من لا يدفع أُجرة توصيله إلى العالم السفلي يختفي في اللانهاية.. هكذا تصورت الحضارات القديمة الحياة بعد الموت
هافنغتون بوست عربي -

آمنت الكثير من الحضارات القديمة بالحياة بعد الموت، وكان لكلٍّ منها تصوراتها عن حياة أخرى يحياها الناس بعد أن تفارق روحهم أجسادهم.

وهنا، نجمع لك أبرز الحضارات التي آمنت بالحياة بعد الموت، وكيف كانت نظرتها له.


1- بلاد الرافدين

تعتبر الحضارات في هذه المنطقة أم الحضارات في الشرق، إذ تعتمد حكاية ما بعد الموت لديهم على قصة الخلق، إذ اعتقد الناس في هذه الحضارة أن الإنسان خُلق على يد إله مزج الطين مع دم إله آخر، ما جعل في البشر نصفاً خالداً.

بالتالي حين يموت المرء يدفن جسده الفاني ويتحلل في التراب، في حين أن نصفه الخالد يبقى على الأرض بشكل روح قبل أن يعود للعالم السفلي في رحلة طويلة عبر سبع بوابات، قبل أن تصل الروح إلى موضع محاكمتها، حيث يقرر مصيرها في جهنم أو الجنة، ويرتبط ذلك بمدى العناية بالجثة قبل الموت من قبل الأقرباء، إلى جانب أخلاق الشخص ومدى حفاظه على العلاقات الاجتماعية حين كان حياً.


2- الأزتِك

تصور حضارة الأزتيك -فيما يعرف حالياً بالمكسيك- عن الحياة ما بعد الموت مختلف كلياً عن ذاك الذي عرفته الحضارات الأخرى، إذ كان مصير الروح يعتمد على الطريقة التي مات بها الشخص، وحسب ذلك ترسل الروح إلى أحد الاتجاهات الأربعة.

فالمرأة التي تموت أثناء الولادة تذهب جثتها إلى الغرب، أما من يموت من وباء كالطاعون أو من ضربه الرعد فيرسل جسده إلى الجنوب، حيث يسترخي هناك مستمتعاً بالطعام والشراب، فيما خصص الشمال لمن ماتوا بشكل طبيعي، حيث يحاولون اجتياز ثمانية تحديات، وإذا تجاوزوها فسيجدون السلام الأبدي.

أما المحاربون الذين ماتوا في ساحات القتال، فهؤلاء يرسلون غرباً، حيث غروب الشمس، لظن الأزتيك أن الشمس قد لا تشرق يوماً ما، وأرواح المحاربين هناك تساعد إله الشمس في الحرب ضد الظلام كي تشرق الشمس.


3- المصريون القدماء

كان الاعتقاد السائد في مصر القديمة أن أرواح الموتى تعود لأجسادهم، لهذا كانت أجساد الموتى تحنّط وتحول إلى مومياوات، فحين تخرج الروح من الجسد تمر بعدة بوابات في الحياة الأخرى، وما إن تجتازها جميعاً، حتى تدخل الروح إلى قاعة الحقيقتين.

هذه القاعة تتألف من ممر طويل بأعمدة على جوانبه، وفي نهايتها إله العالم السفلي "أوزوريس"، ومن حول الروح يجلس 42 إلهاً لكلٍّ منهم اسم، وعلى الروح أن تعترف لكل إله بخطيئة لم ترتكبها ولا تنتمي لصلاحيات هذا الإله.

كأن تعترف الروح بجريمة سرقة لإله الحرائق، ولمنع الالتباس قام أحد المحاربين بتأليف "كتاب الأموات" كي تعرف الأرواح كيفية التعامل مع كل إله، وبعد أن تنهي الروح اعترافاتها، تتوجه إلى مكان آخر للقيام بطقس لمعرفة وزن القلب.

