحاد المسيحي المعارض أن الاتفاق يحقق هدف تقليص مشاركة طالبي اللجوء في البرامج الممولة حكومياً مع الحفاظ على بدائل تعليمية أساسية لهم.
وفي نموذج ميداني عرضته شبكة "DW"، انضم فريق تلفزيوني إلى فصل دراسي مخصص لطالبي اللجوء تقيمه مدرسة "ACB" لتعليم اللغة الألمانية، يجمع بين تدريس اللغة نظرياً وتطبيقياً في الشارع للتعرف على جوانب الحياة اليومية في مدينة بون. وتعتمد المدرسة على إرسال الطلاب في مهمات استقصائية لدفعهم إلى التواصل المباشر مع المجتمع؛ حيث شملت إحدى المهمات الذهاب إلى الأسواق للتعرف على أنواع الخضروات والفواكه، والعثور على معلومات عن مكان ولادة الموسيقار "لودفيغ فان بيتهوفن" وتاريخ ميلاده عام 1770 في منزله الواقع قرب السوق وسط المدينة والذي تحول إلى متحف. ونجح الطالب رضوان وابنه علي، وهما من مدينة حلب السورية، في إنجاز هذه المهمة بنجاح، ليفوز رضوان لاحقاً بالتحدي وجوائز المدرسة المخصصة للفرق المتميزة بعد تفوقه في لعبة تخمين الكلمات على اللوح، والتي أظهرت فوارق واضحة بين قدرات الطلاب المشاركين.
ولم تقتصر المهمات الميدانية التي أشرفت عليها المدرسة "آليف إريسوف رينكي" على التدريب اللغوي، بل شملت تماريناً عملية لمعرفة أوقات دوام مكتب رعاية الأجانب، والتوجه إلى ساحة "فريدينزبلاتس"، ومعرفة المحطة الأخيرة للحافلة رقم "608" وموعد وصولها، بالإضافة إلى زيارة مكتبة المدينة للاستفسار عن إجراءات استعارة الكتب باللغات العربية والفارسية والكردية، وتعبئة بطاقات بريدية لشراء طوابع وإرسالها من مكتب البريد الرئيسي والاحتفاظ بالإيصالات. وتثبت هذه التجربة الميدانية الممتدة لساعتين أن اللغة مدخل أساسي للعمل والمؤسسات الرسمية، ليبقى السؤال مفتوحاً حول المسافة التي تفصل بين دورة من 300 ساعة وأخرى من 600 ساعة لتمكين المهاجر من المشاركة الفعلية في المجتمع الألماني تحت ضغط سياسات خفض الكلفة.
أعدت إيلاف التقرير عن "هيئة البث الألمانية DW: المصدر
إقرأ المزيد


