إعلان خليجي "متعجل" حول اتفاقية التجارة الحرة يربك "داونينغ ستريت" لساعات
إيلاف -

إيلاف من لندن: أحدث إعلان مفاجئ صادر عن الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي، أشار إلى قرب التوقيع على اتفاقية التجارة الحرة التاريخية بين المملكة المتحدة ودول الخليج هذا الأسبوع، حالة من الإرباك المؤقت في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (داونينغ ستريت) في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، قبل أن يقوم الجانب الخليجي بسحب البيان بهدوء من موقعه الإلكتروني بعد ساعات قليلة.

وكان البيان الأصلي، الصادر باللغة العربية عن الأمانة العامة للمجلس —الذي يمثل السعودية، والإمارات، وقطر، والكويت، والبحرين، وعُمان— قد أشار صراحة إلى أن الاتفاقية سيتم توقيعها يوم الأربعاء، الموافق 20 مايو (أيار).

حذر بريطاني وتكهنات في "وستمينستر"
ومع ذلك، حين أثار الصحافي جورج باركر من صحيفة "فاينانشال تايمز" المسألة خلال الإيجاز الصحافي اليومي لـ "رابطة الصحافيين في وستمينستر" (Lobby Briefing) بعد منتصف النهار، أحجم المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني عن تأكيد التوصل إلى أي اتفاق نهائي.

وفيما أقر المتحدث بأن المفاوضات والمناقشات مستمرة "بشأن التجارة وجوانب أخرى من الاتفاقية"، فإنه شدد على أن "لا شيء قد حُسم بشكل نهائي بعد"، مبيناً أن أي إعلان رسمي سيصدر "في الوقت المناسب ووفقاً للجدول الزمني المحدد".

هذا الرد المصاغ بعناية فائقة، أشعل على الفور موجة من التكهنات في الأروقة السياسية بـ "وستمينستر" والدوائر الدبلوماسية الخليجية، حول ما إذا كانت المحادثات قد دخلت مرحلتها النهائية والأكثر حساسية. وفي غضون ساعات من هذا السجال الصحافي، بدا أن الإعلان الخليجي الأصلي قد اختفى تماماً من الموقع الرسمي للمجلس.

ولم يقدم أي من الجانبين تفسيراً رسمياً لهذا التضارب الظاهري بين الحماس الخليجي والحذر البريطاني. غير أن دبلوماسيين مطلعين على مسار المفاوضات التجارية أشاروا إلى أن الحكومات غالباً ما تتجنب التأكيد العلني حتى يتم الفراغ من كافة التفاصيل التقنية والقانونية والسياسية، وجدولة مراسم التوقيع رسمياً. ومع ذلك، فإن هذه الواقعة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المفاوضات باتت في مراحلها المتقدمة للغاية.

طوق نجاة سياسي لـ "ستارمر"
تمثل الاتفاقية المقترحة واحدة من أكبر الترتيبات التجارية لبريطانيا في مرحلة ما بعد "بريكست"، وتشكل نجاحاً سياسياً كبيلاً يحتاجه رئيس الوزراء السير كير ستارمر في وقت محلي عصيب، يعقب النتائج المخيبة للآمال التي مني بها حزب العمال في الانتخابات المحلية الأخيرة، وتصاعد الضغوط الداخلية داخل حزبه.

وتستحوذ دول الخليج بالفعل على تبادلات تجارية سنوية بمليارات السندات مع بريطانيا؛ حيث تعد دولة الإمارات الشريك التجاري العربي الأكبر للمملكة المتحدة، في حين تظل المملكة العربية السعودية أحد أهم شركاء لندن في مجالي الدفاع والأمن في المنطقة.

وكان ستارمر نفسه قد استثمر جهداً سياسياً كبيراً لتعزيز العلاقات مع العواصم الخليجية؛ إذ أجرى جولة خليجية شملت السعودية والإمارات والبحرين وقطر في الفترة من 8 إلى 10 أبريل (نيسان) الماضي، ركزت على دعم وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز، وسط توترات إقليمية متزايدة تتعلق بالأمن البحري واستقرار الطاقة.

أبعاد استراتيجية تتجاوز لغة الأرقام
تمتد العلاقات البريطانية مع الممالك الخليجية إلى ما هو أبعد من أرقام التجارة؛ إذ لا تزال مقاتلات "تايفون" التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني والأفراد العسكريون البريطانيون يشاركون بعمق في التعاون الدفاعي الجوي الخليجي وعمليات الأمن البحري الإقليمية، لا سيما خلال المواجهات الأخيرة التي تضمنت هجمات بالمسيرات والصواريخ الإيرانية استهدفت المصالح الخليجية وممرات الملاحة الدولية.

ورغم أن لندن أو الأمانة العامة لمجلس التعاون لم تلمحا إلى أن أي ترتيبات دفاعية رسمية ستشكل جزءاً من اتفاقية التجارة نفسها، فإن الهواجس الأمنية الخليجية والتعاون العسكري البريطاني المتنامي مع دول المجلس يشكلان حتماً جزءاً من الخلفية الاستراتيجية الأوسع للمفاوضات.

ويعكس حذر "داونينغ ستريت" أيضاً الحساسية السياسية المحيطة بدبلوماسية التجارة بعد "بريكست"؛ فالكومات البريطانية المتعاقبة روجت للاتفاقيات الخليجية كدليل على قدرة بريطانيا على توسيع شراكاتها التجارية العالمية بنجاح خارج الاتحاد الأوروبي، ما يجعل أي إعلان نهائي ذا أهمية سياسية بالغة لكل من "وستمينستر" والعواصم الخليجية المعنية.

وحتى الآن، يبدو المسؤولون من كلا الطرفين عازمين على عدم إعلان "النصر" قبل أوانه. ولكن بعد السيناريو غير المعتاد الذي شهده يوم الثلاثاء —إعلان خليجي علني، تلاه رد بريطاني حذر ومتحفظ، ثم اختفاء البيان الخليجي— لم يعد هناك أدنى شك في "وستمينستر" بأن المفاوضات تقترب من لحظتها الحاسمة.



إقرأ المزيد