إذ كان المصريون القدماء يؤمنون بأن القلب يسجل كل ما يقوم به المرء في حياته، وعند الموت يتم وضعه في كفة ميزان وفي الكفة الأخرى ريشة من آلهة الحقيقة والعدالة، وإذا كانت الريشة أثقل من القلب، هذا يعني أن الشخص لم يكن صالحاً، لتسلم الروح إلى وحش يقوم بالتهامها، وإن كانت الكفتان متوازنتين تُرسل الروح إلى الإله أوزوريس، حيث تعمل في الحقول، فالحياة بعد الموت لدى المصريين هي مجرد عمل في الزراعة.


4- السلطيق

لا يوجد الكثير من المعلومات عن حضارة السلطيق، والسبب في ذلك هو الشكوك الكثيرة حول حقيقة أصولهم، فالبعض يظن أنهم من الجزر البريطانية في حين أن البعض يرى أنهم هاجروا من منتصف أوروبا.

فيما يعتقد السلطيق أن الأرواح تذهب إلى مكان يسمى "العالم الآخر" الذي يتألف من عدد من الممالك، وهي "أرض الشباب" و"صفيحة العسل" و"الأرض الموعودة"، لكن هذه الممالك متداخلة بشدة كما الحلم، يمكن للروح أن تتواجد في جميعها بما يشبه الحلم.


5- الهنود الحمر

بعض القبائل من الهنود الحمر -سكّان أميركا الأصليين وهم أكثر من 600 قبيلة- تؤمن بأن الحياة بعد الموت تسمى "أرض الصيد السعيدة" حيث يوجد الكثير من حيوان الثور الأميركي من أجل الصيد، في حين تؤمن قبيلة أخرى بأن الموتى يذهبون لمكان آخر حيث يلتقون الموتى الآخرين ويكملون حياتهم هناك.

فيما لا يؤمنون بوجود عقاب عما فعله الشخص في حياته، فالموت بالنسبة لهم ليس إلا استمراراً للحياة، في حين أن قبائل أخرى تؤمن بأن الموتى يعبرون مجرة درب التبانة ليستقروا مع أصحابهم الموتى الآخرين على شكل نجوم.


6- الصين القديمة

في الصين القديمة آمن الناس أنه حين يموت أحدهم فإن روحه يحملها سعاة إلى آلهة الجدران والأسوار، حيث تتم محاكمتها، وإذا كان الشخص فاضلاً فيذهب للفردوس، إلا أن الملوك على الأرض فقط هم فقط من يختبرون الفردوس الحقيقي أو يتعدون للحياة عبر التقمص.

كما يحوي المعتقد الصيني أيضاً عالماً سفلياً يسمى "النبع الأصفر"، وهو المكان الذي تذهب إليه الأرواح الشريرة لفترة محددة حيث تنال عقابها ويتم تطهيرها من ذنوبها لتولد من جديد.


7- الأنكا

استقرت حضارة الأنكا في أميركا الجنوبية وامتدت من الإكوادور إلى منتصف تشيلي، وكان الأنكا يؤمنون أن الحياة تتألف من ثلاث طبقات أفقيّة، ففي القسم الأعلى هناك "العالم العلوي" حيث تذهب أرواح من كانوا طيبين في الأرض، ثم "هذا العالم" وثم "العالم السفلي" حيث يعيش فيه من كانوا سيئين في هذه الحياة.

في معتقدهم، العالم السفلي ليس مكاناً للعذاب، بل هو مرتبط بالأرض الأم وعظام السابقين وأرواحهم، كما آمن الأنكا أن البرق هو رسائل من العالم العلوي إلى هذا العالم، في حين أن الجبال هي ممرات للعالم السفلي.


8- الفايكنج

حين يموت مقاتل الفايكنج يذهب إلى "أرض الذين سقطوا"، كما يعتقد هذا الشعب، إذ يرون هذا المكان جميلاً وسقفه مصنوع من الدروع، ومحميّ بالذئاب والصقور وحين يصل المحارب إليه، ترحب به الآلهة، لتشاركهم شراباً كحولياً مصنوعاً من العسل متوافراً بكميات لا محدودة.

إلى جانب هذه الرفاهيات، المحاربون هناك يتمرنون دائماً على القتال، ففي يوم القيامة عليهم أن يقاتلوا إلى جانب الآلهة ضد ذئب عظيم اسمه "فِنرير" يريد تدمير "أرض الذين سقطوا"، بحسب معتقد شعب الفايكنج.

لا يصل كل المحاربين إلى ذلك المكان، بل على المحارب أن يكون شخصاً محترماً ويموت في المعركة، وهذا ما يحث المقاتلين على بذل كل ما لديهم في المعركة لأنهم حتى لو ماتوا فسينتهي بهم الأمر في أرض الذين سقطوا، أما من لم يحالفه الحظ منهم فينتهي بهم الأمر في مكان مسالم، حيث يصنعون الأعمال الفنيّة ويقضون الوقت مع النساء.

أما لغير المحاربين ومن لم يموتوا على أرض المعركة فهناك احتمالات مختلفة لمصيرهم، فمثلاً الفايكنج الذين كانوا بحّارة حين موتهم يذهبون إلى "أرض البحارة" تحت رعاية إله البحر، أما من لم يكن ذا سيرة مشرّفة أو ذا سيط سيّئ، فيذهب إلى مكان مليء بالأفاعي التي تضخ أنهاراً من السم، أما من ماتوا بسبب المرض فينتهي بهم الحال في مكان ضبابي مليء بالطعام الرديء.


9- اليونان والرومان

تشترك كلتا الحضارتين في الكثير من العناصر الثقافية والدينيّة، وخصوصاً أن الرومان استعاروا من اليونان نظام الآلهة، ففي الميثولوجيا (علم الأساطير) اليونانيّة حين يموت أحدهم تذهب روحه إلى العالم السفلي الذي يحكمه "هاديس" وزوجته "بيرسيرفون"، فيما يقوم الإله "هرمس" بقيادة الروح إلى العالم السفلي الذي تحيط به خمسة أنهار وهي "نهر الأحزان"، و"النحيب"، و"النار"، و"الكراهية"، و"النسيان".

وكي تصل الروح إلى العالم السفليّ تعبر مع قائد المركب نهر النحيب، وعليها دفع الأجرة لقائد العبّارة وهي عبارة عن قطعة نقديّة توضع على فم الجثة حين الدفن، ومن لا يمتلك الأجرة تضيع روحه إلى اللانهاية. وبعد أن تجتاز الروح حارس جهنم "سيريروس"، تقف أمام ثلاثة قضاة حيث تروي الروح قصة حياتها.

وهناك ثلاث نتائج لهذه المحاكمة: الأولى ينتهي بالروح في حقول "أسفوديل" التي يذهب إليها معظم الناس، وهي مكان ضبابي ممل تهيم فيه الأرواح دون هدى، والثانية وهي مكان يشبه الجنة يدعى"إيليسيوم" وتذهب إليه أرواح الأبطال الذين ماتوا في المعركة، أما النتيجة الثالثة، فهي نفي الروح إلى حفرة "تارتاروس"، وهي أعمق مكان في العالم السفليّ، وهو مكان مظلم وضبابي، ويحوي عواصف تطيح بالموجودين فيه.


10- الماوريين

استوطن الماوريين نيوزيلندا، وفي حضارتهم حين يموت أحدهم يأخذونه إلى أقصى منطقة في نيوزيلندا وهي قمة "كاب رينغا"، حيث يتركونه يتزحلق نحو شجرة ثم نحو المحيط لتنضم إلى أرواح السابقين.

وتقسم مراتب الروح إلى 12، وكل منها تخضع لإمرة إله مختلف، إذ لا يهم كيف تصرف الشخص في حياته، فهم لا يؤمنون أن الأرواح تحاسب على ما قامت به على الأرض، وبالرغم من عدم اهتمامهم بالحياة ما بعد الموت إلا أن ما كان يثير خوفهم هو ألا تتزحلق روح أحدهم من أعلى.



إقرأ المزيد